سعاد ماسي في الحمامات.. رحلة سريالية إلى عالم من الحب والخيبة

سعاد ماسي في الحمامات.. رحلة سريالية إلى عالم من الحب والخيبة

أحيت سعاد ماسي حفلًا الأحد 18 أوت 2019 ضمن فعاليات مهرجان الحمامات الدولي (صورة أرشيفية/ Al Pereira/WireImage)

 

وسط هتافات الجمهور، وبخطوات هادئة وواثقة، ومتوشحة اللون الأسود، اعتلت الفنانة الجزائرية سعاد ماسي ركح مسرح الهواء الطلق بالحمامات مصحوبة بعازفين وابتسامة هادئة تكاد لا تفارق محياها. حيّت جمهورها الذي قدم إليها متلهفًا فغصّت به المدارج، وحتى تلك المخصصة للمرور حيث لم يجد البعض منهم مكانًا يجلس فيه ليلجأ إلى الدرج.

بدا الجمهور مأخوذًا بسحر الفنانة الغامض والأنيق ببساطته والتي صعدت الركح في تمام الساعة العاشرة مساء من ليل الأحد 18 أوت/ آب 2019، وتحت وطأة صوت أمواج البحر غير البعيد عن المسرح والتي يبدو أنها جاءت لتضفي على حفل سعاد ماسي رونقًا لا مثيل له.

اقرأ/ي أيضًا: ألفة حمدي.. رحلة صوت بدوي في عالم السنطور

لامست سعاد ماسي جمهورها مخلّفة في نفوسهم أثر فراشة عابرة فغنّت الوحدة والخيبة

حملت سعاد ماسي قيثارتها التي لا تفارقها وانطلقت في رحلة من العزف والغناء، فكانت البداية مع أغنية "دار جدي" لتليها سلسلة من أشهر أغنياتها على غرار "كل يوم" و"أمسا" و"Deb" و"حياتي".

الفنانة الجزائرية التي تقيم حاليًا بفرنسا، والتي خطّت طريقها في عالم الموسيقى مستمدة شغفها من عائلة أحبّت الموسيقى، والتي تجمع في فنها بين الموسيقى الشعبية الجزائرية والفلامينكو والروك والكاونتري، أطربت جمهور مهرجان الحمامات في دورته الخامسة والخمسين، واستطاعت أن تصل وأن تلامس أمكنة محفورة في قلوب من حضر حفلها وأعماقهم، وهو أمر نادرًا ما يتقنه الفنانون.

لامست سعاد ماسي جمهورها مخلّفة في نفوسهم أثر فراشة عابرة، فغنّت الوحدة والخيبة، واستحضرت مشاعر الحزن التي قد يشعر بها أحدهم وسط سعادة المحيطين به فكانت أغنية "خلوني"، وناجت أيضًا "الراوي" لتروي قصص الجميع باعتبار أن "كل واحد منا في قلبه حكاية". ولكنها غنّت أيضًا للأمل وتمنت أن تكون طيرًا.

لم تكتف ماسي بذلك بل عرّجت على السياسة وغنّت "زار الزعيم المؤتمن"، وهي قصيدة للشاعر العراقي أحمد مطر قرّرت الفنانة الجزائرية أداءها تكريمًا له. ولم تنس سعاد ماسي أن تسافر بجمهورها إلى قصبة الجزائر وتطلعه على الأسرار التي كانت النسوة ترويها للآبار فأطربت مستمعيها بأغنية "طليت ع البير".

اقرأ/ي أيضًا: سهرة الموسيقى البديلة بقرطاج: التجريب الشبابي مع الموروث الموسيقي التونسي

كان مرور سعاد ماسي على ركح الحمامات منعشًا كنسمة صيف تعيد الروح في أجساد أعياها الحرّ والجفاف

الفنانة الجزائرية المعروفة بهدوئها تفاعلت مع جمهورها وضحكت معه، بل وطالبته بمشاركتها الغناء قائلة "نسيتوني..؟"، ليردّد معها الجمهور أغنية "يا قلبي" التي تناجي القلوب ذات الجروح طويلة الأمد.

ولأن الليل خُلق للسهر والسهر كثيرًا ما ينسب إلى العشاق، لم تنس سعاد ماسي أن تمرّ على ما قد يعدّ أسمى شعور يخلتج المرء، فغنت "غير أنت" التي تفاعل معها الجمهور غناء وتمايلًا مرددًا كلماتها التي يحفظها عن ظهر قلب. ولئن كانت عبارة "ختامها مسك" كثيرًا ما تتردد عندما نريد الاحتفاء بنهاية أمر ما، فختام حفل سعاد ماسي أبى إلا أن يجسّد هذه العبارة، فكانت "مسك الليل" بمثابة إعلان شوق أنهت به الفنانة حفلًا أيقظت فيه مشاعر جماهيرها.

كان مرور سعاد ماسي على ركح الحمامات منعشًا كنسمة صيف تعيد الروح في أجساد أعياها الحرّ والجفاف، هي الفنانة التي وصلت إلى أعماق محبيها في ليلة صيف وردية وحملتهم لساعة ونصف الساعة إلى عالم سريالي، عالم تجتمع فيه مشاعر الحب والخيبة والوحدة والأمل، فحلّقت بهم وأعادت إلى بعضهم ذكريات ظنوا أنها طويت، وأحيت في نفوس آخرين مشاعر فياضة بالحب.

ويمكن القول إن حفل سعاد ماسي في إطار الدورة 55 لمهرجان الحمامات الدولي كان فعليًا حفل الحب والخيبة، الفرح والحزن، ولعلّه يعدّ من أرقى السهرات التي شهدتها تونس هذه الصائفة، والتي نجحت الفنانة الجزائرية في أدائها بكلّ خفة روح وحب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مهرجان الحمامات: حضر زياد.. وغابت روح "الرحابنة"

مهرجان سينما الهواة بقليبية.. إرث نصف قرن