"قاطع الغلاء تعيش بالقدا".. حالة وعي افتراضي لمقاطعة غلاء الأسعار

تهدف مجموعة "قاطع الغلاء تعيش بالغدا" إلى ترسيخ ثقافة المقاطعة (صورة أرشيفية/ فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

ارتفع عدد المشتركين في مجموعة "قاطع الغلاء باش تعيش بالقدا" (قاطع الغلاء لتعيش جيدًا)على موقع التواصل الاجتماعي فيسوك من 200 ألف عضو إلى أكثر من 850 ألف عضو خلال يومين، بهدف مقاطعة مواد استهلاكية ارتفع سعرها بصفة ملحوظة. في البداية أطلقت المجموعة حملة مقاطعة لمادّتي البطاطا والموز في الثلاثين من شهر سبتمبر/ أيلول الماضي من أجل الضغط لخفض سعرها في الأسواق، قبل أن تبدأ حملة مقاطعة جديدة.

تهدف المجموعة التي لقيت تفاعلًا من مختلف الطبقات الاجتماعية في تونس إلى "ترسيخ ثقافة المقاطعة وتحسين القدرة الشرائية والمساهمة في تخفيض الأسعار ومقاطعة كل منتوج متوفر في الأسواق يشهد ارتفاعًا مشطًّا". ويشترط الانضمام إليها الجدية التامة والالتزام بالاحترام المتبادل بين المشتركين وعدم التشهير بأي منتوج وعدم تكرار المواضيع وعدم تداول المواضيع السياسية.

سنية الذوادي (مؤسسة مجموعة "قاطع الغلاء باش تعيش بالقدا") لـ"ألترا تونس": التفاعل الكبير وانضمام أعداد جديدة استوجب اختيار مديرين ذوو كفاءة وقادرين على تقديم الإضافة للمجموعة

اقرأ/ي أيضًا: هل يؤثر إفلاس "توماس كوك" على السياحة التونسية؟

كانت البداية بتدوينة في إحدى المجموعات الأخرى، بادرت بعدها كلّ من سنية الذوادي ومريم القصوري إلى إنشاء مجموعة "قاطع الغلاء تعيش بالقدا" يوم 19 سبتمبر/ أيلول الماضي والتزمتا بإدارتها إلى حين تجاوز عدد المشتركين المائة ألف عضو، قبل أن تفكرا في إضافة مديرين للمجموعة.

تقول سنية الذوادي في تصريح لـ"ألترا تونس إنها "كانت مقتنعة بفكرة المقاطعة ومهتمة بإنشاء مجموعة في الغرض من قبل، لكن التعرف إلى صديقتها مريم جعل من الفكرة المشتركة حقيقة افتراضية انطلقت بسيطة ولقيت تفاعلًا قويًا لم تتوقعاه".

وتم اقتراح إجراء سبر للآراء داخل المجموعة للاختيار بين 4 مواد للبدء بحملة لمقاطعة إحداها خلال الفترة الممتدة بين 30 سبتمبر/ أيلول و 12 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، إلا أن رأي المجموعة استقر على مقاطعة مادتي الموز والبطاطا. وتضيف محدّثتنا أن التفاعل الكبير وانضمام أعداد جديدة استوجب اختيار مديرين ذوو كفاءة وقادرين على تقديم الإضافة للمجموعة.

ثورة افتراضية من رحم الغضب الشعبي

حسب المعهد الوطني للإحصاء، ارتفعت الأسعار عند الاستهلاك بنسبة 6,0 في المائة خلال شهر سبتمبر/ أيلول 2019 مقارنة بشهر أوت/ آب الفارط، في حين استقرت نسبة التضخم عند الاستهلاك العائلي في مستوى 6,7 في المائة.

