"دار الأقنعة".. عن إهمال موقع يروي حكايات أثرياء روما

آثار بيت أحد أثرياء روما في القرن الثالث ميلادي (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

 

نحو المتحف الأثري بسوسة داخل أسوار المدينة العتيقة، كان يصطحبني والدي في جولة في أروقة التاريخ بين اللوحات الفسيفسائية والأواني الفخارية كهديّة إثر نجاحي في كل عام دراسيّ. بين المخلوقات الخرافية الخارقة وآثار الحضارات المتعاقبة، كنت أعي حينًا بما حولي ولكن لا أرى في أغلب الأحيان إلا الوحوش الضارية، إذ تتجلّى وحوش البحر والبرّ في القطع الرخامية الملونة المتناسقة اللامعة، أغلبها يوحي بالعظمة والقوة وقليلها يشير إلى السلام و الطيبة، وبينهما تنتشر  مظاهر الجمال والإغراء.

"دار الأقنعة" أو "دار الشاعر" هي موقع أثري مُكتشف في مدينة سوسة يروي ازدهار الفنون والمسرح في بيت أحد أثرياء روما في القرن الثالث ميلادي

دوائر ومكعبات وشخوص تروي حكايات، وقصص لقوم كانوا يومًا عنوانًا لزمن تليد، وكانت تشدني في أركان المتحف لوحة فسيفسائية مربعة تتوسطها حلقة دائرية يظهر فيها سيّد يجلس على أريكة يداعب لحيته البنّية الكثة بيده اليمنى واضعًا ساقه اليمنى على ساقه اليسرى، ويقف إلى جانبه شخص وسيم متكئًا على عمود ويمسك بيده اليسرى رأسًا آدميًا. وعلى مصطبة هناك، رأس آدمي آخر وكأنه قد فصل عن جسده حديثًا. كنت أرى في هذا المشهد قساوة وكأنّ حضارة الرومان لا مكان للحياة فيها بل رؤوسًا متطايرة تلاحقها لعنة الزمن.

اقرأ/ي أيضًا: دواميس سوسة.. أسرار سراديب الموتى ورحلة البحث عن "الراعي الطيب"

وبجانب تلك اللوحة، فسيفساء أخرى تجاورها رُسم عليها ثلاثة شخوص مخيفة وكأنها رؤوس الشياطين تطاردها لعنة المعابد. وظلت هذه الصورة ترافقني لعقود من الزمن إلى حدود آخر زيارة للمتحف الأثري بسوسة في شكله الجديد وهندسته الحديثة وتوسعته بضم مساحة السجن المدني ليصبح جزءًا من الماضي و شاهدًا من شواهد الحاضر.

من اللوحات الفسيفسائية المُكتشفة في "دار الأقنعة" (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

 

وقفت من جديد أمام هذه اللوحات الفسيفسائية، فسيفساء ذات زخرفة هندسية دائرية متعددة الألوان توهم بالدوران يتوسطها مشهد مسرحي: شاعر جالس وبيده اليسرى رق، وعلى يمينه قناع شخصية درامية، وعلى يساره علبة مملوءة قراطيس ورق وممثل يتكئ على عمود و وبيده اليسرى قناع . أما ما كنت أراه رؤوسًا للشياطين، فهي ثلاثة أقنعة لشخصيات هزلية: امرأة بدينة، وعجوز كلثومي ورجل فاتح فمه، وأُضيف إلى اللوحتين مشهد من مسرحية هزلية أبطالها ثلاث شخصيات.

يقّدم المتحف الأثري بسوسة هذه اللوحة:" يظهر وسط القرص المركزي لبلاط فسيفساء من القرن الثالث للميلاد، صورة شاعر جالس على مصطبة في وضع تأمل، وعند مدخل الغرفة التي فرش بها هذا البلاط صُورت على الأرضية ثلاثة أقنعة مسرحية واحد على اليسار في شكل كوفية صفراء ترمز إلى الطمع والجشع، وواحد في الوسط يوحي بشيخ غاضب ومخصص لدور الأب، وثالث يحمل شريطًا أحمر مخصصًا لدور الخادم المتآمر وصاحب الدسائس. وأخيرًا، إن اللوحة الوحيدة المعروفة بـ"أفريكا" التي تصور مشهدًا مسرحيًا هي التي نرى بوسطها سيدًا شابًا في حالة غضب، وهو يهدد عبده القصير القامة بينما يضع هذا الأخير واضعًا يده على خاصرته مستجديًا صاحبه برفع يده اليمنى، في حين يقف من جهة الشمال شخص يحمل القناع الأحمر وهو يحاول تهدئة سيده ماسكا إياه من ذراعه".

