فان غوخ بأنامل حرفيات سمّامة... ألوان وأضواء وعطر الجبل

فان غوخ بأنامل حرفيات سمّامة... ألوان وأضواء وعطر الجبل

هل يكون فان جوخ قد مُنح امتدادًا جديدًا على يد حرفيات الجبل؟ (أحد مجسمات التظاهرة)

 

تتهاوى الحدود وتختزل المسافات الكونية عندما يكون الفن لغة التحاور وصخب السكوت، مسافات تطوى كطي السجلّ رقع التاريخ والجغرافيا لتستحضر فان غوخ وتجلسه على حصير من حلفاء في تخوم جبال سمّامة يعلّم الحرفيات أبجديات الضوء وانعكاساته وهمسات الألوان ويتعلّم منهن فنون لمس ومعالجة المادّة الصلبة العنيدة لتُنطق بألوانها صمت المكان وتحمل الجميع نحو بُعد فنيّ آخر.

هن لم يرتدن معارض الأوفيزي في إيطاليا ولا لوفر باريس، فمعركتهن اليومية مع الحلفاء وشظفها مزّقت الأيادي وجوازات السفر والعبور إلى تلك الربوع من الحاضرة القصيّة، فاكتفين بما توحي به تضاريس الجبل والسهل والشمس التي ترافق سجالهنّ اليومي مع الطبيعة زادًا يتيمًا يكرمن به فنانًا مثل فان جوخ طالما جسّد ألام العمال والفلاحين في لوحاته وليهدينه رحلة جديدة نحو عوالم عشقها.

جولة فان غوخ في قرى بلجيكا وهولندا وفرنسا، أضيفت لها سمّامة القصرين التونسية حيث غادرت "النجوم المضيئة" إطارها الخشبي الصلب لتتشكل على "السدّاية" وترتسم بألوانها وتفاصيلها على أوشحة ومنسوجات نساء القرية الجبلية

جولة فان غوخ في قرى بلجيكا وهولندا وفرنسا، أضيفت لها سمّامة القصرين التونسية حيث غادرت "النجوم المضيئة" إطارها الخشبي الصلب لتتشكل على "السدّاية" وترتسم بألوانها وتفاصيلها على أوشحة ومنسوجات نساء القرية الجبلية، "عباد الشمس" عاد ليتجسّد بأبعاده وتفاصيله الدقيقة على سفح الجبل، فان غوخ نفسه لم يستثن من هذا المخاض الفني ليطل على الحرفيات منحوتًا على أطباق الطين.

فان غوخ نفسه لم يستثن من هذا المخاض الفني ليطل على الحرفيات منحوتًا على أطباق الطين

اقرأ/ي أيضًا: يشارك فيه فنانون أجانب: عيد الرّعاة تحت شعار "جبال العالم تلتقي في سمامة"

نحو بعد جديد..

رحلة العبور بموروث تقليدي طالما ارتطم بصخرة الجمود والتماهي في أذهان التونسيين من حيث الأشكال والأحجام والألوان نحو أبعاد ومضامين للوحات فان غوخ، تكسر الصورة النمطية التي طبعت في المخيلة عن حياة القرى التونسية واستلزمت اللجوء إلى تقريب الواقع، ريف فرنسا وريف سمّامة، مقاربة بسيطة بساطة التحصيل المعرفي لبعضهن بما يمثلنه من خزّان للمهارات اليدوية ومن امتداد لتراث متجذّر عريق، آتت أكلها.

يقول عدنان الهلالي، مدير مركز الفنون والحرف بسمامة، لـ"الترا تونس" إن حرفيات سمّامة يتمتعن بحس فني مرهف على عكس ما يتبادر في الأذهان. صورة المرأة الريفية البسيطة التي طالما وقع استثناؤها وتحييدها عن مسارات الإبداع والقدرة على استيعاب المفردات الفنية الأكاديمية كسرتها نسوة الجبل، ولم يتطلب الأمر سوى تقريب مضامين لوحات فان غوخ عن الريف والضوء والألوان إلى واقعهن المعيش والمحيط الذي يدرن في فلكه".

