معالم المذهب الإباضي في جربة.. من فرادة المشهد المعماري إلى فضاء العيش المشترك

معالم المذهب الإباضي في جربة.. من فرادة المشهد المعماري إلى فضاء العيش المشترك

جامع الماي من مساجد الإباضية في جزيرة جربة (دي أوغستيني/Getty)

 

جزيرة جربة هي محطّة تاريخيّة للوافدين والمستكشفين من مختلف الثقافات والأديان والأعراق، ودفعنا الفضول إلى البحث عن أهم مميزاتها: التنوّع الثقافي الديني والطابع المعماري، ولذلك بحثنا، بالخصوص، في أصول نشأة المذهب الإباضي وملامحه المعماريّة باعتباره أحد المكوّنات الثقافيّة والدينية في الجزيرة الواقعة جنوبي تونس.

جزيرة جربة هي محطّة تاريخيّة للوافدين والمستكشفين من مختلف الثقافات والأديان والأعراق أصول نشأة المذهب الإباضي وملامحه المعماريّة باعتباره أحد المكوّنات الثقافيّة والدينية في الجزيرة الواقعة جنوبي تونس

تعريفًا للإباضية، يقول زهير تغلات، الباحث في الأدب واللغة العربية والإباضيّة ومدير المركز الثقافي المتوسطي بجربة أن: "الفرقة الإباضيّة الوهبيّة تعتبر نفسها الجذع والأصل في المغرب الإسلامي والمشرق، في مقابل الخوارج والنّكار وجميع الحركات التي خالفت خطّ المذهب عبر التّاريخ".

ويضيف، في حديثه لـ"ألترا تونس"، أن تسميّة "أهل الدّعوة " كانت الأكثر رواجًا عند الإباضيّة، ثمّ أضيفت إلى هذه التسميّات في الفترات اللاّحقة تسميّات أخرى كـ"أهل الاستقامة" و"أهل الحقّ"، ويذهب إلى أنّ "الوهبيّة مغربًا ومشرقًا مجتمعون أنّ السّخط (البراءة) والرّضا (الولاية) فعلان إلاّ من خالف إجماعهم، كما أجمعوا على خلق القرآن إلاّ من خالف إجماعهم". ويوضح تغلات أنّه يوجد اختلاف في أصل التّسمية أهي تنسب إلى الإمام عبد الوهّاب بن عبد الرّحمان الرّستمي (توفّي 208هـ) أم إلى الإمام عبد الله بن وهب الرّاسبي (توفّي 38هـ).

اقرأ/ي أيضًا: متحف قلالة.. نافذة على الحياة في جربة

ما تقوله الروايات عن ظهور الإباضيّة؟

تنهل الرّواية الإباضيّة في مسألة دخول المذهب الإباضي إلى بلاد المغرب، بما في ذلك جزيرة جربة، من كتاب "السيّرة وأخبار الأئمة" لأبي زكريا يحي بن أبي بكر الذي أخذت عنه بقيّة كتب السّير الإباضيّة، وفق ما أعلمنا به الباحث زهير تغلات.

وقال ان مصدر هذه الرّواية واحد، وهو الإمام أفلح بن عبد الوهّاب بن عبد الرّحمان بن رستم نقلها عن جدّه وفيها يقول: "أوّل من جاء يطلب مذهب الإباضيّة ونحن بقيروان إفريقيّة سلمة بن سعد قدم من أرض البصرة ومعه عكرمة مولى ابن عبّاس وهما راكبان على بعير واحد حملا عليه زادهما سلمة يدعو إلى الإباضيّة وعكرمة يدعو إلى الصفريّة".

جامع إباضي يعكس الخصوصيات المعمارية للجوامع المشيدة من أصحاب هذا المذهب في جربة (Getty)

ويذهب الباحث في الإباضية فرحات الجعبيري1 إلى أنّ مطاردة الأمويين للإباضيّة بالمشرق واضطهاد أمراء بني أميّة للبربر بالمغرب كانت من أبرز العوامل التي أسهمت في دخول الإباضيّة إلى المغرب، ويرجّح أيضًا أنّ الدّاعية سلمة بن سعد هو من بدأ بنشر الدّعوة الإباضيّة قبل مجيء حملة العلم الخمسة. 

