في الرئاسيات.. لا تأمن السّكوت ولا تصدقن

في الرئاسيات.. لا تأمن السّكوت ولا تصدقن "البلعوط"

بات الزبيدي موضوع سخرية وتندّر أسقطتا الهيبة التي صنعها له أنصاره (أ.ف.ب)

مقال رأي

 

اقترح "الصادق" رئيس التحرير على "سهام" الصحفيّة الشابّة إجراء حوار مع "عبد الكريم المستكفي" أحد السياسيين المغمورين فأبدت تردّدًا سترته وجنتاها اللطيفتان، وفضحته عيناها المتوثّبتان، ورغم قصر تجربتها في الميدان الإعلاميّ أظهرت جرأة في تعليل رفضها قائلة إنّ هذا الرجل باهتٌ سطحيّ ساذج ميّال إلى الصمت يحتاج محدّثه إلى جهد جهيد ليظفر منه بإجابة دقيقة أو رأي بيّنٍ أو تعليل مرتّب.

لا يفضي الضعف اللغويّ فقط إلى العجز عن التواصل، إنّما يخلّف كذلك عجزًا عن التخطيط والتسيير والفهم والاستدلال والتدبير، فمن قلّ حظّه من اللغة، قلّ حظّه من العلم

أتاح "الصادق" لسهام اختيار الشخصيّة السياسيّة التي تراها أنسب، فآثرت محاورة "برهان الناظم"، فجلست إليه ساعة سجلّت خلالها ما يكفي لتحرير كتاب، كانت ملزمة في وقت وجيز بصياغة الأجوبة وتخيّر العناوين، غير أنّ ثرثرة "برهان" واستدراكاته واستثناءاته واستطراداته وتداعيات وجدانه وشجن حديثه جعلها أعجز ما تكون عن ضبط تصوّراته وتحديد مواقفه، ومراجعتها والتحقّق منها، يا لها من محنة!

لقد عدلت "سهام" عن أرض جافّة قاحلة جدباء مواتٍ، فوقعت في حقل لا يكاد ينبت غير الزوائد والطفيليات، لا فرق بين"المستكفي" و"الناظم" كلاهما مُعرض عن اللغة بما هي أداة تواصل تهدف إلى الإيضاح والإفهام، هذا منَعَهُ العجز عن التعبير، وذاك يدفعه المكر والدهاء، وهو في ظنّي أخطر، فمعه، على حدّ تعبير علي حرب المفكّر اللبنانيّ "لا تكون الكلمات بريئة في تمثيلها لعالم المعنى، ولا تتواطأ المنطوقات مع المفهومات، والأسماء لا تشفّ عن المسمّيات... فيصبح الكلام حيّزًا لممارسة آليّاته المختلفة في الحجب والخداع والتحوير والكبت" (نقد الحقيقة، ج2، ط1، 1993، المركز الثقافيّ العربيّ، بيروت، ص. 5).

اقرأ/ي أيضًا: هل يجب أن يكون رئيس تونس الجديد فصيحًا وخطيبًا؟

الارتباك في التعبير يفضح عجزًا عن التفكير

من أشهر الأخطاء التي ارتكبها فقه اللغة القديم الفصل بين اللغة والتفكير، فظنّ العامّة والخاصّة أنّ الإنسان يُعمل عقله، فيعي، ويفهم، ويعتبر، ثم يستنجد باللغة ليفصح ويعبّر، والحال أنّ الكائن البشريّ لا يفكّر إلّا باللغة، فهو إذ يتأمّل ويتبصّر إنّما يأتي هذا النشاط الذهنيّ باللغة حتّى قيل "إنّ التفكير هو كلام صامت". وقد أقرّ الفلاسفة والباحثون في علم النفس اللغويّ والتربويّ هذه المعادلة، وباتت من المسائل اللسانيّة التي تكاد ترقى إلى اليقين. وبناء على ذلك، لا يفضي الضعف اللغويّ فقط إلى العجز عن التواصل، إنّما يخلّف كذلك عجزًا عن التخطيط والتسيير والفهم والاستدلال والتدبير، فمن قلّ حظّه من اللغة، قلّ حظّه من العلم. 

