سهرة الموسيقى البديلة بقرطاج: التجريب الشبابي مع الموروث الموسيقي التونسي

سهرة الموسيقى البديلة بقرطاج: التجريب الشبابي مع الموروث الموسيقي التونسي

بفستان أسود فاخر وكمغنيات البلوز والسول الشهيرات في العالم اعتلت الفنانة التونسية لينا بن علي ركح المسرح الروماني بقرطاج

 

سماء المسرح الروماني بقرطاج ليست سماء كباقي السماوات، إنها سماء متاحة للقلب قبل العين، نجومها قدّت من فنّ وموسيقى ومسرح وسينما. تحضر هذه النجوم كل ليلة متلألئة كفضّة على جيد التاريخ لتتجول بين الساهرين على المدرجات العتيقة. نجوم نرحل معها كل ليلة ونحن ننتظر العرض الجديد والنجم الجديد.

مهرجان قرطاج الدولي بأبهته وعراقته ومراكمته للدورات الثقافية لم يبخل يومًا على التجارب الشبابية في مختلف الفنون، لم يبخل يومًا على المجددين في الموسيقى. قد يتلقى أحيانًا النقد الجارح من فرط حنّوه على التجرّيبيين في الفنون الموسيقية والركحية ومنحهم نافذة صغيرة تطلّ على السماء الفضية للمهرجان، لكنها في النهاية عقلانية مهرجان عتّقه الزمن فصار يفهم جيدًا مكر التاريخ.

تقريبًا هذا ما لمسته من خلال حفل "الموسيقى البديلة " لسهرة 23 جويلية/يوليو 2019 التي منحها مهرجان قرطاج الدولي للثلاثي التونسي لينا بن علي وزياد الزواري ونضال اليحياوي. وما يجمع هذا الثلاثي الشاب هو صعودهم الأول على الركح الروماني العتيق عدا الفنان زياد الزواري، واشتغالهم في جانب كبير على الموروث الموسيقي التونسي مع الانفتاح على موسيقات العالم وأيضًا بداية تشكل ملامح تجربة مخصوصة لكل واحد منهم.

مهرجان قرطاج الدولي بأبهته وعراقته ومراكمته للدورات الثقافية لم يبخل يومًا على التجارب الشبابية في مختلف الفنون، لم يبخل يومًا على المجددين في الموسيقى

اقرأ/ي أيضًا: "بحيرة البجع" في افتتاح مهرجان قرطاج.. موسيقى ورقص في أرقى حالتهما

لينا بن علي كانت شجاعتها على الركح المهيب بحجم صوتها الأسمر المشبع بالعذوبة

لينا بن علي.. الصوت الأسمر العذب والهادر

بفستان أسود فاخر وكمغنيات البلوز والسول الشهيرات في العالم، اعتلت الفنانة التونسية لينا بن علي ركح المسرح الروماني بقرطاج ضمن الدورة الخامسة والخمسين للمهرجان الثقافي الأهم في تونس وفي العالم العربي لأن المرور من هنا تحت تصفيق الجمهور العصي يعتبر جواز سفر نحو النجومية، حسب الكثيرين.

لينا بن علي كانت شجاعتها على الركح المهيب بحجم صوتها الأسمر المشبع بالعذوبة والهادر كموج متلاطم، غنت للفنانة الأمريكية الكبيرة ويتني هوستن رائعتها "I HAVE NOTHING" وهي من المتأثرين بها إلى حد بعيد، بل بدت هذه الفنانة الشابة متأثرة إلى حد بعيد بمدارس الجاز والبلوز المختلفة حتى أن صوتها انطبع بذلك واتخذ له أحزان زنوج الولايات المتحدة الأمريكية دربًا منيرًا.

لينا بن علي كانت شجاعتها على الركح المهيب بحجم صوتها الأسمر المشبع بالعذوبة والهادر كموج متلاطم

لينا وقبل الدفع بألبومها الجديد للسوق أطلقت منه أغنيتين خصيصًا لجمهور هذه السهرة فغنت "نحلم بيك" باللهجة التونسية وبلحن يندرج ضمن نمط موسيقى البلوز. كما غنت "قصة حب بين فتاة سمراء ورجل أبيض"، وهي أغنية أهدتها للمرأة السمراء التي تدافع عن حبها بكل شجاعة، هذه الأغنية ذات الصور الشعرية الناعمة والرومانسية تقدم رسالة إنسانية فيها الكثير من الرقي والنبل وهي تطالب من خلالها برفع الحواجز الاجتماعية أمام علوية الحب.

لينا وفي حديثها للجمهور، الذي لم يحضر بكثافة، اعتبرت أن هذه السهرة وهذه الوقفة فوق ركح قرطاج ستكون انطلاقتها الحقيقية وهي التي شرعت في البحث والتجريب حول صوتها منذ أكثر من عشر سنوات خلت.

اقرأ/ي أيضًا: سمر بن عمارة.. العازفة التي أنّثت "الزُكرة"

زياد الزواري يمكن القول إنه استمرار لنهج التجريب والبحث بخصوص الكون الموسيقي التونسي

زياد الزواري: كل الكمنجات لي.. وركح مسرح قرطاج لي

كان يشبه الكمنجة على الركح، نحيف كأخدود تشلو، ذراعاه كضمة أوتار سرب من الكمنجات. هذا العازف التونسي الممهور لا وقت لديه إلا للموسيقى ومحاورة الآلات والمقامات والأنماط الموسيقية حتى أن أستاذه الهندي "سوبر أمينام " الذي جلس إليه بمدرجات جامعة السربون قال له "أنت كمنجة عازفة ولا عالمية لك إلا بالعودة لثقافتك المحلية والعودة للنمط الموسيقي التونسي".

