سكان الأرياف..

سكان الأرياف.. "كورونا" ضاعفت معاناتهم وعمّقت عزلتهم

زادت عزلة سكان الأرياف بسبب وباء كورونا (مريم الناصري/ ألترا تونس)

 

قد يكونون في مأمن من الإصابة بفيروس كورونا لأنّهم يعيشون في مساكن متفرّقة، وتجمّعات سكانية صغيرة متباعدة، لا تربط بينها سوى مسالك جبلية أو غابية وعرة، وطرق بدائية جدًا لا يمكن الولوج إلى بعضها أو العبور منها إلا على متن إحدى الدواب. لذا هم ليسوا في حاجة إلى حجر صحي أو تباعد اجتماعي، فهم يعيشونه منذ مئات السنين. حجر وتباعد فرضته الجغرافيا والطبيعة النائية في قرى وأرياف الداخل. 

وقد يحسدهم البعض اليوم على نعمة العيش في تخوم الجبال وفي الريف بامتداده وشساعة أراضيه، لا تقيد حرّيتهم جدران، ولا هم مجبرون على خروج أو عودة من المنزل في أوقات محدّدة فرضها حظر التجوال في المدن.

التشديد على حركة النقل الجماعي بين الأرياف على غرار بقية المناطق الحضرية والمدن عمّق معاناة سكان الريف

لكنّ على الرغم من شساعة مناطقهم النائية، وحرّيتهم في أرض واسعة، إلاّ أن وباء كورونا عمّق معاناتهم، فأولئك الذين يعيشون في القرى والأرياف قد ظلمتهم الجغرافيا، وباعدتهم الطبيعة عن ضروريات العيش، وزادهم منع الجولان عزلة وعجزًا عن التواصل مع العالم الخارج عن مناطقهم المعزولة. وهم يدفعون بدرجة أولى ضريبة احتكار العديد من المواد الغذائية على غرار "السميد" والزيت المدعم وبعض المواد الغذائية الأساسية.

يقطع سكان الأرياف عشرات الكيلومترات يوميًا للتزود بحاجتهم لا سيما من دقيق الخبز والسميد، فهم لا يملكون مطاحن أو مخابز تؤمن لهم رغيف الخبز. وبات اليوم أغلبهم عاجزون عن توفير حفنة من الدقيق لتأمين خبزهم اليومي والحال أنّ ريفهم هو منتج القمح والشعير.


 أغلب الفلاحين يبيعون ما لديهم من قمح وشعير بعد صابة الحصاد (صورة أرشيفية/ فتحي بلعيد/ أ ف ب)

التشديد على حركة النقل الجماعي بين الأرياف على غرار بقية المناطق الحضرية والمدن، عمّق معاناة سكان الريف وزادت عزلتهم بسبب عدم قدرتهم على التنقل إلى بعض القرى والمناطق الحضرية المجاورة، للحصول على مادة السميد والدقيق والزيت المدعم وغيرها من المواد الغذائية الأساسية. فهم لا يبحثون عن بعض المواد الغذائية التي قد نعتبرها نحن ضرورية، ولكنّها تعتبر بالنسبة لهم من الكماليات أو من مظاهر رغد العيش.

وتبدو الرحلة شاقة ومتعبة، بل إنها رحلة عذاب يومية لما قد تخفيه الطريق من مفاجآت في مسالك وعرة. التجأ بعضهم إلى الدواب للتنقل إلى القرى والمدن بحثًا عن المواد الغذائية وخاصة السميد والطحين، لأنّ أغلب سكان الأرياف يخبزون رغيفهم في البيوت. كما أنّ منع جولان العربات إلا بترخيص خفض عدد عربات النقل بين الأرياف والقرى لأنّ أغلبها تعمل في الأيام العادية دون تراخيص قانونية فلا يمكنها الحصول عليها اليوم مع تشديد رقابة الحرس والأمن على تلك الطرقات.

اقرأ/ي أيضًا: المهاجرون وطالبو اللجوء في تونس.. معاناة مضاعفة زمن الكورونا

عبد الحميد (فلاح من سليانة) لـ"ألترا تونس": سعر كيس السميد في الأيام العادية 25 دينارًا وبلغ اليوم 50 دينارًا بسبب المحتكرين

يقول عبد الحميد (29 سنة)، فلاح بمعتمدية الروحية في ولاية سليانة، لـ"ألترا تونس"، إنّ أغلب الفلاحين يبيعون ما لديهم من قمح وشعير بعد صابة الحصاد ولا يبقون إلا على بعض البذور لزراعتهم في العام الموالي، مضيفًا أن أغلبهم لم يعد يُخزّن أغلبهم حاجته من القمح والشعير لتوفير الطحين أو السميد لأنّه لا توجد مطاحن في أغلب الأرياف.