تروي الفسيفساء الشهيرة مشهدًا مسرحيًا (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

 

ما زلت أقف أمام هذه "الأقنعة" وقد عالجت الوعي الكامن في شخصي من كون هذه اللوحات شخوصًا شيطانية إلى الإيمان بأنها تمثل مشاهد مسرحية ودربًا من الفنون ومحاكاة الواقع ، بل هو أدب وفن بدا أهل حضر موت مائلين إليه.  وتشهد هذه المجموعة الثرية من الفسيفساء على رفعة الذوق وخصوبة الخيال اللذين ميزا القرنين الثاني والثالث للميلاد في كامل أنحاء الامبراطورية الرومانية.

تاريخ اكتشاف "دار الأقنعة"

تعود اللوحات الفنية إلى القرن الثالث ميلادي وجلّها اكتشفت سنة 1962 بموقع أثري جنوب مدينة سوسة العتيقة بمكان يُعرف بـ"دار الشاعر" أو "دار الأقنعة"، كان بيتًا لثريّ من أثرياء روما يقع اليوم وراء المقبرة الإسلامية بسويس حذو إحدى رياض الأطفال بالجهة.

اقرأ/ي أيضًا: عن أشهر لوحة فسيفساء تونسية.. "فرجليوس" الذي لا ترى وجهه إلاّ في تونس

اكتشف دار الأقنعة عالم الآثار الفرنسي لوي فوشيي (louis fouchier) بين 1962 و1963، ليُكشف عن لوحات وزخارف فسيفسائية في هذا البيت فريدة من نوعها شكلًا وقصة، تغطي القاعات والساحات، ويعود تاريخ إنشائها إلى القرن الثالث للميلاد. هي دار على ملك أثرياء أرستقراطيين يبدعون في إنشاء دور ومنازل نموذجية في إفريقيا الرومانية نجد مثيلًا لها في تيسدروس الجم، وتابسوس البقالطة، وتتفرد هندسيًا بمرافقها، وجماليًا بحدائقها، وزينة بأرضيّتها، وبهاءً بمعابدها. ونشر فوشيي أبحاثه سنة 1965 بعنوان "دار الأقنعة بسوسة" تحت إشراف معهد الآثار وقتها.

ولابد في معرض الحديث عن منازل الأثرياء من الإشارة إلى أن من أول المنازل التي اكتشفتها الحفريات بحضر موت القديمة، منزل فائق الفخامة كتعبير على نزوع الإفريقيين إلى تمثيل واقعهم اليومي، وكان هذا البيت الحضري على ملك أحد الأثرياء يدعى سوروثوس (sorothus) حيث اُكتشفت لوحة "فرجيل" الشهيرة التي تعدّ أشهر لوحة فسيفساء في تونس.

أسرار بيت روماني أرستقراطي

خالد عيسى، رئيس جمعية البحوث والدراسات في ذاكرة سوسة، الذي قادنا إلى الموقع الأثري "دار الأقنعة" أو ما يطلق عليه أيضًا "دار الشاعر"، أكد أن هذا الموقع يعتبر "أيقونة المواقع المُكتشفة بما زُود به من رسوم فسيفسائية كشفت عن جانب من الآداب والفنون في العمارة والهندسة والمسرح، وكشفت أيضًا عن واقع العائلات الميسورة في القرن الثالث الميلادي.

مراسل "ألترا تونس" في زيارة الموقع الأثري "دار الأقنعة" بسوسة

 

وعن هندسة الدار، أفاد محدثنا أن هندسة المنزل الروماني خلال القرن الثالث ميلادي تتوسطه حديقة ومدرج من الجهة الجنوبية الشرقية يفترض أن يؤدي إلى طابق علوي يليها رواق خارجي مغطى تتخلله أعمدة، ويحيط بالمنزل من الجهة الجنوبية رواق عرضه ثلاثة أمتار يؤدي إلى الغرف المحيطة حسب تشخيص لمكتشفها لوي فوشييه.

