قصور منوبة البديعة: عزلتها الجمهورية الأولى.. فهل تنصفها الجمهورية الثانية؟

قصور منوبة البديعة: عزلتها الجمهورية الأولى.. فهل تنصفها الجمهورية الثانية؟

8936 مشاهدة
واجهة قصر الهداية بمنوبة (الترا تونس)

حدث فعلًا:

خلال إحدى لقاءات وزير الثقافة الأسبق عز الدين باش شاوش بالصحفيين حول موضوع برج خديجة بالمهدية الذي تم الاستيلاء عليه سنة 2011، انفردت بالوزير باعتباره خبيرًا في التراث الإنساني لدى اليونسكو وحدثته مطولًا عن قصور منوبة، هذا الإرث الجمالي والسياسي والحضاري لجميع التونسيين والإهمال المقصود الذي تتعرض له منذ إعلان الجمهورية في جويلية/ تموز 1957 إلى حد تلك اللحظة.

كان الوزير صامتًا، شاخصًا وأنا أسرد عليه ما طرأ من متغيرات تتعلق بقصور منوبة الثلاثين لعلّ آخرها آنذاك النسف الكامل لقصر عبد العزيز بوعتور بسانية ابن عبد الله من قبل باعث عقاري استغل الفلتان الذي حصل في البلاد إبان الثورة.

عدّل باش شاوش من نظاراته وبعد لحظات من الاندهاش قال لي "أنا أعرف القصة كاملة وقد فهمت رسالتك" في إشارة للسياسي المندسّ فيما يتعلق بموضوع قصور منوبة ونادى المرحوم طارق بواب (المكلف بالإعلام والاتصال بالوزارة آنذاك) وتوجه له بالقول "دوّن في الأجندة الوزارية موضوع قصور منوبة وأعطه الأولوية فالأمر لا يتطلب التّأجيل". وها قد مرت سبع سنوات كاملة وواقع قصور منوبة في تردّ وتدهور يومي ولم يتغير شيء.

اقرأ/ي أيضًا: آثار تونس.. معالم تختزل التاريخ وتعاني التهميش

برج التوكابري بمنوبة (الترا تونس)

ثلاثة قرون من الحكم والتشييد غُمرت باسم الاستقلال

عندما كان قصر الحكم الحسيني بباردو، كانت منوبة هي الضاحية الباياتية والأميرية المفضلة والفناء الخلفي لحكم عائلة حكمت تونس من 1705  إلى 1957 حيث تمتد القصور من القصر السعيد إلى قصر "لاقريتي" بشواط قرب مدينة الجديدة. وقد شهدت الضاحية تقريبًا كل الصراعات السياسية داخل العائلة الحسينية والانشقاقات داخلها. كما زارها كبار ضيوف المملكة التونسية من ملوك وقادة جيوش.

عندما كان قصر الحكم الحسيني بباردو كانت منوبة هي الضاحية الباياتية والأميرية المفضلة والفناء الخلفي لحكم عائلة حكمت تونس من 1705 إلى 1957

هذه القصور والتي بنيت على امتداد ثلاثة قرون من حكم العائلة الحسينية على مساحات تعد بمئات الهكتارات تبدو لناظرها في وحدة جمالية متكاملة، بنايات أنجزها مهندسون كبار ونفذها بناؤون مقتدرون من داخل تونس ومن الشرق ومن أوروبا. وكانت فروع العائلة الحاكمة تتنافس فيما بينها حول نماذج الهندسات فترى أحيانًا مزاوجات بين الهندسة الإسلامية والأوروبية والأندلسية. كما كان التنافس يشتدّ بخصوص البساتين والحدائق وأنواع الزهور وأشجار الزينة والغلال.. قصور بديعة الهندسة آخاذة وواسعة الممرات ومحصّنة من الغزو.

اقرأ/ي أيضًا: جولة في المعالم الأثرية للقيروان.. ذاكرة الحضارة الإسلامية

وقد اختار البايات منوبة لتكون فناء حكمهم وضاحية سلطانية لاستقرار سلالتهم لعدة أسباب منها قربها من قصر الحكم بباردو ومتاخمتها لوادى مجردة وخصوبة تربتها وهوائها العليل وتبركًا بمقام المتصوفة الشهيرة السيدة عائشة المنوبية.

