قلع أظافر ورصاصة في الرأس.. عن قصة مقتل نبيل بركاتي

قلع أظافر ورصاصة في الرأس.. عن قصة مقتل نبيل بركاتي

13528 مشاهدة
أكثر من 30 سنة مرّت منذ مقتل نبيل بركاتي في انتظار محاسبة القتلة

الترا تونس - فريق التحرير

 

أعلنت هيئة الحقيقة والكرامة منذ سنة أنها أحالت 7 متهمين على الدائرة القضائية المتخصصة بالمحكمة الابتدائية بالكاف، وذلك في ملف الشهيد نبيل بركاتي الذي مات تحت التعذيب بتاريخ 8 ماي/آيار 1987. وكشفت الهيئة أيضًا أن لائحة الاتهام تتضمن جرائم ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تتمثل في القتل عمدًا، والتعذيب الناجم عنه الموت، والاختفاء القسري. وسبق وأن عرضت الهيئة شهادة شقيقه رضا البركاتي في ثاني جلسات الاستماع العلنية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

فمن هو نبيل بركاتي، وكيف مات مقتولًا على يد أجهزة الأمن التونسي؟

شهادة رضا بركاتي شقيق الشهيد نبيل بركاتي

معلّم يساري في مواجهة الاستبداد

نشأ نبيل بركاتي بتاريخ 30 ماي/آيار 1961 بمدينة قعفور بولاية سليانة، وهي المدينة التي فارق فيها الحياة أيضًا. درس نبيل بالمدرسة الوطنية للمهندسين، أين حاز على شهادة مهندس مساعد في الهندسة المدنية سنة 1983، ثم عمل مدرسّا في التعليم الابتدائي.

ساهم نبيل بركاتي في تأسيس حزب العمال الشيوعي سنة 1987 وكان أحد الناشطين في انتفاضة الخبز سنة 1984

وكان قد انخرط سنوات دراسته في النضال الطلابي ضمن صفوف اليسار، إذ شارك في المظاهرات الاحتجاجية أثناء انتفاضة الخبز جانفي/كانون الثاني 1984، وهو ما سبب له الإيقاف لمدة أسبوع. وانتمى بركاتي إلى "حلقة الشيوعي" التي ضمت مجموعة من الماركسيين اللينينيين والتي انتهت بإعلان تأسيس حزب العمال الشيوعي الذي يعتبر من مؤسسيه ومن الناشطين صلبه.

اقرأ/ي أيضًا: 33 متّهمًا أمام القضاء في قضية مقتله.. تعرف على قصة مقتل رشيد الشماخي

في الأثناء، تميّزت فترة الثمانينيات باحتداد الأزمة بين أزمة اقتصادية، وأخرى سياسية عكسها الصراع بين القوى الحاكمة لخلافة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، بذلك شهدت هذه الفترة اتساعًا لتحرّكات المعارضة وهو ما واجهته السلطة بالقمع الشديد. وتأسس، في هذه الأجواء، حزب العمال الشيوعي التونسي في السرية يوم 3 جانفي/كانون الثاني 1986 في الذكرى الثانية لانتفاضة الخبز، وذلك في مناخ متوتّر.

تعذيب وحشي دون رحمة

عملت سلطة الاستبداد بذلك على محاصرة الناشطين في حزب العمال الشيوعي واعتقالهم، وكان نبيل بركاتي أحدهم، حيث اعتقلته قوات الأمن بتاريخ 28 أفريل/نيسان 1987 إلى مركز الأمن بقعفور، حيث تعرّض لأشنع انتهاكات حقوق الإنسان من تعذيب وحشي طيلة 11 يومًا، حتى وجدوه جثّة هامدة بتاريخ 9 ماي/آيار داخل قناة تصريف المياه مصابًا برصاصة على مستوى الرأس.

تعرّض نبيل البركاتي للتعذيب الوحشي لمدة 11 يومًا باستعمال المفكّ لقطع أظافره وأضراسه قبل قتله برصاصة في الرأس

وقد وجده قاضي التحقيق المباشر للقضية ممددًا على بطنه ورجلاه ممددتان إلى الوراء بداخل القناة ويداه إلى الوراء عاري الجسم إلا من تبان، منكبًا على وجهه والدماء تكسو وجهه وبركة من الدماء أسفل رأسه ولا أثر للدم على بقية جسمه، وذلك وفق ما كشفته جذاذة الضحية التي نشرتها هيئة الحقيقة والكرامة في وقت سابق.

 وتضيف هذه الجذاذة أنه بالتفتيش قرب الضحية تم العثور على ظرف خرطوشة مستعمل على مستوى الرأس، وعلى مسدّس أيضًا أسفل رجله. وقد أكد وقتها رئيس الشرطة الفنية استحالة رفع الفضلات عن المسدس، وذلك خلافًا لما جاء بتقرير المخبر الجنائي الذي أكد إمكانية التقاط الآثار على المسدس واستغلالها. وأفادت ذات الجذاذة أيضًا أنه تم التقاط صور فوتوغرافية للجثة بالأبيض والأسود، وذلك بقصد تعتيم الصورة فيصعب بالتالي استبيان حالة الجثة ومسرح الجريمة، وأنه تم تنظيف مكان الإصابة وهو ما أدى لاستحالة تحديد المسافة التي أطلقت منها الرصاصة.