ولكن الباحثة لطيفة البكّاي تظهر بعض الاحتراز في قبول الرّواية الإباضيّة، فهي تذهب إلى أنّ "الفكر الخارجيّ" قد تسرّب إلى بلاد المغرب مع الفتح وقد شاركت فيه عناصر عديدة، وتواصل هذا التسرّب مع تدفّق المسلمين على هذا الإقليم ولذلك يصعب الحديث في البداية عن دعاة وعن دعوة منظّمة صفريّة كانت أم إباضيّة2.

تنهل الرّواية الإباضيّة في مسألة دخول المذهب الإباضي إلى بلاد المغرب، بما في ذلك جزيرة جربة، من كتاب" السيّرة وأخبار الأئمة" لأبي زكريا يحي بن أبي بكر الذي أخذت عنه بقيّة كتب السّير الإباضيّة

 وتنتهي الباحثة إلى فكرة مفادها أنّ إقبال البربر على مبادئ الخوارج وتبنّيهم لها هو الذي جعل زعماء التيّار الإباضيّ، باعتباره التيّار الوحيد المنظّم، يهتمّون بالإقليم ويقحمونه في مخطّطاتهم الرّامية إلى تكوين نواتات للثّورة في الأقاليم البعيدة تقضي على الحكم الأموي وتقيم على أنقاضه إمارات إباضيّة وهو ما يتحقّق بعد منتصف القرن الثّاني هجري.

وبالنسبة لجربة تحديدًا، يذهب الشّيخ سالم بن يعقوب3 أنّ تاريخ وجود الفرق الإباضيّة بجزيرة جربة يرجع إلى أوّل القرن الثاني للهجرة/الثامن ميلادي، حينما اعتنق السّكان الأصليون المبادئ الإباضيّة التي جاء بها الدّاعية سلمة بن سعد، ولمّا سقطت الدّولة الرستميّة سنة 296هـجري تدعّم هذا التّواجد بعد فرار المغلوبين والتجائهم إلى جزيرة جربة لمناعتها بالبحر، فأضحى الإباضيّة يمثّلون ثقلًا سكّانيًا. ونقل الشّماخي أخبارًا تتّصل بالمجهود الدّعوي الذي قام به أبو مسور يسجا بن يوجين اليراسني في أواخر القرن الثّالث الهجريّ لنشر المذهب الإباضي قائلًا: "اهتدت أكثر وهبيّة جربة على يديه". 

في ملامح المشهد المعماري بالجزيرة

تعكس الثقافة الإباضية ونمط العيش القائم على التضامن والاستقلال في آن واحد، إذ أنّ المجال يجمع مساكنًا في وحدات ترابية متفرّقة وهي خاصية تجمع بين البعدين الريفي والحضري. وتمثّل "الحومة" قاعدة الطابع المعماري الأساسيّة وتضمّ مجموعة من العائلات التّي عادة ما تربط بينها صلة قرابة (أي من نفس العرش) أو جوار، ويعيش سكان جربة في "مداشر" متفرقة تسمى المنازل، لكلّ عائلة ملكيّة أرضية بها منزل.

فـ"المنزل" هو من الداخل وحدة عائلية مستقلة مكتملة العناصر محاط بستار رمليّ مزروع في أعلاه بالتين الشوكي أو نبتة الصبّار ويسمى هذا الستار "الطابية". ويتوسط المنزل مكون أساسي هو "الحوش" تتوزع حوله مرافق اجتماعيّة واقتصاديّة ترنو إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي العائلي وهي: مخزن الضيافة، البئر، الجابية، السّواقي، البيدر، مخازن المؤونة، اسطبلات الحيوانات.

جامع قلالة في جربة من المعالم التاريخية للمذهب الإباضي في جربة (مصدر: جمعية صيانة جربة)

ويذهب الباحث في الإباضية زهير تغلات، في حديثه لـ"ألترا تونس"، إلى أنّ "الحومة" هي المجال الأوسع في قلبها توجد منشآت اجتماعيّة أساسيّة أهمها: المسجد، والمقبرة، والمعصرة، ودكاكين النسيج والحوانيت. وهذا التوزيع المجالي مهيكل بطريقة هرميّة تمثلها خاصة المسالك التي تنمّط إلى مسالك رئيسيّة تربط بين المنازل داخل الحومة الواحدة وتسمّى هذه المسالك "جادّة".