منذ تلك النصيحة الهندية وزياد الزواري لا وقت لديه إلا الإبحار في عوالم الموسيقى التونسية والتأسيس لمنصات انطلاق ذات ركائز ثقافية وفكرية وهوياتية، فرسم له مشروعًا متكاملًا يقوم على البحث عن إمكانات المزج المتعددة للموسيقى التونسية بموسيقات أخرى آسياوية وإفريقية وغربية وإعادة توزيعها بشكل لا يفقدها وجهها الجميل الأنيق.

زياد الزواري وبعد "سفر" و" طرق المقام "، أعد منذ أشهر تجربته الجديدة "إلكترو بطايحي"، وهي كلها رؤى مختلفة للموسيقى التونسية بمختلف فروعها ومدارسها ورموزها ضمن مشوع متكامل هو بصدد التشكل في وعيه وضمن المتاح من المال والوقت في الواقع ، و"إلكترو بطايحي" وبالنظر لضيق المساحة الوقتية التي خصصت للزواري في هذه السهرة القرطاجية لم يتم تقديمها كاملة حسب ما رسم لها صاحبها لكنها تشي بجوهرها وخلفيتها الفكرية.

نضال يحياوي غنى "البدوي" لتلك الأرض بخلفية موسيقية إلكترونية حملت التراث إلى آفاق أخرى غير متعود عليها

زياد الزواري ضمن هذا العرض قدم المالوف والسطمبالي والبدوي بأساليب عزفية غير معهودة تبرز قدرات الآلات الموسيقية مثل القيتار والباتري والكمنجة من جهة ومدى تطويع القطع والمقامات التونسية دون المسّ من روحها التونسية. والجميل في هذا العرض ويمكن اعتباره نقطة قوة مشروع الزواري هو القدرة على التوزيع الموسيقي المضيف للمقامات التونسية يبرز قدراتها على المواءمة مع موسيقات أخرى وثقافات أخرى.

الزواري ودون التصريح بذلك، كرم أسطورة الكمان في تونس الراحل رضا القلعي من خلال محاولته عزف قطعة "زرزيس" ضمن توزيع جديد وببهارات إلكترونية بدت كأنها تأويل موسيقي لجزء من تاريخ الموسيقى التونسي المعاصر. كما شارك مع الزواري في هذا الحفل 15 عنصرًا بين عازفين ومغنين يمثلون عدة جهات تونسية، من بوزيان والقصرين وقابس ومدنين وتونس العاصمة. لكن الأغاني في هذا العرض لا يعدو حضورها أن تكون سوى حضورًا رمزيًا فتتحول الأصوات إلى غمغمات جميلة دالة على تونسية ما يحدث فوق الركح وأمام هيجان الآلات ورقصات الكمنجة الساحرة.

الزواري يمكن القول إنه استمرار لنهج التجريب والبحث بخصوص الكون الموسيقي التونسي الموجود في تونس وسار في دربه أسماء عديدة مثل محمد زين العابدين وفوزي الشكيلي والأخوة مرايحي.

نضال يحياوي غنى "البدوي" لتلك الأرض بخلفية موسيقية إلكترونية حملت التراث إلى آفاق أخرى

نضال يحياوي.. الشاوية وموسيقى التل الغربي التونسي الجزائري

الموسيقى لا تعترف بالحدود بين الشعوب وفعلًا هذا ما يؤكده عرض الفنان الشاب نضال اليحياوي المدرج ضمن فعاليات مهرجان قرطاج الدولي لصائفة 2019. عرض الشاوية الذي يقوم على آلات بسيطة مثل القصبة والبندير والزكرة والطبل، يتفانى في صنعها سكان بادية الشمال والوسط الغربي التونسي و يشتركون فيه مع الجيران الجزائريين على الحدود ممّا يجعل من الفضاء الموسيقي لتلك الجغرافيا فيه وحدة وفيه اشتراك عاطفي وتماه فني.

نضال يحياوي غنى "البدوي" لتلك الأرض بخلفية موسيقية إلكترونية حملت التراث إلى آفاق أخرى غير متعود عليها لكن الجمهور استساغها ورقص طويلًا على نغماتها. عرض "الشاوية" هو إمكان آخر من إمكانات التجريب حول الموروث الموسيقي البدوي نجح نضال في تقديمه وعرضه على أهم ركح ضمن أهم تظاهرة ثقافية ترفيهية تونسية.

عرض "الموسيقى البديلة" لكل من لينا بن علي وزياد الزواري ونضال يحياوي في سهرة مهرجان قرطاج يؤكد مرة أخرى أن البدائل ممكنة في الموسيقى فقط من الضروري القليل من الجرأة

عرض "الموسيقى البديلة" لكل من لينا بن علي وزياد الزواري ونضال يحياوي في سهرة مهرجان قرطاج الدولي يؤكد مرة أخرى أن البدائل ممكنة في الموسيقى فقط القليل من الجرأة على التابوهات وهو ما قام به ثلاثي السهرة. لقد كانوا على غاية من الشجاعة مع بعض الحذر، تجاربهم ومخبرياتهم الموسيقة ورغم تنوعها واختلافها، إلا أنها تبدي وعيًا شديدًا بخصوصية ما يقومون به وخاصة فهمهم للجوانب التي تتعلق بالطابع الثقافي والفكري.

مهرجان قرطاج الدولي من خلال هذه السهرة الموسيقية الشبابية التونسية والتي عرفت بعض الجدل بخصوص الأسماء المبرمجة في صلبها تبرز أن هذه التظاهرة المركزية في المشهد الثقافي التونسي تشتغل تحت قبة التاريخ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

دكاكين الكتب القديمة في "الدباغين".. أرشيف لحفظ الذاكرة

أزمة قطاع الترجمة في تونس.. فوضى وطاقات مهدورة