فاعلون اقتصاديون: بنوك ترفض تأجيل الديون وباعثو مشاريع مهدّدون بالإفلاس والسجن

فاعلون اقتصاديون: بنوك ترفض تأجيل الديون وباعثو مشاريع مهدّدون بالإفلاس والسجن

الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة: غلق أكثر من 80 ألف مؤسسة (صورة توضيحية/ الشاذلي بن إبراهيم/ NurPhoto)

 

أثّرت الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عاشتها تونس على مدى العشر سنوات الأخيرة على العديد من القطاعات في جميع المجالات. وتعمّقت الأزمة أكثر بعد تفشي جائحة كورونا التي تسببت في توقف نشاط عدّة مؤسسات، لا سيما منها الصغرى والمتوسطة، مما أدّى إلى إحالة آلاف الموظفين والعملة على البطالة. خاصة وأنّ تلك المؤسسات تُمثّل 95% من النسيج الاقتصادي في تونس. 

رئيس الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة لـ"الترا تونس": إنقاذ العديد من المؤسسات الاقتصادية من الإفلاس بات أمرًا صعبًا أو شبه مستحيل

ويبلغ عدد المؤسسات الصغرى والمتوسطة حسب الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة قرابة 750 ألف مؤسسة، وتوفر أكثر من 50% من اليد العاملة في السوق. وقد أكد الخبير الاقتصادي شاكر المشرقي ورئيس الجامعة لـ"الترا تونس" أنّ آلاف المؤسسات اليوم تعاني شبح الإفلاس بسبب تأثير جائحة كورونا. وأكد أنّ الجامعة تحدّثت منذ الأشهر الأولى لهذا العام عن أزمة أكثر من 400 ألف مؤسسة باتت مهددة بالإفلاس، ودعت إلى ضرورة البحث عن حلول لتلك الشركات التي توفر آلاف مواطن الشغل. إلى جانب ضرورة تدخل رئيس الجمهورية لإنقاذ تلك الشركات والبحث عن حلول خاصة مع البنوك. 

ويبدو أنّ إنقاذ العديد من المؤسسات الاقتصادية من الإفلاس بات أمرًا صعبًا أو شبه مستحيل، خصوصًا أنّ الحكومات السابقة لم تف بتعهداتها بإعداد برنامج لإنقاذ المؤسسات المتضررة. إضافة إلى غموض الوضع السياسي اليوم، والحال أنّ البلاد تعاني من فراغ حكومي. بالإضافة إلى تواصل تفشي فيروس كورونا وتأثيره على جميع القطاعات التي باتت في حالة من العطالة على الرغم من توقيع تونس على عدّة هبات مالية مع بعض الدول خلال السنوات الأخيرة لدعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة بما في ذلك عقد الهبة الألمانية بقيمة 25 مليون أورو الذي تم توقيعه في مارس/آذار الماضي. 

عبد الحميد ساسي (باعث مشروع) لـ"الترا تونس": لجأتُ إلى تسريح جميع العاملين معي بعد أن بتُّ مهددًا بغلق الشركة بسبب عدم موافقة البنك على تأجيل سداد القرض إلى حين انفراج الأزمة

لكن تستمر معاناة أصحاب الشركات الصغرى والمتوسطة لا سيما وأنّ الأزمة الاقتصادية التي شهدتها تونس خلال السنوات الأخيرة تسببت في غلق أكثر من 80 ألف مؤسسة، وفقدان أكثر من 200 ألف موطن شغل وفق الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة. كما سبق وأكدت كنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية (كونكت) تضرر أكثر من 80% من المؤسسات الصغرى والمتوسطة من الأزمة الاقتصادية وتضرّر حوالي 90% من المؤسسات. فيما أكد المعهد الوطني للإحصاء إفلاس أكثر من 70 ألف مؤسسة. 

عدم القدرة على خلاص الديون

عبد الحميد ساسي (36 سنة) باعث شركة إعلامية وبرمجة منذ قرابة 4 سنوات. يقول لـ"الترا تونس" إنّه أنشأ الشركة بعد الحصول على قرض من البنك التونسي للتضامن. على أن يعيد أقساط القرض بعد 6 أشهر من انطلاق المشروع لمدّة 5 سنوات. ولكن الأزمة الاقتصادية وتفشي فيروس كورونا الذي عمق الأزمة جعله في عطالة وبات غير قادر على تسديد أقساط البنك منذ أكثر من سنة، ليلجأ إلى تسريح جميع العمال والموظفين العاملين معه. كما بات مهددًا بغلق الشركة بسبب عدم موافقة البنك على تأجيل سداد القرض إلى حين انفراج الأزمة وعودة نسق العمل تدريجيًا بعد الجائحة". 

