المتحرّش بالأطفال أو

المتحرّش بالأطفال أو "البيدوفيل".. مضطرب جنسيًا ومنبوذ اجتماعيًا

ضرورة كسر قانون الصمت لحماية الأطفال من الاعتداءات الجنسية (Getty)

 

المتحرشون بالأطفال أو "البيدوفيل" هم من أكثر الناس كرهًا في جميع المجتمعات ومع ذلك فإنّ الخوض في هذا الموضوع يعتبر من المحرّمات ويلقى تعتيمًا في ظلّ قانون الصمت الذي يسود. لكنّ هذه الحقيقة تنفجر اليوم وتحدث الكثير من الضوضاء خاصّة بعدما اهتزّ الرأي العام التونسي مؤخّرًا بسبب حالة معلّم صفاقس الذي تحرّش واغتصب أكثر من 20 تلميذ وتلميذة.

بعد الغضب الجماهيري وسلسلة التنديدات والمطالبة بالإعدام في هكذا حالات، والذي سيتلاشى كالمعتاد، من الضروري طرح الأسئلة الحقيقية، لفهم سلوك الشخص الذي يمارس اعتداءات جنسية على الأطفال وتحليل هذه الظاهرة نفسيًا واجتماعيًا.

اقرأ/ي أيضًا: "رد بالك على عصفورتك".. عن عالم الجنس وبراءة الطفولة

إهمال فاعتداء فتكتّم.. هكذا تبدأ القصّة

أحمد (اسم مستعار)، تلميذ يقرأ في المدرسة الابتدائيّة، يعيش بأحد الأحياء الشعبيّة بتونس العاصمة، وكأغلب الأطفال في وضعيّته يعيش نقصًا في التأطير والإحاطة. فوالداه يهملانه ويتركانه لبراثن الأيادي العابثة. ومن هنا كانت المصيبة حيث تعرّض لاعتداء جنسي من قبل "البيدوفيل" ابن الجيران.

تعرض الطفل أحمد (اسم مستعار) لاعتداء جنسي من ابن الجيران ويتلقى حاليًا مصاحبة نفسية في كنف السرية لأن الأب غير متفهّم

في أحد الأيام، عاد إلى المنزل في حالة قلق وارتباك واضحة. لم يكن الطفل مدركًا لما يحصل حوله ولم يفهم أنه تعرّض لاعتداء جنسي. وبعد ضغط من والدته، اعترف الطفل بما حصل. صدمت الأم وأصيبت بحالة هلع وهستيريا، وأخفت الأمر عن والده خوفًا من أن تحصل جريمة وأن يعتدي الأب على ابن الجيران. اتصلت الأم بإحدى الناشطات في المجتمع المدني في المجال التطوعي الإنساني والتي تواصلت بدورها بأخصائي النفسي ووقع الاتفاق أن تقع المصاحبة النفسيّة في كنف السرّية لانّ الأب غير متفهّم.

أخصائي نفسي: الغلمانية أو البيدوفيليا هي اضطراب جنسي وليست مرضًا

"البيدوفيليا أو التحرّش الجنسي بالأطفال أو الاشتهاء والولع بممارسة الجنس مع الأطفال أو الغلمانيّة هي ظاهرة قديمة وموجودة من عهد الاغريق والرومان وهي موثّقة بالرسومات"، هذا ما أكده الإخصائي النفسي مروان النويري لـ"الترا تونس" في تفسيره لهذه الظاهرة.

ويضيف النويري، وهو المعالج النفسي للطفل أحمد، أن البيدوفيليا كانت تعتبر مرضًا إلى حدود سنة 1968 حينما أثبتت الجمعية العالمية للصحة النفسية ومنظمة الصحة العالمية من خلال الدليل التشخيصي للاضطرابات العقلية أن البيدوفيليا هي نوع من أنواع الاضطرابات الجنسية، مؤكدًا أنّ هناك شروطًا لهذه التسمية فليس كلّ علاقة جنسيّة بين كبير وصغير تسمّى بيدوفيليا، وفق تأكيده.

