إلغاء منشور يمنع زواج التونسية بغير المسلم.. هل انتهى الجدل فعلًا؟

إلغاء منشور يمنع زواج التونسية بغير المسلم.. هل انتهى الجدل فعلًا؟

4356 مشاهدة
يبدو أن جدل زواج التونسية المسلمة بغير المسلم متواصل في تونس (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

أعلنت وزارة العدل التونسية، قبل فترة، إلغاء منشور يعود لسنة 1973 يمنع عدول الإشهاد عقد زواج التونسية المسلمة بغير المسلم، وهو ما يأتي تفعيلاً لدعوة أطلقها رئيس الجمهورية قائد السبسي في خطاب عيد المرأة الوطني يوم 13 آب/أغسطس الماضي، دعا فيه كذلك للمساواة في الميراث بين الجنسين وأنشأ لجنة لدراسة الموضوع، وسط اختلافات بين الداعمين والرافضين لهذه الخطوة. ويطرح حاليًا إلغاء ما يُعرف بـ"منشور 73" السؤال حول العلاقة بين حرية المعتقد والزواج من جهة والالتزام بالأحكام الشرعية من جهة أخرى. وليظلّ السؤال كذلك، هل حسم إلغاء المنشور في صحة زواج التونسية المسلمة بغير المسلم؟

ذهبت المحاكم التونسية خاصة قبل سنة 2000 نحو اعتبار زواج المسلمة من غير المسلم فاسدًا وكانت المحاكم تقر بعدم صحته

اقرأ/ي أيضًا: زواج التونسيات بغير المسلم.. جدل القانون والمدنية

تاريخ من الانقسام بين المحاكم

عرفت المحاكم التونسية عديد القضايا حول صحة زواج التونسية المسلمة بغير المسلم، ولم يكن موقفها موحّدًا طيلة عقود. حيث ذهبت محاكم خاصة قبل سنة 2000 نحو اعتبار هذا النوع من الزواج فاسدًا وذلك رغم أن مجلة الأحوال الشخصية التونسية لم تنصّ صراحة على شرط الدين في أحكامها. بيد أنه اعتبرت هذه المحاكم أن تنصيص المجلّة على "خلو الزوجين من الموانع الشرعية" هو إحالة ضمنية للفقه الإسلامي الذي يمنع هذا الزواج.

ومثل، في هذا الإطار، منشور 1973 مؤيدًا لهذا التوجّه، وهو الذي يمنع محرّري عقود الزواج من تحرير هذا النوع من الزواج ما لم يقدّم الزوج الأجنبي شهادة في إسلامه، يتحصّل عليها من مفتي البلاد. وغالبًا ما تُثار هذه المسألة بمناسبة قضايا الميراث حينما يكون اختلاف المعتقد سببًا لفساد الزواج وتبعًا لذلك لعدم استحقاق الإرث. حيث تقوم عديد المحاكم المحلية برفض إدراج الأجانب الذين لـم يثبت إسـلامهم بحجج وفاة مورثيهم المسلمين.

ويمثل قرار شهير يُعرف باسم "قرار حورية" صدر سنة 1966 نموذجًا لهذا التوجّه يتمّ تدريسه لطلبة القانون. وتتلخص وقائع هذه القضية أن فتاة تونسية اسمها حوريّة تزوّجت من مواطن فرنسي، وحينما طالبت لاحقًا بميراثها من أمها، نازعها أحد أشقائها في حقها لأنها تجنست بجنسية زوجها و"حكم المتجنس بجنسية دولة غير مسلمة هو الردة التي توجب الحرمان من الميراث" بالرّجوع إلى التشريع الإسلامي. وهو ما ذهبت فيه محكمة التعقيب، أعلى محاكم البلاد حينها، بصفة مبدئية.

في المقابل، ذهبت محاكم أخرى خاصة في السنوات الأخيرة على اعتبار الزواج صحيحًا بغض النظر عن ديانة الزوج، وذلك بالاستناد لجملة من المبادئ أهمها حرية المعتقد وحرية الزواج ومنه اعتبار حق اختيار القرين حقًا أساسيًا. وتمثل المعاهدات الدولية ومن أهمها اتفاقية العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مكافحة أشكال التمييز ضد المرأة، حيث تمثل سندًا قانونيًا لهذا الاتجاه خاصة وأن هذه المعاهدات هي أكثر علوية من القوانين في السلم القانوني.

ومثل هذا التوجه هو الغالب في السنوات الأخيرة، ولعلّه تدعّم مع دستور 2014 الذي شدّد على حريّة الضمير والمساواة بين الجنسين، والتأكيد على مدنية الدولة والاهتمام المكثّف بالحريات الأساسية وحقوق الإنسان، كما يمثّل اليوم الغاء منشور 73 دفعًا جديدًا نحو تبنّي هذا التوجه، وإن لم تُحسم المسألة بعد في جوهرها.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا يمنع الزواج المدني في لبنان؟

إلغاء المنشور لا يحسم المسألة

يظل الفصل 5 من مجلة الأحوال الشخصية الذي يفرض "خلو الزوجين من الموانع الشرعية" مرتكزً لدى البعض لمخالفة الزواج من غير المسلم

لا يمثل إلغاء منشور 73 حسمًا في اعتبار زواج التونسية المسلمة بغير المسلم صحيحًا، حيث يظلّ دائمًا الفصل 5 من مجلة الأحوال الشخصية الذي يفرض "خلو الزوجين من الموانع الشرعية" مرتكزًا قانونيًا للرأي المخالف. فرغم وجود إرادة سياسية، عكسها مؤخرًا خطاب رئيس البلاد ومن ثمّ إلغاء وزارة العدل لمنشورها المذكور، فإن المحاكم تتولى تطبيق القانون حسب اجتهاداتها ولا يمكن أن يقع فرض توجّه معيّن عليها ما لم يتم التصريح به وضوحًا في نصّ القانون.

وعليه لا يمكن حسم هذه المسألة ما لم ينصّ القانون بصفة صريحة على إلغاء شرط الدين، ودون ذلك، تظلّ نظريًّا التأويلات مفتوحة بين المحاكم بحسب اجتهاد قضاتها. وهو ما أكده القاضي أحمد الرحموني، رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء، حيث كتب على حسابه على الفيسبوك "أرى أن الأمر لا يمكن أن يحسم من جهة النصوص إلا بتدخل المشرع بمقتضى قانون يلغي الالتباس بصفة لا تدع مجالاً للشك أو التأويل".

يُذكر أنه خشية من إبطال الزواج، تلجأ عديد التونسيات لعرض الزوج الأجنبي المستقبلي أمام المفتي ليعلن إسلامه في بضع دقائق ويُسلّم شهادة في الغرض يقع تسليمها لاحقًا لمحرّر عقد الزواج، حتى ولو كان الأمر ادّعاءً. ويعتبر الرافضون لمنشور 73 أن هذه الشهادة شكلية لا تعكس غالبًا إسلام الزوج بحقّ، وبالتالي من المستحسن عدم فرضها تجنبًا للمراوغة والالتفاف على الدين والنفاق.

 

اقرأ/ي أيضًا:

موقف هادئ من المساواة في الميراث بين الجنسين

وجدي غنيم.. تكفير بالجملة يستفز التونسيين وإعلام السيسي ينتهز الفرصة!