حوار| منجي بورقو: ننتظر دعمًا سياسيًا لتصنيف جربة تراثًا إنسانيًا

حوار| منجي بورقو: ننتظر دعمًا سياسيًا لتصنيف جربة تراثًا إنسانيًا

رئيس اللجنة العلمية لملف إدراج جزيرة جربة ضمن التراث العالمي

 

يعدّ موقع "دقّة" الأثري آخر موقع تونسي أدرجته منظّمة "اليونسكو" سنة 1997  ضمن لائحتها الرّسمية للتراث الإنساني، ليصل بذلك العدد الجملي للمواقع التونسية المصنّفة تراثًا إنسانيًا إلى ثمانية مواقع موزّعة بين التراث الثقافي والتراث الطبيعي. ومنذ ذلك التاريخ ولأسباب غير معلومة، لم تسع تونس إلى طلب تصنيف تراثها المادي واللامادي ضمن لوائح التراث العالمي لليونسكو.

لكن ومنذ السنوات الأولى للثورة وما أحدثته من تغيرات سياسية وثقافية عميقة طرأت على المجتمع، تقدّمت تونس سنة 2015 بقائمة جديدة من أجل إدراجها ضمن اللاّئحة الإرشادية لليونسكو وتضمّ عشرة مواقع نذكر منها الأضرحة الملكيّة النوميدية، وشبكة قنوات مياه زغوان (الحنايا)، والموقع الأثري شمتو، وشطّ الجريد، ومدينة صفاقس، ومائدة يوغرطة وجزيرة جربة. ولكن هذا الإدراج لا يعني قبولًا نهائيًا بل هي اقتراحات وإبداء نوايا في تصنيف المعالم وبداية التواصل مع الجهات العلمية بالمنظمة الثقافية الأمميّة.

منجي بورقو هو رئيس اللجنة العلمية لملف إدراج جزيرة جربة ضمن التراث العالمي وهو جامعي وعضو في "بيت الحكمة" ومدير عام المركز الوطني للنشر الجامعي

ومن جملة المقترحات الجديدة، اختارت تونس منذ سنة 2017 الاشتغال على ثلاثة ملفّات وهي شط الجريد، ومائدة يوغرطة وجزيرة جربة بالسعي إلى إدراجهم ضمن اللاّئحة الرسمية للتراث الإنساني، لكن ولأسباب فنية وعلمية وأخرى سياسية تم التخلي عن ملفي المائدة والشطّ  والدّفع مع ملفّ الجزيرة الذي عرف الى حدّ اليوم عدة مسارات ومراحل خلصت إلى استيفائه لكل الشروط الفنية والعلمية ومن ثمّة إيداعه وقبوله رسميًا يوم 30 جانفي/كانون الثاني 2020 في انتظار التصويت النهائي من طرف خبراء اليونسكو وعلمائها.

اقرأ/ي أيضًا: معالم المذهب الإباضي في جربة.. من فرادة المشهد المعماري إلى فضاء العيش المشترك

ولمزيد فهم مسارات ملفّ جزيرة جربة نحو تصنيفها كتراث إنساني، والصعوبات التي حدثت وربّما ستحدث قبل التصويت النهائي، والوقوف على الفوائد الرمزية والماديّة التي ستجنيها تونس من هذا الحدث الهام، التقى "الترا تونس" رئيس اللجنة العلمية لملفّ إدراج جزيرة جربة ضمن التراث العالمي منجي بورقو.

وبورقو هو جامعي وخبير في الجيومورفولوجيا، يدرّس بالجامعة التونسية وهو عضو دائم بأكاديمية المجمّع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة". وهو منخرط أيضًا في حركة النشر منذ ثلاثة عقود فقد أصدر إلى حد الآن 13 كتابًا، ويكتب في مجلات علمية محكّمة داخل تونس وخارجها. كما  ترأّس إدارة تحرير المجلّة الجغرافية التونسية من 2006 إلى 2010. وهوحاليًا مدير عام المركز الوطني للنشر الجامعي التابع لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

 

  • فكرة إدراج جزيرة جربة ضمن لائحة اليونسكو للتراث العالمي ليست بالجديدة بل هي سابقة لتصنيف موقع دقّة الأثري سنة 1997. ما الذي حدث في الأثناء؟

إلى حدود التسعينيات، كانت مسألة تصنيف تراث الشعوب لدى اليونسكو لا تشوبها تعقيدات والمسارات التي نعرفها اليوم، ولا تتقاطع بشكل مكشوف مع السياسة. فكان أن بادرت جمعية "صيانة مدينة جربة" سنة 1994 بمراسلة منظّمة اليونسكو في الغرض، وكان الطلب حينها هو تصنيف كامل الجزيرة بمختلف مكوناتها الثقافية ونسيجها المعماري المتنوّع، لكن هذه المبادرة أُعتبرت عزفًا جربيًا منفردًا، وقوبلت ببرود من قبل وزارة الثقافة وخصوصًا رئاسة الجمهورية.

