حرية الضمير في تونس.. حبر على ورق الدستور؟

حرية الضمير في تونس.. حبر على ورق الدستور؟

1294 مشاهدة
تونسيون اعتنقوا المسيحية (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

" أنا لاديني واخترت أن أبقي هذا الخيار في كنف الشخصنة.. لم أحاول أن أدخل في مواقف صدامية ونقاشات مع المحيطين بي ولا يعلم أحد بتوجهي في عائلتي باستثناء مجموعة صغيرة من أصدقائي المقرّبين.. ليسوا بالضرورة لادينيين أيضًا ولكنهم منفتحون ومتقبلون للنقاش". هذا جزء من قصة الشاب التونسي "سامي" (اسم مستعار) والتي تشبه في تفاصيلها قصصًا لعدد من التونسيين الذين أصبحوا لادينيين أو اعتنقوا دينًا أو حتى مذهبًا آخر غير الإسلام المنتشر في تونس، وخيّروا أن يعيشوا مع معتقدهم في الظل تجنبًا لنقاشات صدامية ورفض من مجتمع لا يزال يعتقد جلّ أبنائه أنهم يمسكون الحقيقة المطلقة وأحيانًا ابتعادًا عن ممارسات عنيفة قد تمارس ضدّهم.

سامي (شاب تونسي لاديني) لـ"الترا تونس": خيّرت أن أبقي خياري بيني وبين نفسي تجنبًا للصدامات

يقول سامي لـ"الترا تونس" إنه لم يغيّر دينه ولكن ما وقع له هو مسار طويل من التطور والتقدم الفكري في نظره، مضيفًا "ترعرعت في مجتمع صغير ينشأ فيه الجميع على اتباع السائد من الدين الإسلامي والعادات المحافظة ولا مجال فيه للنقاش والاجتهاد". ويبيّن محدثنا أنه عندما كبر في السن وتخصّص في الدراسات الأدبية واهتم بالاطلاع على كتب دينية أخرى كالإنجيل والعهد القديم ومطالعة عديد الكتب، وجد أن هناك تشابهًا في الأحداث وأن أغلب القصص الدينية المتواترة تتشابه وهذا لا يمكن أن يكون صدفة، حسب تعبيره.

ويضيف أنه عندما بدأ يلاحظ أن هناك عديد الأمور المستمدة من تاريخ الحضارات شعر بنقص في الاعتقاد الديني مقابل زيادة في أهمية الوقائع التاريخية والاجتماعية، مؤكدًا أنه لا ينتمي لأي دين ولكنه ليس في حالة عدائية مع أي دين. ويشير إلى أنه عادة يقع توصيف حالته بالإلحاد إلا أنه شخصيًا لا يقرن نفسه بأية مجموعة دينية، وفق تصريحاته.

ويبرز سامي أنه في البداية كانت لديه نزعة لمواجهة السائد إلا أنه تراجع عن ذلك نظرًا لأن الوضع عمومًا لا يشجع على الإقدام على مثل هذه الخطوة خاصة مع الأفراد المتقدمين في السن والذين يرفضون التغيير لأسباب يعتبرونها منطقية. ويلفت إلى أن البعض لهم ردات فعل عنيفة تجاه من يخالف قناعاتهم الدينية والسياسية.

وحيد الفرشيشي، رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية: تونسيون اعتنقوا المسيحية لكنهم منعوا من تلقي دروس كاثوليكية

اقرأ/ي أيضًا: التكفير في مواجهة التفكير: قوالب ترفض المختلف

ولئن لم يتعرّض سامي للتعنيف أو لـ"الاضطهاد" بسبب خياراته الدينية المخالفة لتوجه أغلبية المجتمع، فإن بعض المواطنين التونسيين الذين قرّروا اعتناق المسيحية منعوا من الالتحاق بدروس مسيحية كاثوليكية من قبل بعض قوات الأمن، حسب وحيد الفرشيشي، رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية. ولعلّ ما مكّن سامي من الابتعاد عن الصدامات هو قراره الحاسم بإبقاء خياراته الشخصية بينه وبين نفسه في بلاد تمتلك دستورًا متقدمًا بالمقارنة مع دساتير باقي الدول العربية لكن التطبيق محل جدل.

فالدستور التونسي الذي تمّ إقراره سنة 2014 ينصّ في فصله السادس على أن "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي". ولكن واقع التونسيين يثبت أن ما جاء في الدستور لا يزال حبرًا على ورق. إذ تتعدد الأمثلة على الانتهاكات التي قد تطال من يعلن أنه لاديني أو أنه قرّر اعتناق دين آخر غير الذي تعتنقه عائلته ومعظم الناس، بل حتى الذي يغير المذهب.

في هذا السياق، يبيّن أستاذ القانون العام ورئيس الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية وحيد الفرشيشي أن دستور 2014 "دستور متقدم جدًا". ويبرز الفرشيشي، في تصريح لـ"الترا تونس"، أنه لا يوجد أي شرط قانوني في تونس يتعلق بوجوب اعتناق ديانة ما لأن الدولة مدنية، مشيرًا إلى وجود بعض الاستثناءات. ويوضح أن أول استثناء يتمثل في الفصل بالدستور الذي ينصّ على أن رئيس الجمهورية التونسية يجب أن يكون مسلمًا وهذا يعدّ إقصاء لغير المسلمين.