وحسب العمل الإحصائي التّوصيفي الذي قام به الباحث في علم الآثار رياض المرابط تحت عنوان مدوّنة مساجد جربة، يتوزع 254 مسجدًا على كامل الجزيرة ولكن إذا ربطنا تنظيم هذا المجال بالمبادئ الأساسيّة التي تطبع نمط حياة الجربيين فإنّ هذا العدد ليس مفاجئًا ذلك أنّ تشكّل الكيان الجماعيّ يستند أساسًا وفي أصله على البعد الدّينيّ.

زهير تغلات (باحث في الإباضية): الجوامع الاباضيّة لها وظائفها التاريخية على حسب أصل تشكّلها ووتوزيعها المجالي وتنظّن البنى الشكليّة لمساجد جربه الفضاء من الأعلى إلى الأسفل وانطلاقًا من اليمين إلى اليسار

اقرأ/ي أيضًا: تجارة المخطوطات العبرية.. تاريخ يهود تونس المهرّب

وفي نفس السياق، يرى زهير تغلات أنّ الجوامع الاباضيّة لها وظائفها التاريخية على حسب أصل تشكّلها ووتوزيعها المجالي، مضيفًا أن البنى الشكليّة لمساجد جربه تنظّم الفضاء من الأعلى إلى الأسفل وانطلاقًا من اليمين إلى اليسار، ومن هذا العلوّ المندمج مع التجريديّة الرّوحانيّة، فإنّ الإشارة والهيئة تتصل بالماديّ السّفلي.

ويفسر أن الجامع/المسجد الموجود على مقربة من الأماكن التي يتردّد عليها النّاس المشغولة بنشاطها الفلاحي والحرفي وقرب المنازل وفي المناطق السّاحليّة لا يحتوي على صومعة، ويوجد في مكان مفتوح ويحتوي على مساحة مبلّطة لتجميع مياه الأمطار الصّالحة للشّرب، وتكون قاعة الصّلاة فيه متواضعة وصغيرة مخصّصة لعدد محدود من المصلّين.

ويضيف، في المقابل، أن الجوامع على مستوى "الحومة" هي نواة الشبكة المشكّلة لفضائها، وهو يشدّ أزر نظام الجماعة وتتّسع وظيفته الثقافيّة إلى صلاة الجماعة يوم الجمعة والمناسبات الدينيّة وهو بذلك مكان الاجتماع تناقش داخله مشاكل الجماعة في الحومة وتصاغ القرارات. ويبيّن أن أطفال الحيّ يجدون في هذه المساجد مكانًا للنّشاط والحياة الدّينيّة ويتعلّمون القرآن وكتابته، وهي قادرة حسب موقعها على ضمان حماية السّكان بوضعهم في مكان محصّن عندما يتهدّدهم خطر داهم، وفق ما عرضه علينا الباحث في الإباضية.

جامع بن يعلى في حيّ الرياض في جربة (Getty)

في جانب متصل، يبيّن أن الإباضيّين يتمركزون بكامل حوم جربة تقريباً وخاصّة بالجهة الغربية التي تعرف بالمنطقة الإباضية الوهبيّة، أمّا بالنّسبة لمورفولوجيا أتباع المذهب الإباضي، وعلى الرّغم من صعوبة تحديدهم بسبب تشتّت العائلات الإباضيّة حسب الحوم وأحيانًا في داخل الحومة نفسها يتكثف وجودهم بالحوم وخاصة بمنتطف صدغيان، ووالغ، ومزراية، وغيزن وقشعيين. لكن تقل هذه الجماعات بالتجمعات السكانية التي تحولت إلى ما يشبه المدن بسبب زحف منطقة التهيئة العمرانيّة على حومتي تاوريت و بوملال المتاخمتين لحومة السّوق.

