رسالة إلى الوالي.. الزم حدودك

رسالة إلى الوالي.. الزم حدودك

المشكلة الحقيقية تتمثل في تنامي ظاهرة الفوضى في المدارس (صورة أرشيفية/ مارتن بيرو/ أ ف ب)

مقال رأي

 

بلوغ أوفر النتائج بأقلّ المجهودات والتكاليف قاعدة اقتصادية وسلوكيّة لا غنى عنها في جلّ المهن والأنشطة والمسارات المهنية، ومن ترجمات هذه القاعدة بلغة الرياضيات "إنّ أقرب طريق بين نقطتين هو الطريق المستقيم".

هذه المعادلة البسيطة تنكّر لها يوم الخميس 30 جانفي/ كانون الثاني 2020 أكرم السبري والي المنستير، إذ انتقل مصحوبًا بمعتمد الجهة إلى معهد بالوردانين، فتدخّل بشخصه وصفته لمساعدة تلميذة على أخذ بطاقة دخول، لا تعنينا في هذا المقام سيرة الوالي التي خاض فيها الكثيرون، فقالوا وكشفوا وأطالوا.

ما فعله والي المنستير اعتبره البعض فعلًا رمزيًا وإنسانيًّا

ما يعنينا في هذا الحيز هو "واقعة بطاقة الدخول" وقد بدت لنا لافتة غريبة، إذ قامت على مفارقة بين حجم المجهود المبذول وبساطة المهمة المنجزة، فقد انتقل مصحوبًا بفريق كامل مدجّج بعدسات التصوير ومستأنسًا بمسؤول جهوي أو أكثر تركوا جميعًا أماكن عملهم لأمر يبدو هيّنًا كان يمكن إنجازه بتكاليف أدنى.

اقرأ/ي أيضًا: ترجّلت لينا وانتصر سلاحها

التعاطف المتهافت وتصيّد الأخطاء

ما فعله الوالي اعتبره البعض فعلًا رمزيًا وإنسانيًّا، وبرّروا ذلك بجملة من الحيثيات، منها افتقار التلميذة إلى السند الأبوي من جهة وخطاب مدير المعهد الذي بدا جارحًا مهينًا لهذه الفتاة اليتيمة من جهة أخرى، قال المدير حسب رواية التلميذة "كي يبدا عندك ولي إيجا أقرا"، (حينما يكون لديك ولي بإمكانك الدراسة). وقد اتخذ تأويل هذه العبارة درجة فيها الكثير من المغالاة و التعسف من قبيل أنّ المدير قد عيّر التلميذة بيتمها.

لم أواجه في حياتي وقراءاتي ومتابعاتي مشهدًا كهذا فيه يتنابز الناس ياليتم، هذا التأويل بدا لي أقرب إلى تصيد الأخطاء، فمعلوم أن المجال الإنساني معقّد يعز فيه أن يتحدث المرء في انفعال وعفوية دون أن يتحول إلى موضوع اتهام متى تمّ وضع خطابه تحت مجهر "التلقيط".

التعاطف المتهافت الذي حظيت به التلميذة كاد يخفي العديد من التجاوزات التي اقترفها الوالي تجاه أطراف عديدة.

أمّا الطرف الأول فهو المدير الذي تمّ إخراجه في صورة الظالم الشرير الجاني بأسلوب أقرب إلى التشهير منه إلى معالجة المشكلة، ذلك أنّ المشكلة الحقيقية تتمثل في تنامي ظاهرة الفوضى في المدارس، ومن علاماتها، فضلًا عن الانحرافات السلوكيّة، كثرة الغيابات، وهي مسألة إدارية أراها أخطر من البنية التحتية والمناهج والبرامج التعليمية وسائر العناصر المشكلة للمشهد التربوي، فالغياب أو التأخير يبدو، بالنسبة إلى الواقفين على الربوة ومنهم والي المنستير، أمرًا هيّنًا، والحال أن هذا التجاوز قد تتخفى وراءه ألغام أخلاقية وإجرامية وإرهابية، يخشى مدير المؤسسة أن يتحمّل مسؤوليتها في صورة التهاون في معالجة الغيابات فيتوخي منتهى الحزم.

إذا تغيب التلميذ ساعة واحدة غيابًا غير مبرر، وإذا لم يتم التنصيص عليها في دفاتر المناداة، وإذا لم تحظ بمتابعة حازمة يمكن أن تتحوّل إلى وثيقة رسمية يستظهر بها المتغيب للتملص من جريمة قد ارتكبها، والمحاكم تشهد بذلك، بإمكان والي المنستير متابعة الجرائم وحالات الاغتصاب والتحرش وعمليات الانتحار بسبب التساهل في التعامل مع غيابات التلامذة الصغار منهم والمراهقين.

الطرف الأول الذي نال منه والي المنستير هو المدير الذي تمّ إخراجه في صورة الظالم الشرير الجاني بأسلوب أقرب إلى التشهير منه إلى معالجة المشكلة

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. تسع سنوات بعد الثورة

سألتُ بعض المديرين المتميزين في عملهم ودعوتهم إلى ترتيب مهامهم حسب الخطورة، فأجمعوا على ضرورة الدفع قبل كل شيء نحو منتهى العناية بالمكتب الخاص بتسجيل الغيابات وتقديم بطاقات الدخول، فالخطأ في الدرس مضمونًا ومنهجًا يمكن أن يعالج ويُجبر، أما الخطأ في رصد الغيابات ودقة تسويتها قد لا يبقي ولا يذر.