مروان النويري (أخصائي نفسي): البيدوفيليا تشترط أن يكون سن أحد الفاعلين قد تجاوز 15 سنة والطرف المقابل أقل من 12 سنة

ويوضح أن البيدوفيليا تشترط أن يكون سن أحدهما قد تجاوز 15 سنة والطرف المقابل أقل من 12 سنة. كما أن فارق العمر بين الضحية والجاني يعادل الخمس سنوات. ولا يمكن اعتباره اضطرابًا إلا إذا تجاوزت المدّة التي يقام فيها هذا الفعل الستة أشهر، أما إن كانت أقل فتعتبر اعتداء جنسيّا عابرًا وله مسببات أخرى.

ويقول النويري إن أغلب المضطربين مولعون بالأطفال من الجنس المقابل وتختلف النسب بين النساء والرجال إلا أن أغلب الدراسات تبيّن أنها منتشرة أكثر في صفوف الرجال.

ويعدّد محدثنا أنواع هذه الممارسة قائلا "عديدة هي أشكال هذه الممارسة حيث تختلف من الملامسة الخفيفة من فوق أو تعرية الطفل أو التعرية أمام الطفل وممارسة العادة السرية واستعمال الأعضاء التناسلية".

اقرأ/ي أيضًا: هل أتاكم حديث الطفولة المغتصبة؟!

وعن التشخيص والأسباب، يبيّن الأخصائي النفسي أنه بداية يجب معرفة إذا كان الشخص يمارس الجنس مع الأطفال فقط أم لا، مضيفًا أن الأسباب لا تزال غير واضحة فنتائج الدراسات البيولوجيّة والعصبيّة مازالت غير مقنعة وغير متفق عليها.

وهناك من يرجّح أن المضطرب تعرّض لاعتداء جنسي أو سوء معاملة في طفولته إلا أن دراسات فنّدت هذا الرأي ولم تجب بينهما رابطًا مقنعًا.

مروان النويري (أخصائي نفسي): أغلب المضطربين مولعون بالأطفال من الجنس المقابل وأغلب الدراسات تبيّن أن الاضطراب الجنسي منتشر أكثر في صفوف الرجال

أغلب الأسباب تتلخّص بين ما هو نفسي أو عضوي أو متعلّق بتجارب الماضي أو بخلل دماغي. فمن درس هذه الحالة أثبت أن دماغ المضطرب لا يختلف عن الإنسان العادي إلا أن الخلل يكون على مستوى التفاعل وهناك من أثبت أنه يحمل متلازمة الانفصال الجزئي، وفق تصريحاته.

ويؤكّد النويري أن الأبحاث في هذا الجانب شحيحة وفي طور التوسّع نظرًا لأن هؤلاء الأشخاص لا يعلنون أنفسهم وحتى عائلاتهم تتكتّم على هذا الموضوع.

كيف يمكن أن نرصد المتحرشين بالأطفال؟ وهل هناك من علاج؟

"هو شخص عادي أمام الناس ويكبت نواياه إلى حين أن يجد فرصة سانحة ليخرج تلك الرغبة الجامحة في نفسه"، "هؤلاء الأشخاص لا يتمتعون بدرجة ذكاء عالية، فحسب الدراسات والإحصائيات المستوى الذهني والعقلي لهؤلاء الاشخاص متوسّط أو ضعيف. كما أن لهم تقديرًا متدنيًا للذات يزداد حدّة نظرًا لاقتناعهم بأنّ سلوكهم شاذ وغير سوي وهذا ما يجعل علاقاتهم الاجتماعية غير طبيعيّة وغير متوازنة"، هذه الأهم الأعراض التي تمثل مشتهي الأطفال بحسب مروان النويري.

