في تونس.. الموت واحد والجنائز شتى

في تونس.. الموت واحد والجنائز شتى

ترتبط طقوس الموت بمعتقدات وعادات وأعراف قديمة تختلف من جهة إلى أخرى (صورة لمقبرة بولاية المهدية/ Godong)

 

وحدها جائحة كورونا نجحت في توحيد طقوس الجنائز في تونس، فإن كان الموت واحدًا فإن طقوس الجنائز كثيرة، وقد ارتبطت بعادات وتقاليد تختلف من شمال البلاد إلى جنوبها وتعود في ذلك إلى معتقدات وعادات وأعراف قديمة تتمسك بها الأجيال.

ففي شمال البلاد التونسية، يسجى الميت بين أهله وذويه إذ يضعونه وسط الغرفة ويجلسون في شكل حلقة حوله حتى الصباح ويسألون الله أن يغفر له ويقبلون رأسه ويعلنون أنهم سامحوه.

ويحرصون عند القيام بتغسيله على الحفاظ على الماء الذي تم استعماله وأن يتم التخلص منه على يد أقرب الأقربين له ويكون من الثقاة الأتقياء  لأن البعض يعتقد أن هذا الماء يمكن استعماله في السحر.

إن كان الموت واحدًا فإن طقوس الجنائز كثيرة، وقد ارتبطت بعادات وتقاليد تختلف من شمال البلاد إلى جنوبها وتعود في ذلك إلى معتقدات وعادات وأعراف قديمة تتمسك بها الأجيال

وبعد أن يحمل الرجال النعش متوجهين إلى المقبرة  توضع ملابسه وكل متعلقاته في المكان الذي كان مسجى فيه وتوزع صدقة على روحه لأول محتاج فقير قريب من بيته.

ويوم "الفرق" وهو اليوم الثالث بعد الوفاة تذبح الذبائح وتقدم الموائد بكل ما لذ وطاب من الأطعمة وتوزع العصائر والحلويات وأنواع الغلال وتعد  خاصة الأطباق الفاخرة التي كان يحبها المتوفي، ويسعى متساكنو هذه الجهات خصوصًا للتفاخر بالذبائح وبعدد الولائم تعبيرًا منهم عن حبهم للميت وتقديرهم له.

وتوجه الدعوة للأقارب والمعارف للاجتماع يوم الفرق للأكل والترحم على الفقيد وسط أجواء تشبه العرس.

في الساحل، توضع في بيت الفقيد سلات من الخبز الذي يصنع خصيصًا لهذه المناسبة الأليمة، وبعد تقديم العزاء يتسلم المعزّي خبزة في طريق خروجه ويضع قطعة منها في فمه ويقول "الله يرحمه"

أما في الساحل، فتختلف العادات والتقاليد لكن أهمها ما تتميز به محافظة المنستير، فإثر وفاة  أحد السكان يتم التوجه إلى البلدية لإعلامها بذلك وتخرج سيارة لتجوب المدينة معلنة عن خبر الوفاة وتوقيت الدفن ومكانه.

كما توضع في بيت الفقيد سلات من الخبز الذي يصنع خصيصًا لهذه المناسبة الأليمة، وبعد تقديم العزاء يتسلم المعزي خبزة في طريق خروجه ويضع قطعة منها في فمه ويقول "الله يرحمه".

اقرأ/ي أيضًا:  قصص ناجين من حوادث قاتلة.. صناعة الحياة على أعتاب الموت

وفي جنوب البلاد، تبدو العادات مختلفة تمامًا فلا يوضع الفقيد بين أهله، بل في غرفة لوحده ويغلق الباب احترامًا  للموت وحرمته حسب اعتقادهم، ويوضع مصحف إلى جانبه.

ولا يشعل أهل الميت النار في البيت طيلة ثلاثة أيام ويتكفل الجيران والأقرباء بجلب فطور الصباح والغذاء والعشاء.