و ركّز عيسى على موقع هذه الدار معتبرًا أن "جمالية المكان وبهائه متصل بما يمكن أن يتزوّد به من مياه" مشيرًا إلى أن الدار توجد في منخفض على مشارف وادي ومنبع للمياه السطحية، ولذلك نجد آثار الحدائق من حول إحدى عشرة حجرة مكتشفة وكذلك أروقة تتوسط الحديقة إضافة إلى النافورة التي تميّز البيت الروماني الأرستقراطي في تلك الفترة.

موقع مهمل.. معهد التراث الوطني على الخطّ

لم تكن زيارتنا للموقع الأقري لتنبئنا بخبر جيّد عن الموقع الذي ذهب ببهائه الزمن وفعل البشر، فاهترأت الأسوار الواقيّة واقتلعت العديد من بقايا الفسيفساء واللوحات الأرضية في الممرّات، وانتشرت الفضلات وآثار الاستغلال السيء للمكان. كما انتشرت الحشائش والقصب وارتفع علوّها نظرًا لقربها من المائدة المائية.

المحافظ الجهوي بالمعهد الوطني للتراث رياض بن سعيد، في حديثه لـ"ألترا تونس"، أكد أن المعهد يقوم بعملية تنظيف المكان وصيانته بصفة دورية "رغم محدوديّة الإمكانيات"، مشيرًا لإمكانية إمضاء اتفاقية مع المندوبية الجهوية للفلاحة للتوصل إلى طريقة لمنع تسرب الحشائش التي ذهبت بالأرضيات الفسيفسائية وأثرت على ملامح المكان عبر الزمن.

تسرّبت الحشائش على الأرضيات الفسيفسائية في الموقع الأثري (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

 

من جانبه، أكد المدير العام للمعهد الوطني للتراث فوزي محفوظ، في تصريح لنا حول المواقع الأثرية والتراثية، أن التصرف في التراث يتم عبر هياكل عدة منها المعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث والتنمية، ومشيرًا إلى الاختلاف بين المؤسسات بخصوص وضعيتها الإدارية، ما ينتج عنه اختلافًا في كيفية التعاطي مع الشأن التراثي، وفق تأكيده.

وأشار، في هذا الجانب، إلى أن وكالة إحياء التراث تستغل أكثر من 50 متحفًا وموقعًا فيما يواجه معهد التراث مشاكل عدة باعتبار الحديث عن وجود 30 ألف موقع أثري في تونس منها 1200 مصنفة كمواقع كبرى، ولكن يبلغ، وفق تأكيده، عدد المواقع المسجلة والمرتبة حوالي 750 موقعًا، مشددًا على ضعف الإمكانيات منذ الاستقلال إلى اليوم.

فوزي محفوظ (مدير معهد التراث): لا بدّ أن يصبح التراث من أولويات الدولة وأن يتحوّل إلى سياسة وطنية

ودعا مدير معهد التراث لتحويل التراث إلى سياسة وطنية عبر عناية مختلف مؤسسات الدولة، وأن يكون من أولويات الدولة الوطنية، وإلا ستبقى ميزانية التراث محدودة وما يترتب عنها من نتائج. وأضاف في هذا الجانب: "لابد من سياسة وطنية ومراجعة الهيكليات والميزانيات والمنقولات والعقارات، وأن يكون التراث سياسة مواطن وسياسة دولة. لابد من قفزة نوعية ومراجعة مجلة التراث ومجلة الجماعات المحلية فيما يخص الفصول المتعلقة بالتراث".

يذكر أن العجز المسجّل في الموارد البشرية للمعهد الوطني للتراث أدى إلى عدم العناية بعدة مواقع أثرية. وحسب دراسة منشورة حديثًا خلال ندوة علمية بالمتحف الأثري بسوسة، يضمّ المعهد أكثر من 1980 عونًا غير أن نسبة التأطير ضعيفة إذ يضم 50 باحثًا و20 مهندسًا و400 محافظًا، كما يشكو من سوء توزيع على مستوى الجمهورية، ويبلغ عدد الحراس 500 حارسًا أي بنسبة نقص تبلغ 40 في المائة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

معالم المذهب الإباضي في جربة.. من فرادة المشهد المعماري إلى فضاء العيش المشترك

قصور الجنوب التونسي.. هل تخرجها قائمة التراث العالمي من التهميش؟