ومن أشهر قصور منوبة نجد قصر قبة النحاس. وقد بناه محمد رشيد باي بين 1756 و1758 وسمي كذلك لأن قبة من النحاس كانت تغطي مسبح القصر وقد صنعها حرفيون تونسيون خصيصًا للباي رشيد حتى تقيه الشمس أثناء السباحة. وكان هذا الباي يحب الفن والموسيقى وهو من دعم فكرة بعث المعهد الرشيدي للموسيقى التونسية. هذا القصر في فترة الحماية الفرنسية تحول إلى مبيت للراهبات التابعات لكنيسة "Notre dame Auxiliatrice" ثم بعد ذلك استرجعته الدولة وسوغته لمستثمر خاص أواخر التسعينيات لإقامة الحفلات الخاصة والمؤتمرات والذي تجرّأ بعد الثورة على تشويه بوّابته الخارجية وحول جزءًا منها إلى محلاّت تجارية اكترتها إحدى البنوك المعروفة.

من القصور المعروفة أيضًا قصر الوردة الذي بناه حمّودة باشا سنة 1798 وهو يتربع على مساحة واسعة وبه أبراج بديعة الهندسة لعل أشهرها "برج قرع" وقد أقيم للنزهة أيام الربيع. لكن وفي عهد أحمد باي أصبح ثكنة عسكرية لخيالة الجيش لكن جزءًا منه خصّص كقصر للضيافة يستقبل كبار ضيوف المملكة ونذكر منهم " قاري بلدي" وملك بريطانيا. وأيام الاستعمار الفرنسي نهض هذا القصر بمهام قيادة الجيش الفرنسي بتونس ومع الاستقلال ومع تأسيس الجيش التونسي استعادت وزارة الدفاع القصر وأصبح ثكنة لفوج الشرف ومقرًا للإدارة العامة للمتاحف العسكرية وخصص جزء منه ليكون متحفًا عسكريًا وطنيًا.

أما "قصر الهداية" والذي يشغل الآن جزء رئيسي منه مقر ولاية منوبة والجزء الخلفي منه مدرسة الراهبات المسيحيات الشهيرة المعروفة بـ "البابّسات" فهو واحد من القصور الثلاثة للوزير الأكبر "محمد العربي زروق" وقد عرف هذا الوزير بولائه المطلق للعائلة المالكة التي سمحت له بالملكية في منوبة. أما قصره بالدندان، والذي كان يعرف أيضًا بالبرج، فبعد عزل حفيده من دوائر السلطة سنة 1881 تواترت على ملكيته العديد من العائلات الثرية مثل الجنرال رشيد وعائلة محسن وعائلة البارون ديرلنجي. وإثر الاستقلال عادت ملكية القصر للدولة التي حولته مدرسة وهو الآن مركز قطاعي للتكوين المهني في الالكترونيك.

 بني القصر السعيد في فترة رخاء الحكم الحسيني وهو يبعد بضعة أمتار عن قصر باردو وعرف بحادثة توقيع معاهدة باردو الشهيرة سنة 1881

واجهة قصر زروق (الترا تونس)

واجهة قصر زروق (الترا تونس)

اقرأ/ي أيضًا: أوذنة تنتفض من رماد النسيان: "مسرحي أفضل من قرطاج لكنها أحكام السياسة"

أما قصر سعيد باي فيتوسط قصر الهداية وقصر قبة النحاس، هو قصر بسيط فسيح لا توجد به طوابق وإنما يعتمد على الشرفات الواسعة والزخرف الجصيّ والتطويع الأنيق للخشب. هذا القصر حولته دولة الاستقلال إلى مقر لرعاية المسنّين أما بساتينه فقد اقتطعها الاستعمار ليحوّلها إلى مطحنة ومعمل للسميد مازال يشتغل إلى الآن. هذا القصر أزيل بعد الثورة في ظروف غامضة.