ويتمسك أهل الجنوب بـ"العدة" وهي أن تظل زوجة الميت 4 أشهر و10 أيام في البيت ولا تخرج منه ولا تقابل من الرجال إلا المحارم ولا تستعمل الزينة بما في ذلك حتى الكحل في العينين ولا ترتدي الألوان

كما لا تطهى الولائم بل توزع قيمتها مالًا على الفقراء والمحتاجين، ويلتزم من نام الليلة الأولى في بيت المتوفي بقضاء ثلاثة أيام عند أهله.

ويتمسك أهل الجنوب بـ"العدة" وهي أن تظل زوجة الميت 4 أشهر و10 أيام في البيت ولا تخرج منه ولا تقابل من الرجال إلا المحارم ولا تستعمل الزينة بما في ذلك حتى الكحل في العينين ولا ترتدي الألوان، وإن كانت موظفة فتلتزم الزوجة بغطاء الرأس واليدين وأن تلبس الأسود وتتجنب لقاء الرجال قدر الإمكان في مكان عملها.

كما تلتزم قريباتها بعدم وضع الزينة والحناء حتى تنتهي هذه المدة.

وكل مراسم الدفن ولوازمه تتم مجانًا وعلى "رحمة الوالدين" ولا يدفع لمن قام بها مالًا وهو عكس ما يتم في الشمال وخاصة في العاصمة فقد أصبح للموت تجار يدفع لههم من أجل ذلك.

عادات وتقاليد مختلفة حد التناقض بين الشمال والجنوب كل حسب عرفه وعاداته، ويرى الباحث في الأنتروبولوجيا (علم دراسة سلوك الإنسان) الدكتور الأمين البوعزيزي أن الطقوس الجنائزية أو طقوس الدفن هي سلوك ثقافي يعبر عن آخر مسارات دورة الحياة (من لحظة الولادة وطقوسها وصولًا إلى حشرجة الموت وطقوسه) لدى الشعوب.

الأمين البوعزيزي (باحث في الأنتروبولوجيا) لـ"الترا تونس": طقوس الدفن لا تختلف فقط بين ثقافة وأخرى أو دين وآخر بل نرصدها داخل فروع نفس الثقافة أو الدين تدليلًا على ثراء وتنوع أنماط عيش البشر

وأضاف، في تصريح لـ"الترا تونس" أن "هذه الطقوس تختلف باختلاف ثقافاتها وعقائدها وعاداتها، من الدفن الفخم المهيب مرورًا بمواراة بسيطة في التراب المحصن بأحجار ضخمة تمنع نبش القبر من قبل الحيوانات اللاحمة وصولًا إلى طقوس الحرق وذر رماد جثمان الميت في الأودية/الحقول أو الاحتفاظ به في قنانٍ خاصة تحفظ في بيوت الاستقبال تمامًا كما تعلق صور الراحلين في زماننا هذا".

واعتبر الباحث في الأنتروبولوجيا أن "ما يلفت الانتباه هو أن طقوس الدفن لا تختلف فقط بين ثقافة وأخرى أو دين وآخر بل نرصدها داخل فروع نفس الثقافة أو الدين تدليلًا على ثراء وتنوع خبرات البشر وأنماط عيشهم"، مستدركًا القول إن "رغم كل هذه الاختلافات في طقوس الدفن فإنها تشترك جميعها في كونها ليست موجهة للميت في ذاته (وإن بدت كذلك) بل هي موجهة للأحياء لاستئناس فاجعة الموت والتخفيف من صدمة موت عزيز على أهله. فيبالغون في تفاصيل طقوس الدفن لطمأنة نفوسهم المكلومة كون فقيدهم لم يندثر وإنما هي رحلة إلى عالم آخر كلنا ذاهبون إليه"، وفق تقديره.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في التعامل مع الموت.. شماتة وتوظيف وغرابة

"النعوشة" أو "أم الذراري".. طائر الموت في الموروث الشعبي التونسي