منجي بورقو: حزب نداء تونس حاول الركوب على حدث تصنيف التراث التونسي عام 2017

وتناهى إلى مسامعنا حينها أن جربة وضعها استثنائي ولا داعي إلى هذه الضوضاء، فقبر الملّف، لكن الفكرة ظلّت ناصعة في أذهان أهل جربة والتونسيين عمومًا. ومع الأشهر الأولى للثورة وتحديدًا سنة 2012، عادت جربة للواجهة من جديد خاصة عندما أدرجت وزارة الشؤون الثقافية 12 معلمًا من معالمها ضمن التراث الوطني والذي ضمّ بالأساس مجموعة من الجوامع والمركز القديم لحومة السّوق.

  • علمنا أن تونس كانت تعدّ سنة 2017 لترشيح ثلاثة مواقع من أجل تصنيفها تراثًا إنسانيًا وهي: جزيرة جربة وشط الجريد ومائدة يوغرطة، لكن يبدو أنّ ملفّ جربة كان الأكثر حظّا أمام الملفّين الآخرين. فهل فعلًا تمّت إزاحة شط الجريد ومائدة يوغرطة قصدًا؟

ما حدث فعلًا هو أن حزب نداء تونس الذي كان في الحكم سنة 2017، وكان يعيش أزمة حادة داخله، فأراد استثمار فكرة ترشّح المواقع الثلاثة لصالحه عبر القيام بأنشطة دعائية تفوح منها رائحة السياسة والحال أن ملفي شط الجريد ومائدة يوغرطة لم يكونا جاهزين فنيًا رغم الأهمية التاريخية والجمالية البالغة للموقعين الطبيعيين. ولكن واصل حزب نداء تونس الترويج للملفات المذكورة بأساليب فلكلورية وكأنّ عملية التصنيف العالمي أمر سهل ويسير، في حين أن ملف جربة هو ملفّ قديم وشبه جاهز وتشكّلت حوله فرق عمل علمية وفنّية ظلّت تعمل في الميدان طيلة سنة بأكملها من أجل حصر قائمة المعالم والمواقع المراد ترشيحها للائحة اليونسكو.       

  • عرف ملفّ ترشيح جزيرة للائحة اليونسكو للتراث الإنساني عدّة مسارات شابها بعض التعقيد، ما هي هذه المراحل؟ وأي صعوبات اعترضتكم؟

تشكّلت سنة 2017 المجموعة المشرفة على الملف، وهي تنقسم إلى فريقين أحدهما علمي والآخر تقني وتوزيعهما كالآتي: 8 أساتذة خبراء في مجالات علمية متنوّعة كالتاريخ والحضارة والهندسة والجغرافيا والفنون، و8 تقنيين، و6 فنيين في مجالات التصرف في الإعلامية. واتخذت لها كمقارّ عمل ميداني بجربة "برج الغازي مصطفى"، ومقر جمعية "صيانة مدينة جربة"، وقضّت المجموعة ما يفوق السنة من العمل المضني وقد ساعدها في ذلك العديد من المتطوعين والنسيج المدني بالجزيرة. كما قدّم أهالي جربة وأعيانها كل الدعم للملف ولفريق العمل.

منجي بورقو: العمل الميداني كان صعبًا وحثيثًا والآن ننتظر الدعم السياسي والديبلوماسي لتصنيف جربة كتراث عالمي

كما زارت فرق عمل من اليونسكو جزيرة جربة بين 2017 و2018 وكانت لنا معهم أربعة لقاءات هامّة للاطلاع على المسار العلمي وتقديم النصائح والوقوف على مدى استعداد المجتمع المحلي لهذا التصنيف. وقد ساعدنا في إعداد الملف إعدادًا جيدًا بحسب المواصفات المطلوبة وذلّل معنا العديد من الصعوبات مكتب اليونسكو لشمال إفريقيا الموجود بالرباط والذي يرأسه التونسي كريم الهذيلي.

ومن جهة شغلنا العلمي، فهو ينقسم الى خمسة إثباتات أساسية وهي: القيمة الإنسانية الاستثنائية، والوصف الدقيق لمختلف المعالم والمواقع وإثبات الحزام الحمائي، والدراسة المقارنة، ومخطط التصرّف والوثائق المرجعية المعتمدة.  