أما قصور حمودة باشا بمنوبة فأشهرها القصر الذي يحمل اسمه وتملكه وزارة التربية التونسية وقد حوّلته إلى معهد ثانوي ونواة القصر سيّجت وتركت للنفايات وعبث التلاميذ وحديقة القصر بنيت فوقها مكتبة عمومية. 

في حين بني القصر السعيد في فترة رخاء الحكم الحسيني وهو يبعد بضعة أمتار عن قصر باردو وعرف بحادثة توقيع معاهدة باردو الشهيرة سنة 1881. هذا القصر تم استغلاله كمستشفى ثم أحيلت ملكيته في الثمانينات إلى وزارة الثقافة التي حولته إلى مخزن لمقتنياتها من الأعمال التشكيلية وكورشات ترميم وصيانة للآثار التي ستعرض في المتحف الوطني بباردو. تعرض هذا القصر إلى الإهمال التام وبدأ في الانهيار. أما حديقته فقد اقتطعها حكم بن علي ليبني فوقها مجلس المستشارين.

الحبيب بورقيبة وبعد إعلان الجمهورية حوّل الضاحية السلطانية إلى معتمدية صغيرة ومنسية تابعة لولاية أريانة

هذه عينة بسيطة من قصور البايات بمنوبة والتي تفوق الثلاثين قصرًا. إذ هناك قصور أخرى يطول الحديث عنها مثل قصر مراد باي (الذي مات ميتة غامضة). ويشغل الآن مقرًا لسجن النساء بمنوبة. ويدور حول هذا القصر نقاش بين الدولة التونسية والدولة الجزائرية التي تؤكد ملكيتها له. كما يتمتع بأهمية تاريخية لأنه أول مكان رفع فيه العلم الجزائري سنة 1954. كما يوجد أيضًا قصر شويخة و قصر بوعتور وبرج سانية المشماش وقصر المصمودي.

قصر زروق من الداخل (الترا تونس)

قصر زروق من الداخل (الترا تونس)

بورقيبة تعمّد إقصاء منوبة حتى ينسى الشعب حكم البايات

إن هذا التراث الفخم وهذه التركة الحضارية والفنية تمّ العبث بها وتركها للإهمال والنهب قصدًا من قبل دولة الاستقلال. فالحبيب بورقيبة وبعد إعلان الجمهورية حوّل الضاحية السلطانية إلى معتمدية صغيرة ومنسية تابعة لولاية أريانة. منوبة وبعد أن كانت تلهج بها الألسن لقرون أرادت لها الجمهورية الأولى النسيان. إذ أهدى قصورها وبساتينها لمسؤولي الدولة حينها منهم أحمد المستيري ومحمد المصمودي.

وحوّل مقرات سيادة الحكم الحسيني إلى مؤسسات إدارية واجتماعية صغيرة. كانت الجمهورية الناشئة تريد أن تقطع مع الحكم السابق. لا تريد له ذكرًا فقد كانت قرارات سياسية تجاه منوبة وبقي الأمر كذلك إلى حين إعلانها ولاية في عهد بن علي سنة 2000. ويروى أنه يوم تدشين مقر الولاية انبهر بن علي بقصر الهداية وقال لمرافقيه إنه يذكره بقصر قرطاج.

منوبة الآن بقصورها التسعة المتبقية تنتظر قرارًا سياسيًا من أجل انتشالها من النسيان وإعادة الاعتبار لماضيها العريق والتعامل معه بكل موضوعية بعيدًا عن التشويه والإقصاء. فمن حق التونسيين اليوم زيارة قصور منوبة والوقوف على جمالها وفتنتها وقصصها. لكن هذا الحق هل تستطيع الجمهورية الثانية تحقيقه فتجعل من منوبة عاصمة لتاريخ وسياحة قصور البايات الحسينيين؟ 

 

اقرأ/ي أيضًا:

مائدة يوغرطة.. تاريخ تونس القديم المرشح للائحة التراث العالمي

10 من أهم المواقع الأثرية في تونس