 إنّ ارتباك بعض المترشّحين للانتخابات الرئاسيّة ومنهم عبد الكريم الزبيدي على سبيل المثال لا يدخل في إطار النقص في الفصاحة اللغويّة إنّما ينذر بعجز عن حسن التواصل والتسيير والتدبير

في هذا السياق، ينتهي الباحث أكرم صالح محمود خوالده استنادًا إلى أحدث الدراسات العلميّة الغربيّة إلى أنّ المهارة اللغويّة تعدّ شرطًا لا غنى عنه لنجاح جلّ الأنشطة العقليّة، ومنها التركيز والاستذكار وتجميع المعلومات وتنظيمها والتحليل والشرح والتفصيل وإنتاج الأفكار والمقارنة (انظر اللغة والتفكير الاستدلاليّ، دار الحامد للنشر والتوزيع ، ص. 40-42).

بناء على هذه المعطيات، يحقّ لنا القول إنّ ارتباك بعض المترشّحين للانتخابات الرئاسيّة ومنهم عبد الكريم الزبيدي على سبيل المثال لا يدخل في إطار النقص في الفصاحة اللغويّة، إنّما ينذر بعجز عن حسن التواصل والتسيير والتدبير، دليل ذلك تحوّله في بضع حوارات إلى موضوع سخرية وتندّر أسقطتا الهيبة التي صنعها له أنصاره في الداخل والخارج. وآخر النوادر عنوانها "الحاجة الثالثة" إذ تعهّد الزبيدي في حوار بإحدى القنوات التلفزيّة بأن يحمل معه إلى قصر قرطاج كتابًا رفض ذكر اسمه (لا نعرف من باب الكتمان أم النسيان) وصورة و"شيئًا ثالثًا" غاب عن ذهنه، هذا الموقف المحرج أثار موجة لافتة من الضحك والنكت.

 الموقف المحرج للزبيدي أثار موجة لافتة من الضحك والنكت

وعبثًا أراد حرّاس "معبد الزبيدي" التصدّي لموجة الاستهزاء، فلا أحد يستطيع أن يكتم قهقهات التونسيين حتّى إن تمّ إرساء شرطة تترصّد الضاحكين على السياسيين، وحده الضحك لا يمكن أن تقف وراءه أطراف مشبوهة. وإن صادف أن سقط الزبيدي وأمثاله في الحكم أو الانتخابات، فستسقطه السخرية والضحكات قبل النقد والاحتجاجات.

 يقول نزار قباني، في هذا المقام، "أوقفوني وأنا أضحك كالمجنون وحدي، من خطاب كان يلقيه أمير المؤمنين، كلّفتني ضحكتي عشر سنين، سألوني وأنا في غرفة التحقيق، عمّن حرّضني، فضحكت، وعن المال وعمّن موّلني، فضحكت، كتبوا كلّ إفاداتي ولم يستجوبوني، قال عنّي المدّعي العام، وقال الجند حين اعتقلوني، إنّني ضدّ الحكومة، لم أكن أعرف أنّ الضحك يحتاج إلى ترخيص الحكومة".  

"أوقفوني وأنا أضحك كالمجنون وحدي"

كن مطيعا واصمت، نحن نحرسك

"الزبيدي ماهوش متاع معارك سياسيّة، ماهوش متسيّس، اللي يراهنوا عليه يْنَجِمُو يعملو اللي يحبو كي يوصل للرئاسة"، هذا التصريح الذي أدلت به البرلمانية بشرى بالحاج حميدة لإحدى القنوات الإذاعيّة، يتناسب مع ما انتهينا إليه ومفاده أنّ المفتقر إلى اللغة مفتقر إلى التفكير العميق عاجز عن المبادرة، فهو إذن عرضة للتوظيف من قبل ما ينعت في تونس بحكومات الظّل.

بشرى بالحاج حميدة متحدثة عن المرشح الرئاسي عبد الكريم الزبيدي

حينما لا يملك المرشّح المدعوم الشروط التي تجعله ينتفض على صانعيه والنافخين في صورته، يتحوّل عند الفوز بالانتخابات إلى رئيس مطيع ينفّذ أوامر "المسؤول الكبير" أو "المسؤول الخفيّ"، الذي يهمس له من حين إلى آخر"كن مطيعًا واصمت" نحن ننوب عنك في الكلام والتأثير والحجاج وإلجام الأفواه التي يمكن أن تتطاول عليك. 

اقرأ/ي أيضًا: الانتخابات: مبادئ التغطية الصحفية الخائبة!

