في تونس..

في تونس.. "قُتل" الدستور مع سبق الإصرار والترصّد

"فتح سعيّد باب المجهول والقابلية لكل الاحتمالات" (ياسين القايدي/ الأناضول)

 

مقال رأي

 

بعد انقلاب نابليون سنة 1859 وإعلان نفسه الإمبراطور نابليون الثالث، جنّ جنون الكاتب الفرنسي فيكتور هيغو من سلوك صديقه وتحوّله نحو الاستبداد. بعد أن دعمه في انتخابات 1848، فرّ هيغو إلى بروكسيل متخفيًا بعد 9 أيام من الانقلاب، أين دعا إلى المعارضة، وكتب قصيدة "العقوبات les châtiments" التي حمّلها غضبه من صديقه الذي يصفه بنابليون الصغير وقال في أحد الأبيات: "هذا ما رأيناه، التاريخ يحكيه، وعندما ينتهي، سيكون باكيًا محمّرًا من الخجل".


كما كان متوقّعًا، وكما أشرنا في أسطر عديدة في هذا المقام، قام قيس سعيّد بخطوة جديدة نحو الجماهيرية التي ينوي تأسيسها، وأطلق صاروخه الثاني عبر إصداره الأمر الرّئاسي عدد 117/2021 والذي حاز لنفسه عبره صلاحيات ملكية مطلقة. وبهذا يعلن الموت السريري للدستور في انتظار إحياء التنظيم الجديد. سبق هذا الإعلان أوّل ظهور علني لحواريي "مبعوث العناية الإلهية"، حيث وقع تنزيل كلمات مصوّرة لأعضاء من قوى تونس الحرة، أصحاب البناء القاعدي، تم تصويرها في اجتماع بعنوان "لنفكّر ديمقراطيتنا"، في صفحة فيسبوك بنفس الاسم.

كما كان متوقّعًا، قام سعيّد بخطوة جديدة نحو الجماهيرية التي ينوي تأسيسها، وأطلق صاروخه الثاني عبر إصداره الأمر الرئاسي عدد 117/2021 الذي حاز لنفسه عبره صلاحيات ملكية مطلقة

عشر سنوات من التعفّن الديمقراطي انتهت إلى هذا القيح الشعبوي الذي نعيشه هذه الأيام. استعمل قيس سعيّد التقيّة الديمقراطية للوصول إلى كرسي الرئاسة، ثم استغل الجائحة الصحية والأزمة المركبة، والتي أصابت أغلب دول العالم بالمناسبة، لاستعمال كارت الفصل 80، الذي أحالنا عبره إلى بدعة كارل شميت منظر النازية: الحالة الاستثنائية. أمضى الإيطالي جورجيو أغامبين سنوات حياته العلمية في دراسة وتفنيد دستورية/قانونية "الحالة الاستثنائية"، ونبّه في كتابه "حالة الاستثناء: الإنسان الحرام"، إلى أن السطلة القائمة على حالة الاستثناء، هي سلطة مؤسسة على حياة عارية، مهددة لحرية الآخرين، من أجل ترسيخ تواجدها واستدامة سلطتها[1].

اقرأ/ي أيضًا:  سعيّد يعلن تواصل التدابير الاستثنائية ووضع أحكام انتقالية: سؤال ومحاولات للفهم

هي إذن جمهورية تحتضر وجماهيرية في المخاض. وما بين موت الأولى وولادة الثانية، ستعرف تونس ربّما أحداثًا "استثنائية". عبر التعليق "المقنّع" للدستور الذي عمد إليه قيس سعيّد، ضاربًا بالشرعية الانتخابية عرض الحائط ومتلحفًا بمشروعية الجماهير، يلقي بنفسه عاريًا أمام معارضيه، ويفتح باب المجهول والقابلية لكل الاحتمالات. من المؤكد أن وتيرة الانقلاب ستتسارع الآن.

عبر التعليق "المقنّع" للدستور الذي عمد إليه قيس سعيّد، ضاربًا بالشرعية الانتخابية عرض الحائط ومتلحفًا بمشروعية الجماهير، يلقي بنفسه عاريًا أمام معارضيه ويفتح باب المجهول والقابلية لكل الاحتمالات

فبعد التعيينات المراطونية التي قام بها طيلة الشهرين الماضيين والتي كانت عبارة على سياسة تمهيد وتحصين الطريق، من المرجّح أن الإعلان عن الحكومة والقانون الانتخابي، الذي لوّح به في اجتماع سيدي بوزيد، لن يتأخر.

ربّما يعمد أيضًا في الأيام القادمة إلى جولة جديدة من اللقاءات التطمينية مع جملة من المكونات المدنية. جرعات متباعدة ومدروسة من الإجراءات والخطوات يتبعها سعيّد في انتظاراللحظة القادمة: لحظة ميلاد الجماهيرية السعيّدية، والتي ربما ستصحبها الدماء. وهل هناك ولادة جدباء من الدماء؟ أم أنه سيكون للجماهيرية نصيب من الأديم الذي خصب رحم ولادتها وتكون استثنائية أيضًا؟

في المقابل، طيف مشتت من المعارضين، مجاهرين أو مستترين، لازال يتلمس بوصلة رص الصفوف. يراهن البعض على الشتاء والأزمة الاقتصادية لخلخلة النظام -ربمّا- على أنه تبقى العديد من الأدوات بيد الملك، من بينها التأميم والمصادرة، استعادة إدارة البنك المركزي، وجوكر التلويح بقوارب الموت وإغراق أوروبا بالمهاجرين لترويض القارة العجوز وحاضنتها الدولية. في المجمل، يفضّل عديد الفاعلين، داخليين وخارجيين، وضعية الترقب والانتظار.

أثبت سعيّد أنه لا يمكن بناء ديمقراطية ليبرالية بأذرع تربّت زمن الخنوع والاستبداد، كما أن ما حدث أتاح فرصة اختبار لجيل عاش زمن الحرية، ويخوض معركتها ضد الاستبداد الكامن وراء مشروع الديمقراطية الراديكالية الارتجالية التي تلوح في الأفق

لا ضرر من الإقرار بصعوبة القراءة والاستشراف في مناخ كالذي نعيش، تتعدّد فيه العوامل والمتغيّرات، وكل الفرضيات مطروحة. الثابت أنه بعد 10 سنوات، نجد أنفسنا مقبلين على 17 ديسمبر/كانون الأول المقبل، بجماهيرية في أحشاء النظام، وقد يكون هذا اليوم، بالنظر للرمزية التي يوليها له سعيّد، يوم الميلاد الموعود؟

سواء نجح سعيّد في بعث مشروعه أو فشل، فقد أثبت أنه لا يمكن بناء ديمقراطية ليبرالية بأذرع تربّت زمن الخنوع والاستبداد، كما أن ما حدث أتاح فرصة اختبار لجيل عاش وتربى زمن الحرية، ويخوض معركة الحرية والمواطنة ضد الاستبداد الكامن وراء مشروع الديمقراطية الراديكالية الارتجالية التي تلوح في الأفق.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

المصادر: 

[1]  من ورقة بحثية لعبد الإله سطي بعنوان: "حالة الاستثناء والإنسان الحرام: الأسس الحفية في سلطة الطوارئ عند جورجيو أغامبين"، مع مركز تكامل للدراسات والأبحاث.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أمر رئاسي يقر صلاحيات شبه مطلقة للرئيس في تونس وتعليق لمعظم أبواب الدستور

كيف تفاعل المختصّون في القانون الدستوري مع الإجراءات الأخيرة لقيس سعيّد؟