أما الصعوبات التي اعترضت فريق العمل، فيمكن تلخيصها في كلمة واحدة وهي غياب الوعي لدى البعض من التونسيين بأهميّة ما نقوم به لصالح الجزيرة ولصالح تونس أو ما يمكن تسميته بعدم الاكتراث.

 

مراسل "ألترا تونس" مع منجي بورقو رئيس اللجنة العلمية لملفّ إدراج جزيرة جربة ضمن التراث العالمي

 

  • تعتبر جربة ذات زخرف حضاري ضارب في التاريخ، وثمة من العلماء والمؤرخين من يعتبرها حديقة خلفية لتاريخ الإنسانية، وبالتالي فان الاختيار سيكون أمرًا صعبًا. فكيف واجهت اللجنة العلمية للملف عملية الانتقاء وهل اعترضتها بعض المفاجآت؟

فعلًا جربة هي عمق التاريخ وشاهد على تنوعه وجماله وفرادته. وقد واجهت اللجنة نقاشات اتسمت بالحدّة والحيرة لكن شجاعة العلم هي التي حسمت عملية الانتقاء فتم اختيار 64 معلمًا وموقعًا موزعة كالآتي: 54 جامعًا من جملة 365 جامعًا، وكنيسة أرثودوكسية، وأخرى كاثوليكية/ ومعبد الغريبة اليهودي، والقلب القديم لحومة السوق، والحارة الصغيرة لليهود وأحياء خزرون وصدغيان (التي كانت مقرًا للقيادة اثناء الحكم العثماني وقد ذكرها عبد الرحمان بن خلدون في كتاب "المقدمة") والقشعيين ومجماج والمحبوبين وتملال.

  • هل هناك معلم أو موقع بعينه بجزيرة جربة كنت تتمنى أن يكون ضمن القائمة ولم يتسنى إدراجه ؟ وما هي أسباب ذلك؟

نعم، هناك معلم قديم وشهير لدى "الجرابة" وعامة التونسيين هو خارج القائمة المقترحة وهو جامع سيدي سالم الساطوري، وهو معلم ينهض بأدوار انثروبولوجية متعددة، فهو يزار تبرّكًا وبالخصوص من أجل الإنجاب.

منجي بورقو: الرئيس السابق بن علي أضرّ بمعلم جامع سيدي سالم الساطوري وحرمه من التصنيف في ملف جربة

والمتسبّب في إقصاء هذا المعلم هو الرئيس السابق زين العابدين بن علي، فعندما زواجه الثاني من ليلى الطرابلسي وسعيه لإنجاب ابنًا ذكرًا، نظّمت له ولعائلته زيارة غير معلنة لسيدي سالم الساطوري لازال أهل جربة يذكرونها إلى اللآن. وخلال عمليات التهيئة للزيارة الرئاسية، تم التدخّل على هندسة الجامع، فأضيفت له ملحقات بنيت بالإسمنت فتغير شكله الأصلي ولم تقف العملية عند ذاك الحد. فبعد أن حملت زوجة الرئيس وأنجبت الابن الذكر، عاد بن علي لزيارة سيدي سالم الساطوري مرة أخرى عند ختان ابنه محمد، فأضيفت ملحقات جديدة ومطابخ في محيط الجامع، وكلّها أضرت بالمعلم وأفقدته قيمته التراثية، وفعلًا وقفت اللجنة عاجزة ولم يتسن لها إدراجه رغم أهميته التاريخية.

  • هل هناك دعم اداري وسياسي لجهود اللجنة العلمية؟

الدعم الإداري موجود من طرف وزارة الشؤون الثقافية ووزارة السياحة ووزارة الشؤون المحلية، لكن الدعم السياسي يعتبر شبه مفقود لأن الملف يتطلب تحرّكًا سياسيًا في الداخل والخارج ودفعًا علائقيًا دوليًا، وأيضًا يتطلب مساندة من قبل وسائل الإعلام والنخبة المثقفة.

اقرأ/ي أيضًا: جزيرة جربة.. هل يشفع لها "أوليس" حتى تصنفها اليونسكو تراثًا إنسانيًا؟

  • طالبت مؤخرًا اللجنة العلمية بلقاء مستعجل مع وزير الشؤون المحلية؟

التقيت بتاريخ 1 جوان 2020 مع وزيرة الشؤون الثقافية في لقاء ممثلين عن جمعيتي "صيانة جزيرة جربة" و"جربة للتنمية المستدامة"، وبعد شرحنا لمسارات الملف وأهمية المواعيد المرتقبة وخاصة موعد التصويت النهائي، تعهدت وزارة الشؤون الثقافية بدعمها المطلق للملف وضرورة العمل المشترك من أجل الفوز بالتصنيف.

