حمّى المبادرات المواطنية.. الطبيعة تأبى الفراغ

حمّى المبادرات المواطنية.. الطبيعة تأبى الفراغ

تعكس المبادرات المواطنية حيوية المجتمع المدني في تونس (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

مقال رأي

 

تعدّدت المبادرات المواطنية في الساحة السياسية التونسية خلال الأشهر الأخيرة في خضم التسابق الانتخابي. تأتي هذه المبادرات التي يقدمها أصحابها تحت غطاء المستقلين في سياق أزمة بنوية وأخلاقية تعيش على وقعها المنظومة الحزبية. وقد عزّزت نتائج الانتخابات البلدية آمال غير المنتمين للأحزاب بعد النجاح الذي حقّقته عديد القائمات المستقلة التي أطاحت بماكينات أحزاب ذات إمكانيات مالية وتعبوية ضخمة.

قد يبدو هذا الحراك أمرًا غير طبيعي في حال ما كان للبلاد ديمقراطية عريقة مستقرة لها أعراف وتقاليد وتوجهات كبرى سياسية وحزبية راسخة في المزاج الانتخابي الشعبي. غير أنّ التعثرات والخيبات التي عرفها مسار الانتقال الديمقراطي في تونس منذ 2011 يمكن أن تضفي مشروعية على هذه المبادرات التي يتطلع أصحابها للتموقع في المشهد الانتخابي ومحاولة تقديم عرض مواطني خارج بوتقة الأحزاب التي باتت في معظمها مجرد دكاكين منتصبة للحساب الشخصي الخاص دون برامج ومشاريع وتصورات من شأنها أن تكون مغرية لكل من يروم خوض تجربة العمل السياسي المنظم في أطر تقليدية جماهيرية.

لا مراء في أنّ مثل هذه المبادرات التي تنّم عن ظاهرة صحيّة وديناميكية صلب الحياة الديمقراطية الناشئة لها إيجابيات شتّى. فالخارطة السياسية في مشهدية ما بعد الثورة لم تعرف الاستقرار بعد، حيث شهدت عديد الموجات والتقلبات التي تؤكد سيرورة ومخاض الانتقال الديمقراطي غداة عقود من الاستبداد الذي أدى إلى موت السياسة وإفراغ الشأن العام من محتواه بسبب قمع الحريات وحقوق الإنسان وفرض نظام بوليسي قمعي حوّل البلاد إلى سجن كبير.

 تأتي المبادرات المواطنية التي يقدمها أصحابها تحت غطاء المستقلين في سياق أزمة بنيوية وأخلاقية تعيش على وقعها المنظومة الحزبية

تعكس هذه المبادرات حيوية المجتمع المدني في تونس حيث أنّ قطاعات واسعة من المشاركين فيها تنتسب للحقل النقابي والحركة الحقوقية والمجالات الأكاديمية والإبداعية والفكرية التي لم تجد حظها صلب الأحزاب. كما تبرز درجة عالية من اليقظة المواطنية والحسّ السياسي المجتمعي الذي ما انفك يساهم في بناء تجربة ديمقراطية ذات خصوصية لها امتدادات تاريخية وإرث ثقافي متين.

لكن في حقيقة الأمر لا يمكن وضع كلّ المبادرات المواطنية في سلّة واحدة. إذ أنّ البعض منها ليست بالجديّة الكافية وهي مرتبطة بطموحات شخصية وفئوية غير عقلانية. كما أنّ بعضها الآخر لا تتعدى آفاقها المكاتب التي صيغت فيها بياناتها فهي مقتصرة على بعض العناصر النخبوية المنحصرة أساسًا في تونس الكبرى وبعض المدن الداخلية.

اقرأ/ي أيضًا: نداء تونس: حزب أم كاراكوز سياسي؟

تطرح هذه المبادرات عمومًا ولاسيما تلك التي لا تعبر عن قراءة سياسية واقعية ورؤية تنظيمية أفقية متجذرة في الجهات والمحليات ومختلف القطاعات الحيوية، إشكالية مزيد تجزئة المشهد الانتخابي وتشتيت الأصوات في ظلّ التخمة الحزبية التي تتسم بها الحياة الديمقراطية. علاوة عن ذلك، فإنّ هذه المبادرات المواطنية تثير العديد من المخاوف في علاقة بمسألة برامجها ومقترحتها الانتخابية حول كبرى القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتشريعية التي تهم مستقبل التجربة الديمقراطية في تونس بعيد انتخابات 2019 بالإضافة إلى مسألة علاقتها بالأحزاب ولوبيات المال وشبكات المصالح.