مدير مركز الفنون والحرف بسمامة، لـ"الترا تونس": صورة المرأة الريفية البسيطة التي طالما وقع استثناؤها وتحييدها عن مسارات الإبداع كسرتها نسوة الجبل ولم يتطلب الأمر سوى تقريب مضامين لوحات فان غوخ إلى واقعهن المعيش والمحيط الذي يدرن في فلكه

ويضيف لـ"الترا تونس" أنهن لفتن انتباهه في عديد المناسبات إلى تفاصيل دقيقة في اللوحات التي اعتمد عليها في جلساته الحوارية معهن الشيء الذي دفع بالفكرة إلى أبعد منها، ومن التجسيد البسيط إلى التجسيد المبني على حسّ فني وإضافات فردية أطلقت فيها الحرفيات عنان الخيال على منهاج فان غوخ الذي طالما رفض المألوف والقوالب النمطية للفن، لقد تبنّين دون علم تعاليمه الفنية ومقته للجمود.

الحلفاء والطين والنسيج هي العناصر التي داهمت بها حرفيات جبل سمّامة مدرسة فان غوخ الانطباعية والتعبيرية على حد السواء لتحيلنا إلى مفهوم كونية الفنون، الفنون التي طالما ارتهنتها قاعات العروض الفخمة في عواصم العالم وتحليلات المختصين لتصبح واقعاً حيًّا جبلي الملمس والأعراق.

اقرأ/ي أيضًا: بسبب الإرهاب.. سكان الحدود يهجرون مهنًا جبلية

تثمين وتطوير..

لا يمكن الجزم ما إذا كانت منتجات الجبل قد استلهمت زينتها من لوحات فان غوخ، أو أن فان غوخ قد مُنح امتدادًا جديدًا على يد حرفيات الجبل ولكن الأكيد حسب عدنان الهلالي أن الصناعات التقليدية التي عرفت بها منطقة سمّامة من تحف طينية ومنسوجات من الحلفاء والصوف مقبلة على مرحلة جديدة من ناحية الجماهير المتلقية التي وبفضل هذه الفكرة أصبحت أكثر توسعًا وتنوعًا إضافة إلى القيمة الفنية و المادية التي أضيفت لها.

تبعث حرفيات سمّامة رسالة عن احتفاء الجبل بفان غوخ وهي رسالة سلام وفن وأمل في مستقبل أفضل تنتصر فيه إرادة الحياة على فلول الإرهاب المتربص بالمنطقة

يكفي أن العديد من المنظمات الدولية المهتمة بالشأن الثقافي والفني والتمثيليات الدبلوماسية أبدت - حسب قوله - اهتمامها بشراء مجسمات وتحف جبلية صنعت بأيادي حرفيات سمّامة واحتفت بفان غوخ، مؤكدًا أن هذا الإنجاز الفني أصبح عامل تحفيز للعديد من شباب المنطقة للاندماج في دورة اقتصادية جديدة تغير الواقع الصعب تقوم على تثمين وتطوير الثروات الطبيعية والموروثات الثقافية التي تزخر بها الجهة.

الرسالة التي تبعث بها حرفيات سمّامة عن احتفاء الجبل بفان غوخ، عن ليلة النجوم المضيئة وعباد الشمس ربما لن تصل إلى أخيه تيو كما جرت العادة بين الشقيقين بعد كل عمل فني للرسام الهولندي، ولكنها حتمًا ستصل إلى أبعد من ذلك بكثير، هي رسالة سلام وفن وأمل في مستقبل أفضل تنتصر فيه إرادة الحياة على فلول الإرهاب المتربص بالمنطقة.

 

مجسمات وتحف جبلية صنعت بأيادي حرفيات سمّامة واحتفت بفان غوخ

 

اقرأ/ي أيضًا:

صناعة الحلفاء في القصرين.. كنز مكنون ينتظر عناية جادّة

تستور.. قطب واعد للسياحة الجبلية في تونس