كا يغلب الوجود الإباضي في معتمديّة "جربة آجيم" حسب دراسة أعدّها الباحث المنصف بربو عنوانها "أصول السّكّان بجزيرة جربة في الفترة الوسيطة"، ذهب فيها إلى أنّ قرية آجيم تسمّى "حومة الجبالية" نسبة إلى جبل نفوسة، وتغلب عليها عائلات نفوسيّة أو ميزابيّة مثل "النفوسي" (نفوسة) و"الجبالي" (جبال نفوسة) و"المصعبي" (من بني مصعب في ميزاب) و"الميزابي".

ويرجّح زهير تغلات أنّ غلبة الوجود الإباضي بقرية آجيم لا يُفسّر بهيمنة هذه العائلات فحسب، وإنّما يعود إلى عامل آخر وهو بقاء هذه القرية بمنآى عن التأثيرات السّياحيّة، ذلك أنّ "التّعمير السّياحي" لم يمسّها، وهي على طول ساحل الجزيرة الغربيّ وفي جهة قلالة ما يجعل معتمديّة آجيم تحتفظ بمحصّلة سلبيّة مقارنة بمعتمديّة حومة السّوق ومعتمديّة ميدون، وفق قوله.

 عدد الإباضيّة بجربة قد أخذ في التّراجع إثر الطفرة السّياحيّة التي شهدتها الجزيرة منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين بسبب تزايد عدد الوافدين الجدد الذي أتوا لسدّ حاجات القطاع السّياحي لليد العاملة

كما يرى الباحث أيضًا أنّ عدد الإباضيّة بجربة قد أخذ في التّراجع إثر الطفرة السّياحيّة التي شهدتها الجزيرة منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين بسبب تزايد عدد الوافدين الجدد الذي أتوا لسدّ حاجات القطاع السّياحي لليد العاملة، وهم في الغالب من غير المنتمين للإباضيّة، وذلك فضلًا عن تراجع المجال الإباضي واختلاله نتيجة الزّحف العمراني وتوسّع أمثلة التهيئة العمرانيّة.

وفي محاولة لمقاومة الضّعف والانحلال المذهبي، سعى الإباضيّة بعد الثّورة التونسيّة إلى الاستفادة من مناخ الحرّية، فعاضدوا نشاطاتهم المسجديّة بالولوج إلى المجال الجمعياتي والفعل من خلاله. ومن جهة أخرى، قادهم وعيهم بأنّهم أقلّية دينيّة تروم الحفاظ على وجودها إلى المساهمة في الاستقرار والتّعايش مع المختلفين عنهم مذهبيّا ودينيّا في جزيرة جربة.

وبذلك شكّلت جزيرة جربة ضربًا من المجتمع الفسيفسائي المتسامح في تنوّعه الدّيني والعرقي والمذهبي، فلا شكّ أنّ الفرادة لا بدّ منها للحديث عن مزيج من العناصر الاجتماعيّة المتفاعلة والمتسامحة، ومثّلت جميعها عناصر ثراء ساعدت بشكل كبير على جعل المجتمع في جربة منفتّحًا على العالم الخارجي.

المكتبة البارونية.. كنز المعرفة في جربة

وتعتبر المكتبة البارونيّة كنزًا معرفيًا بما تضمّه من مخطوطات نادرة ومراجع تاريخية للمذهب الإباضي، وهي تقع قرب "الجامع الكبير"، مدرسة علمية، بمنطقة حشّان في جربة، ويزورها سنويًا عشرات الوفود من الجامعيين والدارسين والباحثين من مختلف دول العالم ومن المستشرقين.

وعن هذه المكتبة، يخبرنا موقعها الإلكتروني أن مؤسسها هو الشيخ سعيد بن عيسى الباروني المولود في أول القرن 13 هجري في قرية جريجن بجبل نفوسة من القطر الليبي، وقد انتقل إلى مصر ليدرس بجامع الأزهر، وكان حريصًا على جمع الكتب ونسخها، وبرع في العلوم النقلية والعقلية. ثم قضّى الشيخ بمصر مدة تناهز عشرين عامًا فدرس بالمدرسة الإباضية الموجودة بالقاهرة علوم الشريعة، وتتلمذ عليه الطلبة الوافدون على القاهرة من جربة وميزاب وجبل نفوسة وسلطنة عمان، ولما رجع إلى مسقط رأسه بجبل نفوسة باشر التعليم.