عديدة هي الأسئلة الواخزة التي تثيرها مثل هذه المبادرات خاصة حول آفاقها المستقبلية في حال ما تمكنت من الظفر بمقاعد برلمانية تحت قبّة مجلس نواب الشعب في باردو. فالسياحة البرلمانية لا تزال ماثلة في أذهان المواطنين الذين أضحوا في معظمهم ينظرون باشمئزاز لأداء السلطة التشريعية ونواب الشعب خاصة من الذين ارتبطت أسماؤهم بشبهات فساد وبتغليب المصلحة الشخصية على حساب مقتضيات العمل النيابي الجدّي وضوابط المصلحة العامة وأولويات الجهات التي صوتت لهم على قاعدة وعود انتخابية.

من المؤكد أنّ صلب هذه المبادرات كفاءات وطاقات مواطنية ذات إشعاع ومصداقية في جهاتها والقطاعات التي تنتمي إليها قادرة على تقديم إضافة نوعية للعمل النيابي خلال المرحلة القادمة. بيد أنّ هذا المعطى لوحده لا يكفي لطمأنة الناخبين من أجل الظهور بمظهر المنافسين الجديين للأحزاب السياسية التي تظلّ دائمًا هي العمود الفقري للحياة السياسية الديمقراطية.

تطرح بعض المبادرات المواطنية لاسيما تلك التي لا تعبر عن قراءة سياسية واقعية ورؤية تنظيمية أفقية متجذرة في الجهات ومختلف القطاعات الحيوية إشكالية مزيد تجزئة المشهد الانتخابي وتشتيت الأصوات

صحيح أنّه يحق لأصحاب هذه المبادرات المواطنية رفض سياسة الأمر الواقع التي تريد أن تفرضها الأحزاب بتعلّة أنّ الانتخابات والشأن العام والتنافس حول المقاعد البرلمانية هو حكر فقط على التنظيمات الحزبية التقليدية. فالعالم اليوم يشهد تحولات كبرى على مستوى أنماط العمل السياسي والتي تتجلّى خاصة في محدودية حصيلة براديغم الديمقراطية التمثيلية المعولمة التي تحتكرها فئات بعينها لا تعبر عن عمق مواطني تشاركي يجعل من الإنسان وهوامش المجتمعات جوهرًا للعملية السياسية. أفضى هذا الوضع إلى بروز اتجاهات وتيارات مواطنية بعضها عفوي وبعضها الآخر منظم كنتاج لإخفاقات الأحزاب ورغبة الشعوب في التغيير والتحرّر ومواكبة حركة التاريخ.

إنّ تونس وتجربتها الديمقراطية الناشئة ليست بمنأى عن هذه الاعتمالات والتطورات العالمية التي اتخذت أشكالًا شعبوية أو ديماغوجية كثيرًا ما ساعدتها على الوصول للحكم وأخرى طوباوية اعترضتها صعوبات جمّة لعوامل ذاتية وموضوعية مرتبطة أساسًا بطبيعة الخطاب السياسي وأدوات النشاط الميداني والرؤية الاستراتيجية عمومًا.

اقرأ/ي أيضًا: "تحيا تونس".. موسم الصيد بالكركارة

تنسحب مقولة "الطبيعة تأبى الفراغ " للفيلسوف الإغريقي أرسطو على الحالة التونسية آنيًا قبيل الانتخابات التشريعية والرئاسية المرتقبة. فقد رفعت أزمة الثقة المواطنية في الأحزاب السياسية من سقف أحلام وطموحات الشخصيات المستقلة التي قد تتمكن من إحداث مفاجأة خلال المعترك الانتخابي. وإلا كيف يمكن أن نفسر صعود نجم أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد في عمليات سبر الآراء في علاقة بالسباق نحو قصر قرطاج وهو الذي لم يكن له نشاط سياسي معلوم قبل الثورة سواء في صفوف المعارضة الديمقراطية الجديّة أو داخل منظومة الحكم التجمعية السابقة؟ أليس حريًا بنا دراسة مثل هذه الظواهر ومحاولة تفهم أبعادها ودلالاتها بشكل علمي موضوعي عوض الانخراط في حملات شيطنة دغمائية أو الاستنقاص من تأثيراتها واستتباعاتها الممكنة على المسار الديمقراطي؟