الأمر نفسه يعانيه فرحات قصيبي (33 سنة) باعث مؤسسة خاصة في تركيب الكهرباء وكل ما له علاقة بالطاقة الكهربائية. عمله ارتبط بشكل كبير بشركات المقاولات التي تمنحه مناقصات تركيب شبكات الكهرباء. ولكن توقف العمل وإفلاس العديد من شركات المقاولات مع توقف نشاط بعضها بسبب أزمة الجائحة، تسببت في توقف نشاطه نهائيًا. مما جعله مُهددًا اليوم بالسجن جرّاء عدم القدرة على سداد ديون البنك. 

رئيس الجمعية التونسية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة لـ"الترا تونس": الكثير من البنوك امتنعت نهائيًا عن تأجيل سداد ديون أصحاب تلك الشركات أو حتى إعادة هيكلتها وجدولتها

ويطالب أغلب أصحاب المؤسسات الصغرى بضرورة جدولة ديونهم وإعفائها من الضرائب. لكن رئيس الجمعية التونسية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة سفيان القابسي يشير في تصريحه لـ"الترا تونس" إلى أنّ الكثير من البنوك امتنعت نهائيًا عن تأجيل سداد ديون أصحاب تلك الشركات أو حتى إعادة هيكلتها وجدولتها. مضيفًا أنّه يتلقى يوميًا عشرات الاتصالات والشكاوى من أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة وباعثي المشاريع حديثًا بعد أن باتوا مهددّين بالإفلاس أو السجن أيضًا بسبب مقاضاة البنوك لهم. 

كما بيّن رئيس الجمعية أنّ مطالب أصحاب تلك المؤسسات لا تعني إعفاءهم نهائيًا من خلاص ديونهم ولكن إيقاف التتبعات المتعلقة بالشيكات، وإقناع البنوك بإعادة جدولة ديون تلك المؤسسات لفترة أطول، للحفاظ عليها وعلى مواطن الشغل التي توفرها. إضافة إلى البحث عن هبات لدعم أغلب تلك الشركات التي باتت مهددّة بالإفلاس. 

على صعيد آخر، أشار سفيان القابسي إلى "أنّ الجمعية طالبت وتطالب بمقابلة رئيس الجمهورية لتباحث المسألة ومحاولة إيجاد حلول للعديد من المؤسسات لدعمها والحفاظ على عمل آلاف الموظفين والعملة. لا سيما وأنّ الأزمة الاقتصادية شملت أغلب القطاعات سواءً الشركات الخدماتية أو الصناعية أو التجارية وغيرها".

رئيس الجمعية التونسية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة لـ"الترا تونس": أصحاب المؤسسات لا يطالبون البنوك بإعفائهم نهائيًا من خلاص ديونهم ولكن إيقاف التتبعات المتعلقة بالشيكات، وإقناع البنوك بإعادة جدولة ديونهم لفترة أطول

يذكر أنّ رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي كان قد أعلن عن مجموعة من الإجراءات لفائدة المتضررين من جائحة كوفيد-19. وتتعلق بتخصيص 5 آلاف قرض بقيمة 5 آلاف دينار بدون فائدة وبشروط سداد ميسرة جدًا مع فترة إمهال بسنة لفائدة أصحاب المشاريع الصغرى المتضررة من إجراءات الحجر الصحي وخاصة التي يرتبط نشاطها بصفة مباشرة بفترة العيد. إلى جانب تمكن الأنشطة الاقتصادية الأكثر تضررًا من الإجراءات الأخيرة من مساعدات مالية مباشرة على أن يقع تحديد هذه الأنشطة من قبل وزير الشؤون الاجتماعية ووزير الاقتصاد والمالية. إضافة إلى تأجيل خلاص المساهمات المحمولة على المؤجر بعنوان الثلاثية الثانية وإعادة جدولتها على امتداد الثلاثية الثالثة والرابعة لسنة 2021.

ولكن التساؤل اليوم يدور حول مآلات تلك القرارات في ظل إقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي الذي أعلن عنها، وفي ظل الوضع السياسي الراهن الذي تمرّ به البلاد، في انتظار تشكيل حكومة جديدة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

غلق المؤسسات الخاصة في تونس.. عمال مطرودون في مواجهة التشرد والبطالة

غلق مصنع ألبان سيدي بوعلي.. كلفة اجتماعية ثقيلة في ظل اتهامات بغياب الدولة