ويوضح محدثنا أنهم لا يجدون رغبة جنسية مع البالغين ويرفضون الدخول في علاقات جنسيّة معهم كما يستثارون جنسيًا من طرف الأطفال، مبرزا أن "البيدوفيل" يعيش شعورًا متناقضًا ما بين المتعة والرغبة وممارسة شذوذه وما بين كرهه لهذه الممارسة واقتناعه بأنها مرفوضة اجتماعيًا وأخلاقيًا وعرفيًا، لذلك يبقى في دوامة من القلق والتقلبات المزاجية التي تصل حتى الاكتئاب الحاد.

مروان النويري (أخصائي نفسي): "البيدوفيل" هو شخص عادي أمام الناس ويكبت نواياه إلى حين أن يجد فرصة سانحة ليخرج تلك الرغبة الجامحة في نفسه

ويعتبر النويري أن الإشكال الأكبر لهذه النوعيّة من الاشخاص عدم اعترافهم بأن لديهم مشكلًا أو اضطراًبا ولا يلجؤون إلى الإخصائيين إلا في حالات نادرة أغلبها عن طريق المحكمة أو عن طريق عائلاتهم، وإذا لم يكن واعيًا بسلوكه فهذا قد يعرقل عمليّة علاجه، على حدّ قوله.

وبخصوص العلاج، يقول النويري لـ"الترا تونس" إن "بداية العلاج تكون من خلال إقناع المضطرب أن السلوك الذي يقوم به يضرّ الطفل وله عديد العواقب النفسية والجسديّة ونفهمه بأنه قادر أن يُعالج وأن يعيش علاقة جنسيّة طبيعيّة. كما يمكن اعتماد أدوية لتعديل الهرمونات. بالإضافة إلى العلاج السلوكي المعرفي نظرًا إلى أن المضطرب يعيش تشوهات معرفيّة وفكريّة من خلال نظرته للجنس واللذّة وبهذا العلاج نقوم بتوجيه هذه اللذة لاتجاه سليم من ثمّ نمرّ للروابط من خلال تدريب سلوكي مصاحب لتحويل الرغبة من الأطفال للراشدين." ويشير إلى أنّ هذا العلاج لا ينجح الا برغبة من المضطرب.

وفي نفس الإطار، يؤكّد النويري أهميّة دور المجتمع للتعامل مع "البيدوفيليا" وفهم الجدليّة القائمة في المجتمعات المحافظة ما بين مضطرب يحتاج لعلاج وما بين مجرم يحتاج لعقاب، مضيفًا أنه على الجميع الوعي أنّ هذا السلوك متواجد في مجتمعاتنا لكن في غرف مظلمة، بالإضافة إلى نشر الثقافة الجنسية وإعطاء مساحة من الأمان للأطفال من قبل أوليائهم ليتمكّنوا من التبليغ عن حالات التحرش التي يتعرضون لها.

اقرأ/ي أيضًا: محكمة التعقيب تجيب: هل تلمّس ثدي فتاة تحرش جنسي أم اعتداء بالفاحشة؟

أسباب ظهور البيدوفيليا في مجتمعنا

في سياق متصل، يرى الباحث في علم الاجتماع معاذ بن نصير أن هناك عدة أسباب تجعلنا نتطرق اليوم لظاهرة "البيدوفيليا" ومن بينها غياب الرقابة المؤسساتية داخل الفضاءات العامة والخاصة على حد السواء، لافتًا إلى أن أغلب حالات التحرش الجنسي بالأطفال تكون داخل الفضاء الضيق المجتمعي وهو العائلة.

ويشير بن نصير لـ"الترا تونس" إلى أن العامل الجيو-اجتماعي له الأثر المباشر لتنامي هذه الظاهرة، بمعنى أنه في بعض المناطق من البلاد التونسية نجد جهلًا بالجنس الآخر بحكم الموروثات الثقافية التي تزرع نوع من القطيعة بين الجنسين ولذا تصبح مسألة الآخر من المكبوتات، وفي أول فرصة لاكتشاف الطرف الاخر للضحية لن يتوانى القناص عن الإيقاع بضحيته، وفق قوله.