من المهم عدم الاستهانة أو التحقير من قيمة هذا الحراك المواطني الذي يسبق الانتخابات القادمة، فهو يعبر عن دينامكية مجتمعية هامة قد تفضي إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي على المدى المتوسط والبعيد ومن ثمّة تجديد الطبقة السياسية تدريجيًا. فحضور المستقلين في الانتخابات التشريعية والرئاسية المرتقبة لن يكون هذه المرّة لمجرد المشاركة الفلكلورية فقط مثلما كان الحال في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي فالمناخ العام والمزاج الشعبي النافر من الأحزاب والشخصيات السياسية الكلاسيكية خلق بيئة مناسبة لهؤلاء للظهور والبروز وربّما للمنافسة بشكل جديّ رغم كلّ التحفظات والإشكاليات المطروحة.

رفعت أزمة الثقة المواطنية في الأحزاب السياسية من سقف أحلام وطموحات الشخصيات المستقلة التي قد تتمكن من إحداث مفاجأة خلال المعترك الانتخابي

بين 2011 و 2019 جرت مياه كثيرة من تحت جسور المسار الديمقراطي. برزت أحزاب واضمحلت كيانات أخرى. انتهت تنظيمات حزبية بالتشظي والانقسام وصعدت أحزاب أخرى بات لها موقع ما في المشهد السياسي والانتخابي. كانت العريضة الشعبية مفاجأة انتخابات المجلس الوطني التأسيسي. فيما كان الاتحاد الوطني الحرّ إحدى الظواهر الطارئة التي اتسمت بها التشريعيات الماضية قبل أن يكون صعود المستقلين العنوان الأبرز في البلديات الاخيرة ليعاد بذلك خلط الاوراق من جديد.

اليوم عشيّة الانتخابات الرئاسية والتشريعية المنتظرة نهاية العام الجاري، ستكون القائمات المواطنية والمبادرات السياسية المستقلة عن الأحزاب إحدى المعطيات التي من شأنها أن تحدث اختراقات في المنظومة السياسية برمتها لو أحسنت استغلال الفرصة خاصة وأنّ القانون الانتخابي يتيح من الناحية النظرية حصول ذلك.

إنّ نجاح المبادرات المواطنية الجديّة سيكون حتمًا رهين مدى قدرتها على التجميع والتوحيد على أسس صلبة تجعل منها رقمًا صعبًا في المعادلة الانتخابية شكلًا ومضمونًا. فنقد الأحزاب ورفض منظومة الحكم الحالية لا يكفي وحده لتحويل عرضها السياسي المواطني إلى وصفة مغرية وجذابة للناخبين الذين باتوا يبحثون عن طوق نجاة وسبل للخلاص مهما كان مصدره. بحيث أنّ تعويل هذه المبادرات على كفاءات مستقلة غير متحزبة لها إشعاع قطاعي أو جهوي أو وطني دون بلورة رؤية بعيدة النظر تترجم في خطاب يدفع نحو صناعة حلم مشترك من الممكن تجسيده على أرض الواقع بعيدًا عن القوالب الايديولوجية المحنطة وأشكال الصراعات السياسوية التي لا تراعي انتظارات المواطنين لاسيما الاقتصادية والاجتماعية لن يفضي حتمًا إلى إعادة تكرار سيناريو الانتخابات البلدية الفارطة ولو بشكل نسبي رغم الفوراق في خصوصية كلّ استحقاق انتخابي والرهانات التي يفرضها الواقع.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عفوًا انتهى رصيدكم النضاليّ

ديمقراطية بلا ديمقراطيين...