تمّ تنظيف مكان إصابة نبيل بركاتي مع التقاط صور بالأبيض والأسود للجثة بطريقة عمدية للتعتيم على الجريمة

وتحدثت هيئة الحقيقة والكرامة أيضًا أن أعوان الأمن صرحوا لقاضي التحقيق عند الاستجواب، بأن بركاتي كان مربوطًا بقميص أبيض وفك قيده وفر عبر الغرفة الأولى، ثم ولج الغرفة الثانية واستحوذ على مسدس أحد الأعوان ثم عاد الى المطبخ وخرج الى الحديقة ومنها الى الخارج عبر السور مرورًا بالسكة الحديدية، وذلك في سيناريو لتبرير مقتله.

في المقابل، تحدث رضا بركاتي أن شقيقه تعرض لـ"أساليب تعذيب وحشية وجهنمية" مشيرًا أنه تم استعمال المفكّ لقطع أظافره وأضراسه.

رضا بركاتي يتحدث عن أساليب تعذيب شقيقه

كيف أفلت القتلة من العقاب المناسب؟

قررت محكمة التعقيب في ماي/آيار 1987 سحب القضية من مكتب التحقيق بالمحكمة الابتدائية بسليانة وإحالتها على مكتب تحقيق آخر بالمحكمة الابتدائية بتونس بتعلّة مراعاة مصلحة الأمن العام. وكشف حينها قاضي التحقيق أن بركاتي توفي نتيجة طلقة رصاصة مع استبعاد فرضية الانتحار لأن اختراق الرصاصة للمخ يؤدي للوفاة الحينية وينجر عنه شلل تام لجسم الهالك ويبقى تبعًا لذلك المسدس بيد الهالك مع وجود اثار دم بالإبهام والسبابة، كما إن قطر دخول الرصاصة ليس كبيرًا بما يعكس فرضية عدم الانتحار أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: مأساة العميد كردون.. لما اُغتيل شرف الجيش التونسي!

وقد قرر قاضي التحقيق في مارس/آذار 1988 ختم البحث بتوجيه تهمة القتل العمد إلى رئيس مركز الأمن بقعفور وحفظ القضية في حق عوني الأمن لعدم قيام الحجة، وقد أرجعت دائرة الاتهام القضية لقلم التحقيق لتوجيه تهمة الافراط في السلطة في حق المتهمين الثلاثة واستنطاقهم من أجلها خاصة أنه أثناء التحقيق اعترفوا كونهم تعمدوا تعذيب نبيل بالاعتداء عليه بالضرب بواسطة عصا غليظة وأسلاك حديدية وتعليقه بين طاولتين بعد شد وثاقه، وذلك ما وفق تبينه جذاذة الضحية.

اعتبرت المحكمة أن الجريمة ليست سوى جريمة تجاوز سلطة وليست جريمة قتل عمد

ثم قررت دائرة الاتهام بتاريخ 22 فيفري/فبراير 1989 توجيه تهمة القتل العمد المسبوق بجنحة إلى رئيس مركز الأمن وتوجيه تهمة تجاوز حدود السلطة من طرف موظف إلى العونين. وقضت المحكمة بعد 9 جلسات سرية أن القرائن الواردة بقرار دائرة الاتهام كانت ضعيفة وغير متظافرة، واعتبرت أن ما قام به رئيس المركز لا يشكل سوى جريمة تجاوز سلطة وقضت بسجنه وسجن العونين مدة خمس سنوات وبتخطئتهم بمائة وعشرين دينارًا من أجل تجاوز سلطة.

في الأثناء، تعرضت عائلة الشهيد نبيل بركاتي لتضييقات طيلة عقود، حيث تحدث شقيقه رضا لدى شهادته أن "العائلة تدمرت"، مشيرًا لعدم منحه مع عائلته لجواز سفر لمدة 14 سنة، كما كان بيته محاصرًا من أعوان الأمن بصفة يومية. وتحدث عن منع ابنه من السفر في رحلة مدرسية بتعلّة أن والده معارض.

شقيق الشهيد نبيل بركاتي يتحدث عن تضييقات نظام الاستبداد للعائلة

الآن، هل تتحقق العدالة؟

قدّمت عائلة الشهيد نبيل بركاتي ملفّا لدى هيئة الحقيقة والكرامة لكشف الحقيقة وردّ الاعتبار للعائلة ومحاسبة المسؤولين على مقتله، وبالخصوص المسؤولين الكبار الذين عملوا على قبر القضية طيلة العقود.

وقد قامت الهيئة بإحالة ملف بركاتي كأول ملف تقع إحالته على الدائرة القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية بالكاف، لتبدأ مسيرة جديدة للعائلة من أجل ضمان عدم إفلات المسؤولين عن وفاة ابنهم من العقاب بعد نحو 30 سنة على مقتله، وكانت قد أعلنت هيئة الحقيقة والكرامة أن لائحة المتهمين تضم مسؤولين أمنيين وكذلك طبيبًا ووزيرًا ممّن تورّطوا في واحدة من أشنع عمليات قتل المعارضين زمن الاستبداد.

 

اقرأ أيضًا:

انتهاكات تونس.. المقاومة مستمرّة لكشف الحقيقة ومنع الإفلات من العقاب

قضية تحكيم سليم شيبوب.. مسلسل طويل لم ينته بعد