الطرف الثاني الذي نال منه الوالي هو بلا شك الموظفة المكلّفة بتقديم بطاقات الدخول، فقد وقعت فريسة الابتزاز، إذ أشهر الزائرون في وجهها الكاميرا، وهي بالنسبة إليّ أخطر من السلاح الأبيض، كيف لموظف قليل الحيلة مفتقر إلى سرعة البديهة أن يحسن التصرف والتدبير وهو يواجه طرفًا يحتكر عدسة التصوير ويختار على النحو الذي يريد زاوية النظر ومستويات التركيز والتبئير، إن الذي يسألك على حين غرة والكاميرا في يده أشبه في عدد من المواقف ببعض المتشددين من الخوارج، كان الواحد منهم يقطع طريق الرجل السائر في سبيله، فيضع ذؤابة السيف على رقبته ويسأله عن حكم مرتكب الكبيرة.

الطرف الثالث الذي أساء له الوالي هو بلا شكّ نشاط الولاية، فهذا المركز يحتاج إلى منتهى التركيز إشرافًا وتخطيطًا ومتابعة وتنفيذًا، كما يقتضي حسن توزيع المهام، فبطاقة الدخول كانت تقتضي في أخطر الحالات ضياع يوم عمل بالنسبة إلى أمّ التلميذة، فهي مسؤولة على نفسها وعلى أبنائها، أما الوالي فمسؤولياته إن تركها ساعة واحدة تعطلت مصالح مئات المواطنين، بطاقة الدخول كان يمكن في رأيي معالجتها على النحو الإنساني المعمول به من خلال تدخلّ بعض الحكماء من الأطراف التربوية من أساتذة وقيمين متى وثقوا من شرعية غياب التلميذة.

الطرف الرابع المتضرر هو التلميذة نفسها، فقد تمّ تناقل صورتها محتمية بالوالي مستنجدة به، فبدا الأمر أبعد ما يكون عن النواميس المدرسية فقد تخطّت "هذه الضحيّة" كل مراتب التظلم من إطار تربوي ولجان إنصات وإدارة جهوية ومضت رأسًا إلى أعلى سلطة في الولاية، هذا الخطأ المنهجي نخشى أن يتحوّل إلى سنة سلوكيّة لدى هذه التلميذة وأترابها، فيعمدون كلّما واجهتهم مشكلة إلى أعلى درجات التصعيد من جهة وإلى الاستقواء على الموظفين بالسلطات العليا فتتواصل موجة "تشليك" الإدارة والتشكيك فيها.

التعليمات وعلوية القانون

هذا التصرف المفتقر إلى الوجاهة الصادر عن الوالي تصدت له أقلام عديدة وأصوات كثيرة  لم تعد تنطلي عليها الخطابات والحركات الشعبوية التي تتعطر بالإنسانية أو بالثورية، فتبيح خرق القانون، وهو ما جعل مدير المعهد يعتزم على تقديم قضية ضدّ الوالي يتهمه بانتحال صفة الولي، وقد تطوّر الموضوع ليتخذ بعد وطنيًا من خلال برقية احتجاج أرسلتها الجامعة العامة للتعليم الثانوي إلى وزير التربية نبهت فيه إلى ما أسمته "الاعتداء الصارخ على المؤسسة التربوية وكرامة العاملين ودعت في نفس البرقية الصادرة يوم 3 فيفري/ شباط 2020 إلى عدم المساس بمدير المؤسسة بأي شكل من الأشكال".

الرسالة التي يمكن توجيهها إلى والي المنستير وكلّ المسؤولين من ذوي السلطة والنفوذ عنوانها الزم حدودك

الرسالة التي يمكن توجيهها إلى والي المنستير وكلّ المسؤولين من ذوي السلطة والنفوذ عنوانها الزم حدودك، وهي حدود تضبطها جملة من العناصر نذكر منها ثلاثة:

أولها علوية القانون في مواجهة التعليمات، فما قام به المدير وما نفذه القيم المكلف بإعطاء بطاقة الدخول يندرج ضمن طائلة القانون، وما قام به الوالي تحكمه ثقافة التعليمات.

ثاني الحدود مفادها أن الموظف أو العون المكلف بالتنفيذ يظل رغم قلة صلاحياته أعلم بالعديد من الدقائق التي يجهلها المشرف العام، وبناء على ذلك ينبغي الاستئناس برأي ذاك العون والاستفادة من تجربته الميدانية، فحدود الوالي أوسع وحدود الأعوان والموظفين أدق.

ثالث الحدود يتصل بضرورة حسن توزيع المهام، فمن ترك مهمة جسيمة لإنجاز فعل بسيط فقد أخطأ خطأ تقديريًا منهجيًا، فأخلّ بواجبه المنوط بعهدته.     

 

اقرأ/ي أيضًا:

أنس جابر.. قدوة وأكثر!

ليست "حكومة الرئيس"!