كما التقيت مع وزير الشؤون المحلية لطفي زيتون بتاريخ 3 جوان 2020 للضرورة من أجل الحدّ من طفرة البناء التي شهدتها بعض المواقع التي أدرجت ضمن قائمة التصنيف. إذ راج في الجزيرة أنه بعد قبول الملف نهائيًا، سوف لن يتسنى للسكان وأصحاب المحلات الزيادة أو النقصان في معمار عقاراتهم، وهو ما اعتبرته اللجنة اعتداء على حلم وطن. وفي اعتقادي، سيضرّ هذا الأمر بالمسار النهائي بالملف لأن هناك زيارات مرتقبة للجان أممية من اليونسكو. وقد وعد وزير الشؤون المحلية بالتدخل بالقانون للحد من فوضى البناء في المواقع المدرجة ضمن قائمة التصنيف بكامل الجزيرة، كما أكد من جهته أنه سيدفع لمجلس نواب الشعب بمشروع قانون لحماية المناطق الأثرية المصنفة وطنيًا ودوليًا.

  • ما هي أهمية هذا التصنيف؟

أهم شيء هو اعتراف البشرية جمعاء لتونس بدورها في بناء الحضارة الإنسانية وتثمين زخرفها الثقافي والفني، وبدرجة أقل هو تلك الانعكاسات الإيجابية على السياحة الثقافية وعلى الاقتصاد التونسي، علمًا أن منظمة اليونسكو تصرف منحة محترمة للمواقع المصنفة تراثًا إنسانيًا من أجل صيانتها والمحافظة عليها.

  • هل تحافظ تونس بكل جدية على مواقعها ومعالمها الثمانية المصنفة من قبل اليونسكو؟

التصنيف الدولي يقابله بالأساس الالتزام الأخلاقي بالمحافظة على المعلم أو الموقع وحراسته وصيانته من أجل الإنسانية، وهي مهمة تتكفل بها الدولة عبر مؤسساتها المختصة وقوانينها الحامية للتراث، وتونس تقوم بذلك منذ السبعينات إلى اليوم. لكن يحدث التقصير ومنظمة اليونسكو تتفطن إلى ذلك من خلال  التقارير العلمية لخبرائها الذين يسمون "الكوموس" إذ توفدهم سرًا لزيارة بعض المواقع وهو ما حدث لتونس قبل الثورة.

منجي بورقو: اليونسكو كانت ستسحب موقعي قرطاج وكركون من قائمة التراث العالمي بسبب إهمال السلطة زمن النظام السابق

فعندما علمت اليونسكو أن تونس شرعت في بناء جامع العابدين بقرطاج وأن أصهار الرئيس الراحل ومن والاهم شرعوا في تشييد منازل فاخرة في المنطقة الأثرية "المعلقة" الموجودة بالموقع الأثري بقرطاج المصنف تراثًا إنسانيًا وكانت تقاريرهم سلبية بخصوص موقع قرطاج، أوفدت "كوموس" الذي كتب تقريرًا طالب فيه بحذف موقع قرطاج الأثري من اللائحة الرسمية، لكن الدولة التونسية تكتمت عن ذلك مطالبة بالإمهال ووعدت بازاحة البناءات من المعلقة. كما زار خبير آخر موقع كركوان بجهة نابل، وسجل عدة هنات في الصيانة والحراسة وطالبت اليونسكو تونس بتدارك هذه الأخطاء قبل سحب الموقع من اللائحة.

أما بعد الثورة، فقد استشرى الاعتداء والإهمال في العديد من المواقع والمعالم المصنفة وطنيًا وعالميًا، وهو في اعتقادي أمر خطير قد يمسّ من صورة تونس السياحية والثقافية، كما قد يكون له التأثير السلبي على ملف جزيرة جربة الطامحة للانضمام للتراث الإنساني. 

  • هناك عزوف عربي على تصنيف التراث، بما تفسّر ذلك؟

فعلًا، فالدول العربية مجتمعة لا يتجاوز عدد معالمها ومواقعها المصنفة تراثًا إنسانيًا من قبل اليونسكو سوى 69 معلمًا وموقعًا، وهو رقم ضعيف بالنظر إلى دول أوروبية مثل إيطاليا وأسبانيا، وأيضًا بالنظر إلى الرصيد الثقافي الرفيع والعريق والمتنوع الذي تتحوزه الأراضي العربية على مرّ تاريخ  البشرية. وفي اعتقادي، يعود ذلك إلى غياب الإرادة العلمية والسياسية معًا. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوارات | كيف يفهم كبار أساتذة الفلسفة في تونس أزمة كورونا؟

قصور منوبة البديعة: عزلتها الجمهورية الأولى.. فهل تنصفها الجمهورية الثانية؟