وبين شهري فيفري/ شباط وسبتمبر/ أيلول 2019، مرّ المستوى الشهري العام لأسعار الاستهلاك العائلي من 124.6 إلى 126.4 في المائة. وقد دفع تدهور المقدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية بعض المختصين في الاقتصاد للقول إنها دخلت الدائرة الحمراء في الأعوام الأخيرة.

وتبدو حملة "قاطع الغلاء تعيش بالقدا" من حيث المبدأ شبيهة بحملات سابقة مشابهة أطلقت لمقاطعة مواد استهلاكية ارتبطت خاصة بمواسم احتفالية على غرار مقاطعة مادة "الزقوقو"، الصنوبر الحلبي خلال المولد النبوي، أثبتت فاعليتها في تعديل الأسعار لكن شكوكًا حامت حينها حول نجاحها الشعبي.

في ذات السياق، كان رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك سليم سعد الله قد اعتبر في تصريح سابق لـ "ألترا تونس" أن الشارع التونسي "مازال يفتقد إلى ثقافة المقاطعة، خاصة مقاطعة بعض المنتوجات الغذائية حتى وإن كانت أساسية على غرار ما حصل في بعض الدول المجاورة." 

ويصف البعض ممن رصدنا تفاعلهم بخصوص "حملة قاطع الغلاء تعيش بالقدا"، بالانفجار عن احتكار المضاربين والساحات التجارية الكبرى للأسعار وبالتعبير عن الغضب من تقاعس الدولة وأجهزتها عن صدّ المضاربين والمستغلّين.

اقرأ/ي أيضًا: صابة التمور.. حشرات فتاكة وسوق راكدة والفلاحون يستغيثون

لطفي الرياحي (رئيس المنظّمة التونسية لإرشاد المستهلك) لـ"ألترا تونس": حملة المقاطعة هي رد على نسق تصاعدي للأسعار دون مبرّر

من جهته، يرى رئيس المنظّمة التونسية لإرشاد المستهلك لطفي الرياحي أن حملة المقاطعة هي رد على نسق تصاعدي للأسعار دون مبرّر يتحكّم فيها المضاربون والمساحات التجارية الكبرى، تشمل بحسب رأيه مواد غير حياتية. ويُرجع سبب صعود المواد الاستهلاكية إلى تحول المساحات التجارية الكبرى من أداة للضغط على الأسعار إلى رافد لصعودها بسبب ظاهرة الربح الخلفي.

ويؤكّد الرياحي في تصريحه لـ"ألترا تونس" أن المستهلك بموجب المقاطعة هو الذي يقرر سعر المنتج كما في السياسة، مشيرًا إلى أن العالم الافتراضي بدأ يأخذ مكانه وزحف على وسائل الإعلام ووسائل الاتصال التقليدية".

من التضامن الرقمي إلى الفعل الواقعي

الناشطة السياسية والمدنية رجاء الجعيدي واحدة من بين أكثر من 850 ألف عضو انخرط في المجموعة ، تفيد أنها دأبت على مقاطعة كل ما غلا سعره قبل حتى إطلاق الحملة، مبينة أن الاشتراك في هذه المجموعة الافتراضية يجب أن ترافقه حالة وعي وممارسة على أرض الواقع من أجل تحقيق نتائج إيجابية، لذلك تحرص على توعية أصدقائها على ضرورة المقاطعة الفعلية لهذه المواد. 

وتضيف الجعيدي في تصريح لـ"ألترا تونس" أن حملات المقاطعة في تونس تختلف عن مثيلتها في المغرب على سبيل المثال، حيث عاينت في إحدى زياراتها تنقل أفراد في المساحات التجارية الكبرى يدعون إلى المقاطعة على الميدان وهو ما يلقى استجابة المواطنين.

من جهته، قال الإعلامي محمد علي الفرشيشي تعليقًا على الحملة إن غلاء الأسعار هو ما دفع بالمستهلكين للمقاطعة وجعل الحملة تلقى إقبالًا شعبيًا في وقت قصير، مضيفًا أن "الحملة أعطت أكلها ودفعت بوزارة التجارة إلى ضخّ كميات من مخزون احتياطي البطاطا وهو ما ساهم في انخفاض سعرها بعد أن وصل إلى 2500 مليم".