تعتبر المكتبة البارونيّة كنزًا معرفيًا بما تضمّه من مخطوطات نادرة ومراجع تاريخية للمذهب الإباضي وهي توجد بمنطقة حشّان في جربة

ودُعي الشيخ الباروني دُعي أثناء ذلك إلى زيارة جربة، وإثر حلوله بها قصد مدرسة جامع أبى مسور اليهراسني بالحشان فتلقاه أهلها بالترحاب، وأكرموا وفادته، وألقى بها دروسًا لقيت إقبالًا عظيمًا، فطلب منه المشرف على المدرسة المسورية بالجامع الشيخ صالح بن محمد أبى مسور أن يقيم بالجزيرة ويتولى التدريس فيها بانتظام، بعد أن تعطلت المدرسة بوفاة مدرسها الشيخ سليمان الشماخي.

اقرأ/ي أيضًا: دواميس سوسة.. أسرار سراديب الموتى ورحلة البحث عن "الراعي الطيب"

وقد استجاب الشيخ سعيد لهذا الطلب واستقر منذ ذلك الحين بجربة وطاب له العيش فيها، فاتخذها وطنًا ثانيًا، وكان ذلك سنة 1811 وفق ما نطالعه في موقع المكتبة، مضيفًا أنه أقبل على حلقته طلاب العلم من نواحي الجزيرة، ومن جبل نفوسة. ولمكانته العلمية، كان أعيان جربة يزورونه في بيته، ويحضرون مجالسه العلمية و يناظرونه. وكان الشيخ سعيد قد جلب معه من مصر مجموعة كبيرة من المخطوطات، اشترى بعضها ونسخ البعض الآخر بخطه الجميل، كتبها بوكالة الجاموس بالقاهرة فكانت هذه المجموعة النواة الأولى في تكوين المكتبة البارونية التي ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر.

ثم ضم إلى المكتبة كتبه التي جلبها من جبل نفوسة، ونماها بعد ذلك بشراء مكتبة قريبه الشيخ موسى بن علي الباروني النفوسي. وقد حافظ على هذه المكتبة أبناؤه من بعده، خاصة منهم الشيخ علي بن سعيد بن عيسى الباروني، و واصل الأحفاد رعايتها و إثرائها بالكتب. ثم عني من بعده بهذا الرصيد الشيخ امحمد بن يوسف خريج جامع الزيتونة والمدرّس بالمدارس الابتدائية بالجزيرة، ثم ابنه يوسف الذي بنى المقر الحالي للمكتبة سنة 1966، وزودها بكتب متنوعة في شتى العلوم، أما المقرّ الجديد للمكتبة فتم تدشينه سنة 2013 بشارع الحبيب بورقيبة بحومة السوق.

من يحمي الموروث المعماري والثقافي من الإهمال والنسيان؟

حفاظًا على الموروث الإباضي من التشتت والضياع، تعمل جمعية "صيانة جزيرة جربة" بالشراكة مع المعهد الوطني للتراث وبالتعاون مع بلديات حومة السوق وميدون وأجيم على صيانة وتهيئة الجوامع الإباضية. ويقول نائب رئيس الجمعية مهدي اللّواتي، في حديثه لـ"ألترا تونس"، أنّ الجمعية تواصل العمل منذ سنة 1982 إلى اليوم على هذا الهدف، مبينًا صيانة أكثر من 20 معلمًا إباضيًا فريدًا مثل "جامع تغرغرت"، و"جامع فضلون"، و"جامع الوطى"، و"جامع قلّالة" و"جامع الباصي".