ويُذكر أنه كان جاري العمل بمنشور يمنع زواج التونسية بغير المسلم وقد تم التخلي عنه في 8 سبتمبر/ أيلول 2017 وكان هذا المنشور يحدّ من حرية التونسيات في اختيار شريك حياتهن. ويضيف الفرشيشي أن وزارة الشؤون الدينية لا تهتم إلا بالشؤون الإسلامية ولا تهتم ببقية الشعائر في حين أنه يُفترض أنها تهتم بجميع الديانات والطوائف الموجودة في تونس حتى لو كان عدد أفرادها لا يتجاوز أصابع اليد.

مجلة الأحوال الشخصية لا تنظم أحوال التونسيين غير المسلمين كاليهود مثلًا (أمين الأندلسي/ الأناضول)

وحيد الفرشيشي: مجلة الأحوال الشخصية لا تنظم أحوال التونسيين غير المسلمين

اقرأ/ي أيضًا: إلغاء منشور يمنع زواج التونسية بغير المسلم.. هل انتهى الجدل فعلًا؟

ويتابع محدثنا "هناك دار للإفتاء في تونس ومفتي الجمهورية التونسية لا يُعنى إلا بشؤون التونسيين المسلمين"، موضحًا أن هذا يعني أن على التونسيين غير المسلمين كمن اعتنق المسيحية الكاثوليكية على سبيل المثال، العودة إلى الفاتيكان وإلى مصادر خارج الدولة التونسية لتدبر شؤون دينهم. واعتبر أن "ذلك يعدّ ضربًا لسيادة الدولة".

ويشدد على أن مجلة الأحوال الشخصية بدورها لا تنظم أحوال التونسيين غير المسلمين كتنصيصها في إجراءات الزواج مثلًا أن تتم قراءة الفاتحة وهو أمر لا يمكن أن يحدث إذا كان المتزوج من دين آخر غير الإسلام، مؤكدًا أن مثل هذه القوانين لا تتناسب مع حرية الضمير المنصوص عليها في الدستور الجديد، ما بعد الثورة.

ويبيّن أستاذ القانون العام أن حرية الضمير تتجاوز حرية ممارسة الشعائر الدينية، قائلًا إنها تعني حرية اختيار المبادئ التي تسيّر حياة الشخص ومواقفه من الأشياء "كإنسان مسالم يرفض الانتماء للجيش ويعتبر أن حمل السلاح يتناقض مع مبادئه ولكنه قد يتعرّض للملاحقة والمحاكمة إذا رفض التجنيد وهو ما يعدّ تعديًا على حرية ضميره"، على حدّ تعبيره. ويؤكد الفرشيشي ضرورة أن تطال حرية الضمير في تونس كامل أبعادها باعتبار أنها أوسع بكثير من الحريات الدينية.

أما على المستوى الاجتماعي، يقول محدثنا إن الممارسات الاجتماعية والبوليسية ضدّ غير المسلمين بتونس ليست مرتبطة بالقانون. ويوضح أن هناك فصولًا في المجلة الجزائية التونسية تعاقب الأشخاص بتعلّة "ما ينافي الحياء والأخلاق الحميدة" لكن وفق اي أسس يُحدد ما ينافي الحياء أو ماهي الأخلاق الحميدة؟. ويردف: "هل ستتقبل من ترى في نفسها أغلبية مثلًا مشهد قيام عدد من الشيعة التونسيين بمسيرة بمناسبة عاشوراء يقومون خلالها باللطم وضرب أنفسهم علمًا وأن بعض الأجزاء من أجسادهم ستكون عارية أم أنها سترى فيها مشهدًا منافيًا للأخلاق الحميدة وبالتالي سيتمّ إيقافهم ومحاكمتهم".

يمكن اعتبار بعض الممارسات الدينية الشيعية منافية للحياء وفق المجلة الجزائية التونسية (جوزيه نيكولا/ Corbis)

اقرأ/ي أيضًا: بهائيو تونس.. بين تجاهل السلطة والتعايش المنقوص

ويؤكد وحيد الفرشيشي لـ"الترا تونس" أن حرية الضمير تعني الحق في الانتماء إلى دين أو عدم الانتماء إليه وتعني الحق في تغيير الدين والعودة إليه وحق تعلّم الشعائر وممارستها فردًا وجماعة وتعليم كلّ فرد تعاليم الدين الذي يتّبعه لأطفاله. وإذ يشدّد الفرشيشي على أن كلّ هذا لا يزال غير مفعلًا في تونس، يوضح أن هناك حاجة لأمرين اثنين. الأول يتمثل في ضرورة تنقية القوانين من كلّ المظاهر التي تتنافى مع حرية الضمير. أما الثاني فيتعلق بوضع نصوص قانونية تبّين ماهية جريمة التكفير وتتبّع من يقوم بتكفير غيره.

وفي انتظار يوم يعيش فيه جميع التونسيين، بمختلف انتماءاتهم العقائدية والفكرية، في كنف الاحترام المتبادل، وتشرع فيه السلطات التشريعية بتغيير القوانين البالية التي تعود إلى عقود مضت وبعضها إلى عهد الاستعمار الفرنسي والتي تتعارض مع أحكام دستور تونس الثورة، لا بدّ من نهضة فكرية تقودها نخبة البلاد وإعلامها بهدف إحداث تغيير في العقليات المتحجرة التي لا تزال ترفض الاعتراف بحقوق الآخر المختلف عن السائد.

 

اقرأ/ي أيضًأ:

خوخة.. صديقتي التي تلبس مثل الناس كي تتنكر

المثليون في تونس.. هل تأتي المحكمة الدستورية بالجديد؟