وثمّن الفرشيشي، في تصريح لـ"ألترا تونس"، هذه الحملة الفردية داعيًا إلى ضرورة تشجيعها ودعمها، في الوقت الذي كان من المفروض أن تكون منظّمة الدفاع عن المستهلك هي صاحبة المبادرة لتسجيل حضورها في المساحات التجارية وتقديم توصياتها بشأن مقاطعة مواد معينة، وفق تعبيره. كما أكد أن هذا الفضاء الافتراضي سيدعم اليقظة خاصة في ظلّ وجود 241 مراقب للأسعار فقط في كل الأسواق.

سمير حمدي (أستاذ جامعي) لـ"ألترا تونس": الرّهان يكمن في الانتقال من التضامن الرقمي أو الافتراضي إلى الفعل الواقعي

في السياق ذاته، يرى الأستاذ الجامعي سمير حمدي، في تصريح لـ"ألترا تونس"، أن الحملة " تعبيرة على يأس الناس من سياسة الدولة في الضغط على جيوب الاحتكار والأسعار وسعي لأخذ زمام المبادرة"، معتبرًا أنها  دليل على تطور الوعي بأهمية أدوات التواصل الاجتماعي كوسيلة للتنظّم والمبادرة وتفطّن الشباب لقدرته على إحداث التغيير بهذه الطريقة.  

ويبدو حائط المجموعة كمثل بورصة لأسعار المواد المُقاطعة، يحتفي الأعضاء فيها بهبوطها في مواقع عدة من البلاد، وبتلف بعضها نتيجة المقاطعة، إلى جانب منشورات أخرى كثيرة تحفّز الأعضاء وتدعو إلى ضرورة التمسّك بثقافة المقاطعة بديلًا عن تدهور المقدرة الشرائية للتونسية واستغلال المُضاربين.

الرّهان بحسب الأستاذ الجامعي سمير حمدي يكمن في الانتقال من التضامن الرقمي أو الافتراضي إلى الفعل الواقعي أي أن يتحول هذا الانخراط في الحملة الافتراضية إلى سلوك فعلي في المقاطعة، ثم أن لا تستهدف المقاطعة موادًا بعينها ولا تستند اإلى قطاعات محددة وإنما تكون عامة.

وحذّر حمدي من إمكانية استغلالها من لوبيات في مجال المنافسة لتضرب قطاعات أو منتجات بعينها. ولم يخف خوفه من أن يكون الفلاح هو من يدفع ثمن مقاطعة المنتجات الفلاحية. وأشار إلى أهمية أن تقترن الحملة بالدفاع عن المنتجات الوطنية ومقاطعة المواد المستوردة غير الأساسية.

وقال الأستاذ الجامعي إنه سيكون للحملة تأثير على الواقع إذا كان لها أذرع ميدانية وأشخاص يعملون على الميدان وآليات لتقييم ومتابعة نتائج المقاطعة، بالإضافة إلى التنسيق مع منظّمة الدفاع عن المستهلك.

ويبدو أن تراجع المقدرة الشرائية للمواطن التونسي في ضوء ارتفاع كلفة القفة التي بلغت 560 دينارًا حسب المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، وإخلال أجهزة الدولة والمسؤولين الحكوميين والسياسيين بوعود قطعوها بتحسين ظروف العيش وتحسين المقدرة الشرائية، هيّئت الظروف لأخذ المواطن بزمام الأمور وثقته في قدرته على صنع الفرق تزامنًا مع "حالة وعي جماهيري" يتفاعل فيها الفضاء الافتراضي بالواقع.   

 

اقرأ/ي أيضًا:

عباد الشمس.. زهرة تكابد خطر الاندثار في باجة

"الأنستغرام" في تونس.. حرب التسويق