جامع الوطى من معالم الإباضية في جزيرة جربة (مصدر: جمعية صيانة جربة)

وأضاف محدثنا أن الجمعية تهتم بالحفاظ على أشكال وخصائص التنوّع الأصلي والسعي إلى تحفيز المجتمع المدني والمسؤولين لاتخاذ جميع الإجراءات التي قد تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في الإدارة الرشيدة والمتناسقة لإقليم جزيرة جربة وبيئتها ونظمها الإيكولوجية وساحلها وسكانها وحيواناتها ونباتاتها وتراثها المعماري والأثري وتقاليد أجدادها ودفع صناع القرار والجهات الفاعلة المؤسسية لجعلها مفيدة.

التنوع والتسامح بين أبناء الجزيرة 

ويقول الواعظ الدّيني منتصر بوعجيلة4 بمكتب جربة حومة السّوق للشؤون الدّينيّ، وهي المنطقة الغربيّة من جزيرة جربة، "إنّ خطاب وزارة الشّؤون الدّينيّة الرّسمي ينصّ بلا منازع على أنّ الإسلام هو مظلّة كلّ المذاهب وأنّ الخصوصيّة المذهبيّة وإن كانت تفرض نفسها فلا بدّ أن لا تتجاوز الحدود بل يجب أن تستثمر خاصّة في إثراء المسائل الاجتهاديّة".

منتصر بوعجيلة (واعظ ديني): وزارة الشّؤون الدّينيّة تنظر إلى منظوريها كمواطنين يختلفون في الرأي ولا تعاملهم كممثّلين للمذاهب

ويرى في الآن نفسه "أن التنوّع المذهبي بجربة إثراء للمشهد الدّيني وهو اختلاف بنّاء"، بيد أنّه يؤكّد أكثر من مرّة على أنّ "وزارة الشّؤون الدّينيّة تنظر إلى منظوريها كمواطنين يختلفون في الرأي ولا تعاملهم كممثّلين للمذاهب"، ولكنها في الآن نفسه تسعى إلى الحفاظ على الموروث المعماري الإباضي لأنه يمثل فرادة في تونس كلها وتحرص على صيانته بالتنسيق مع البلديات والمعهد الوطني للتراث.

ويختم الباحث زهير تغلات، حديثه لـ"ألترا تونس" بأنّ الإباضيّين المعاصرين تقلقهم مسألة المذهب الرّسمي وأن يحتكر غيرهم من المذاهب "مقولة السّنة" أو رميهم بتهمة "الخوارج". فيما أكّد الشّيخ ساسي بن يحياتن5، وهو من أبرز المراجع الإباضيّة بجزيرة جربة، أنّ موقف الإباضيّة اليوم يستند إلى الشّعار الشّهير الذي رفعه العلاّمة الإباضي علي يحي معمّر "المعرفة والتّعارف والاعتراف"، وأصبح هذا الشّعار، في رأيه، رمز الوحدة الإسلاميّة عند الإباضيّة وقاعدة وأساسًا لما ينبغي أن يكون عليه التّعامل بين المذاهب المختلفة بل والتعايش بين الأديان المختلفة في جزيرة جربة.

 

المراجع:

1- فرحات الجعبيري، الإباضيّة والحالة الدّينيّة بتونس، حوار، جوان 2015.

2- لطيفة البكاي، انتقال الفكر الخارجي إلى بلاد المغر ، حركيّة الإنسان والأفكار عبر المتوسّط : أعمال ندوة من 9 إلى 11 مارس 1999 بكلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة، مؤلف جماعي، إشراف عبد اللطيف المرابط ، صفاقس، دار محمّد علي للنّشر، 2003 (ص.ص 5-13).

3- علي البوجديدي ،الشّيخ سالم بن يعقوب: حياة رجل وتجربة جيل، مجلّة الحياة عدد 17، مؤلف جماعي، تحرير محمّد بن موسى بابا عمّي  معهد الحياة وجمعيّة التّراث بالقرارة، أوت 2013 ، (ص.ص 249-273) .

4- زهير تغلات، دراسة الإباضية و الإباضيون بتونس، تقرير الحالة الدينية بتونس، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، المجلد الثالث، 2018.

5- المرجع السابق.

 

اقرأ/ي أيضًا:

آثار تونس.. معالم تختزل التاريخ وتعاني التهميش

الإرث الأمازيغي في نابل.. عن الفخار وسرّ قوة "النابلية"