وهذا الملفوظ يحاكي العبارة الغزليّة المعروفة "كوني جميلة واصمتي"، فالحسن ينوب في حرم الحبّ والهوى عن الفكر الثاقب والقول الصائب، أمّا في السياسة فالحاكم الملزم بالصمت عجزًا وقهرًا (من قبل حكومات الظل أو بسبب شعب يترصد زلاته) سيكون مدفوعًا إلى التعويل على ترسانة من الإعلاميين المكلفين بتزيين صورته والأخذ بيده في الأسئلة المطروحة، وإن لزم الأمر تمكينه من "سمّاعة أذن" (kit oreillette) يتلقّى من خلاله التوجيهات والإملاءات، ولتأمين بعض التصريحات المنفلتة قد يتمّ اللجوء إلى جهاز صارم حادّ حازم يتحرّى جيّدًا في سيرة الإعلاميين حتّى لا يقع الرئيس الصامت في قبضة أسئلة اليقظين المتحرّرين.

تقلّب "البلعوط" وتناقضه

"البلعوط" كلمة يستعملها سكّان المغرب العربيّ لنعت المتحّدث الذي يتّصف بالثرثرة والمغالطة وتقلّب المواقف، وهو شخصيّة على طرف نقيض مع الصّموت والميّال إلى السكوت، وقد التقط محمّد بالورين الخبير الدستوريّ الليبي هذا اللفظ، فاستخدمه في سياق سياسيّ متحدّثا عن "التبلعيط السياسيّ"  و استند في ذلك إلى معجم مختصّ جاء فيه" البلعوط أسم لحشرة مائية تكون في ماء الغدران الآس. وسمّي البلعوط لأنه يضطرب في الماء ويتحرك ومنه اشتقوا لفظة بلعط بمعنى تحرك وجمعها بلاعيط".

"البلعوط" كلمة يستعملها سكّان المغرب العربيّ لنعت المتحّدث الذي يتّصف بالثرثرة والمغالطة وتقلّب المواقف وهو شخصيّة على طرف نقيض مع الصّموت والميّال إلى السكوت

بيّن من خلال هذا التعريف أنّ التقلّب من أوكد سمات "البلعوط"، ولو شئنا اختبار هذا المصطلح على المشهد التونسيّ لوجدنا أنّ العديد من المترشّحين للرئاسة تليق بهم هذه الكنية، ففيهم من تنكّر لمواقفه المبدئيّة، ومنهم من انقلب على من جمعتهم به صلة رحم أيديولوجيّة امتدّت على عقود فخاصمهم وعاداهم وترفّع عنهم ولا نستطيع أن نجزم إن كان هذا التحوّل من باب التناقض أو التطوّر أو مداهنة الخصوم، ولعلّ أقرب مثال على ذلك لطفي زيتون في علاقته بحركة النهضة وأنصارها.

 ومن "البلاعيط" من احترف السياحة الحزبيّة، فتراه في كلّ موسم انتخابيّ يغيّر جلدته، وقد يصنع لنفسه لبوسًا خاصًا من باب التملّص من ثوب بدا له  تقليديًا أو ضيّقًا حسبُنا دليلًا على هذا يوسف الشاهد رئيس حزب "تحيا تونس" المنسلخ عن نداء تونس الذي وهبه رئاسة الحكومة في غير تضحية أو عناء أو رصيد نضاليّ.

ولمّا أصبح "التبلعيط السياسيّ" ظاهرة تحوّل شيئًا فشيئًا إلى مسلك محمود مباح، ألم تر تلك الحفاوة التي يحظى بها كلّ متمرّد عن عشيرته الحزبيّة وكلّ مارق عن عائلته الإيديولوجيّة؟ انظر على سبيل المثال ما حظي به حاتم بولبيار المترشّح للرئاسة بعد دخوله في خصام مع حركة النهضة التي منها أخذ بذور لحيته.

فصل المقال يبدو الصّموت سواء كان سياسيًا أو مواطنًا عاديًا شخصيّة لا يؤتمن جانبها، فقد تكون ميّالة إلى العنف أو الترفّع، وقد اهتدى التونسيون بحدسهم الشعبيّ إلى هذا الأمر، فعبروا عن ذلك بمثل شعبيّ مفاده: "اتعدّى على واد هرهار ولا تتعدّى على واد ساكت". ومن جهة أخرى، لا ينبغي أن نستأنس بمواقف "البلعوط" الثرثار، فغالبًا ما يكون بلا عهد ولا ميثاق، حاشا من كان تقلّبه تطوّرًا حقيقيًا ومراجعة صادقة، أمّا البقيّة فإنّ عددا منهم مصابون بلوثة النرجسيّة والخيانة والغدر.  

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن الاستقطاب الرباعي في الانتخابات الرئاسية 2019..

"خوانجي".. تهمة في مهبّ المزايدات الانتخابيّة