ويبيّن محدثنا أنهم يبتاعون حاجتهم من تلك المواد كلّما احتاجوا لذلك، لذا يعانون اليوم مشقة الحصول على كيس دقيق أو سميد، أو حتى الحصول على العلف لدوابهم بسبب نقص تلك المواد واحتكارها، مضيفًا أنّ "سعر كيس السميد في الأيام العادية 25 دينارًا وبلغ اليوم 50 دينارًا بسبب المحتكرين".


يشكو سكان الأرياف اليوم نقص العديد من المواد الغذائية الضرورية وعدم القدرة على التنقل للتبضع (صورة أرشيفية/ فتحي بلعيد/ أ ف ب)

ويشير عبد الحميد إلى أنّه يتابع عبر الفيسبوك ما يحصل من تزاحم على هذه المادة في العديد من المناطق، مستغربًا لهفة العديد من الناس على السميد والحال أنّهم يعيشون في مناطق يوجد فيها مخابز توفر لهم الخبز على خلاف المناطق الريفية التي يخبز فيها الناس خبزهم في البيوت، وهم أولى من غيرهم في الحصول على السميد، خاصة أنّ بقية المواد الغذائية على غرار المعكرونة والأرز باتت كمّياتها محدودة جدًا بسبب عدم وصولها إلى العديد من المناطق الداخلية، حسب تعبيره.

كما يشكو سكان الأرياف اليوم نقص العديد من المواد الغذائية الضرورية وعدم القدرة على التنقل للتبضع، فإن توفرت المساحات التجارية في أغلب المدن وتوفّر تاجر مواد غذائية واحد في كلّ حيّ، فإنّ سكان الأرياف يتزوّدون بحاجياتهم من القرى والمناطق الحضرية المجاورة، وقد باتوا اليوم أكثر عزلة وأقل قدرة على التنقل بسبب نقص وسائل النقل الريفي.

الشافعي (مواطن من جندوبة) لـ"ألترا تونس": والدي تعرض لوعكة صحية ولم أستطع نقله إلى مركز الولاية بسبب الحجر الصحي

لم تتعلّق معاناتهم فقط بصعوبة التزود بالمواد الغذائية، بل حتى للتنقل للحصول على رعاية صحية عاجلة أو قضاء أمور ضرورية على غرار التنقل لمراكز البريد أو المعتمديات. إذ يقول الشافعي (45 سنة)، من ولاية جندوبة وتحديدًا من ريف منطقة كاف الضرابين، لـ"ألترا تونس" إن "والده تعرّض إلى وعكة صحية بسبب ارتفاع ضغط الدم، ولم يستطيع نقله إلى مركز الولاية بسبب الحجر الصحي وعدم وجود وسائل نقل حتى النقل الريفي". ويضيف "أنّه نقل والده للعلاج بعد يوم من البحث عن وسيلة نقل، مدّة يقول إنّها كافية أن تعرّض حياة والده للخطر وتدهور صحّته".

كما أشار محدّثنا إلى أنّ أغلب المناطق الريفية باتت معزولة أكثر من ذي قبل، ويعاني سكانها اليوم نقصًا كبيرًا في العديد من المواد الغذائية التي فُقد أغلبها بسبب عدم وصولها إلى الأرياف أو تزيدها بالكميات الكافية منها. بل باتت موجهة فقط إلى مراكز الولايات وبعض القرى وتعمّقت الأزمة بسبب توقف رحلات النقل الريفي، لاسيما وأنّ أصحاب الشاحنات الخفيفة ممن كانوا يُقلون الناس بين الأرياف والقرى باتوا غير قادرين على ذلك بسبب الحجر الصحي ومنع الجولان".

 

اقرأ/ي أيضًا:

التباعد الاجتماعي يعزّز الهجرة إلى الريف زمن الكورونا

عاملات بلا أجور يستغثن: كورونا أرحم من قطع أجورنا ومورد رزقنا!