معاذ بن نصير (باحث في علم الاجتماع): المتحرش أو المغتصب يختار ضحيته بإحكام إذ يكون أصغر منه سنًا كما تكون له سلطة مباشرة عليه إما عائلية أو مجتمعية عمومًا 

ويوضح محدثنا أن المتحرش أو المغتصب يختار ضحيته بإحكام إذ يكون أصغر منه سنًا (طفل أو مراهق)، كما تكون له سلطة مباشرة عليه إما عائلية أو مجتمعية عمومًا ولذا سيُخضعه لجبروته ولشهواته الجنسية، مؤكدًا أن هذا السلوك إما قد يكون مكتسبًا بطريقة عمودية من أحد أفراد العائلة أو بطريقة أفقية من خلال الأصدقاء والأتراب، وفي بعض الحالات قد يكون المتحرش هو ضحية في سنوات تلت ومن هنا يخلق نوعًا من النقمة ويقوم بإعادة استحضار تلك الصور في مرحلة عمرية معينة. كما تلعب الأفلام الإباحية دورًا في تبلور هذه الظاهرة من خلال بعض الأفلام التي تروج لمثل هذه الممارسات وتضيف لها إثارات صوتية وصورية، فالقائم بالفعل أو الجريمة قد يكون مدمنًا على هذه الأفلام.

 ويعتبر بن نصير أن العامل الاقتصادي له سبب رئيسي في تنامي هذه الظاهرة مبينًا أن ارتفاع نسب الفقر والبطالة وصعوبة قد يحبذ البعض البحث عن إنشاء علاقات جنسية خارج الإطار المدني القانوني.

ويبيّن الباحث في علم الاجتماع أن المسؤولية تقع على عاتق الجميع بدءًا بمؤسسات الدولة من خلال زرع مختصين من علم النفس والاجتماع داخل المؤسسات التربوية من أجل الاحاطة النفسية والاجتماعية بالناشئة وبالأخص العملية الاستباقية واكتشاف الحالات التي قد تتعرض للتحرش والاغتصاب خاصة من قبل أفراد الأسرة بدرجة أولى، إضافة إلى القيام بحملات توعية من قبل المجتمع المدني، وإيلاء هذا الموضوع الدرجة القصوى من الأهمية إعلاميًا، فضلًا عن إدراج مادة علم اجتماع الجنس في المناهج والبرامج التعليمية والتربوية.

معاذ بن نصير (باحث في علم الاجتماع): يجب إيلاء موضوع التحرش بالأطفال الدرجة القصوى من الأهمية إعلاميًا مع  إدراج مادة علم اجتماع الجنس في المناهج التعليمية

من جهته، يقول الأخصائي النفسي مروان النويري، في نفس الإطار، إنّ موضوع الجنس موضوع مهم وحسّاس في كل أبعاده لذلك يتطلب وقفة جدية من كل الأطراف سواء من السلطة او مجتمع المدني قائلًا إنه على الجميع تحمل المسؤولية للوقاية من الآفات التي تهدد المجتمع.

بالنهاية وظل تعدّد القضايا المتعلّقة بالجرائم الجنسيّة على الأطفال، يجب علينا كسر قانون الصمت وتكثيف الحملات التوعويّة وإيجاد الآليات اللازمة لحماية هذه الفئة المستضعفة في المجتمع. فإذا كان هناك من سبب يجعلنا نقاتل بشكل يومي في بلد يُنخر من كل جانب، فهم بلا شكّ أطفالنا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حراس المدارس.. أمناء على التلاميذ أم مغتصبون؟!

من بينها قانون الحرارة: باحث في علم الاجتماع يكشف عن أسباب تفشي ظاهرة الاغتصاب