13-مارس-2018

خوخة التونسية التي لم تولد امرأة (فيسبوك)

مرحبًا، هذه مقدمة غير ضرورية، أتركها ومرّ إلى الأسطر التي تليها، فهي مجرد كلمات تحوم حول المكان والزمان الذي أنت فيه الآن، وأنت تقرأ هذه المقالة. قد تكون وحيدًا ـ غالبًا لست كذلك ـ وقد تكون برفقة شخص عزيز عليك لأنه يقتحم دائرتك الحميمة وهو يطالع معك هذه الأسطر مقتربًا من رأسك.. إذا كان الأمر كذلك فانقطع عن القراءة لبرهة وقبّله بشغف ثم عد إليّ لنكمل ما بدأناه.

لن أطيل كثيرًا في هذه المقالة، فقد مللت بدوري كل مفردات السرد والحكي، وأنا أسعى هنا إلى الوصف. وأود أن أتشارك معك هذا البروفايل الذي عثرت عليه مخترقًا من خلاله بعض قوانين الصحافة الكلاسيكية لأن الشخصية التي أمامي ليست كلاسيكية، بالقدر الذي كانت فيه طبيعية. وقبل أن أنسى، إذا كنت من محبي المطالعة فهذه المقالة ستمتعك وإذا كنت من ممتهني الصحافة فربما ستفيدك لأنها تحوي البروفايل والإنترفيو والتعليق والتحليل.. وبعض الحب.

"خوخة".. طفلة في عقدها الثاني. أنيقة ولطيفة ومفعمة بالتفاصيل الدائرية، في الوجه خاصة. وفي الحقيقة فإن خوخة من الأشخاص النادرين الذين أعثر عليهم في أركان هذا العالم من حاملي الرسائل للناس، فولادتهم ليست صدفة وليست حدثًا عفويًا، فأمثال خوخة لهم دائمًا شيء يقولونه بمجرد خروجهم من عتبات منازلهم.. فخوخة أولًا وقبل كل شيء لم تولد امرأة، بل أصبحت كذلك وهذا لبّ القضية.

خوخة لم تولد امرأة.. بل أصبحت كذلك

كنت قد تواصلت مع خوخة عبر الفيسبوك، بعد أن بقيت مدة طويلة أتابع كتاباتها في ذلك الفضاء. استرعى انتباهي طريقة رؤيتها لذاتها وللأشياء وللآخر والعالم، فهي بنت فصيحة وحادة ومباشرة وقد يتراءى لك أنها شخص غير خجول.. لكنها كذلك في الواقع. طلبت رقم هاتفها والإذن بلقائها فوافقت وكنت حينها سعيدًا لأنني سأتحدث إلى هذه الشخصية التي تابعتها طويلًا وقرأت لها الكثير مما ظهر من الأسطر ومما خفي. وسأقدم لكم وصفًا لما انطبع في ذهني من خوخة.

أولًا خوخة إنسان أنيق. التقيته أول مرة في شارع الحرية بلافايات، وكنت أقف في ناصية الشارع أنظر إلى المارة علّي أتفحص وجهها وهي قادمة، كما لو أني في أول موعد غرامي مع فتاة. لمحتها قادمة وهي تمشي الهوينى، تلبس قبعة خشنة بالوبر ونظارات جميلة ولحية مسرحة بشكل جيد ومعطفًا، قلت لها إنه "لستالين أيام الاتحاد السوفييتي" فهو يشبه تلك المعاطف التي كان الروس يلبسونها في ستالينغراد. طبعًا كان لون سروالها متماشيًا مع بقية لباسها.. وحتى الحذاء كان ضمن تلك السلاسة الأنيقة التي طبعت البنت اللطيفة.

اقرأ/ي أيضًا: المثليون في تونس.. هل تأتي المحكمة الدستورية بالجديد؟

خوخة إنسان له وجه رجل وأنامل أنثى (فيسبوك)

جلست قبالتي بابتسامة خجولة: خدها مكوّر تعلوه حمرة واضحة، ابتسامة تريد أن تنتهي لكنها عاجزة عن ذلك. نظرت إلى إبهامها وسبّابتها لبرهة ثم نظرت إلي وقد أعدت الكلمات التي ستقولها "لباس عليك؟".. ثم أنزلت عينيها إلى سطح الطاولة بينما كنت أجهز إجابتي التي يعرفها الجميع تقريبًا: "أنا هادئ". كانت أولى مهامي في الحوار مع خوخة هي صرف نظرها عن المحيط والتركيز معي، وهو أمر ليس بهيّن لأننا كنا نجلس في طاولة على الرصيف أين يمر الناس جيئة وذهابًا. فخوخة من الفتيات اللاتي بدأن مؤخرًا في قبول فكرة التعايش مع العالم المحيط بمزاج رائق دون غضب أو توتر أو عصبية جراء نظرة الناس المزدرية لها.. وقد أعلنت عن ذلك مرارًا في صفحتها على فيسبوك وصرحت بذلك لي أيضًا.

ـ حدثيني عن طفولتك..

ـ ولدت في عائلة محافظة. الكل محافظ في عائلتنا

ـ هل أنت محافظة؟

ـ ربما

ـ كيف كانت طفولتك؟

ـ عادية، إلى أن اكتشفت أنا.. واكتشف الناس من حولي ميلي إلى اللعب بألعاب البنات والرسم وارتداء ملابس أمي وإخوتي البنات. في البداية كان الجميع يعتبر ذلك أمرًا عاديًا بحكم صغر سني، لكن ذلك استمر معي حتى عند دخول المرحلة الإعدادية. وفي تلك المرحلة بدأت قصة طويلة من المعاناة.

ـ معاناة؟

ـ نعم، الجميع كان يزدريني. مظهري ليس كمظهرهم وسلوكي ليس كسلوكهم وميولاتي وذوقي وطريقة لباسي ومشيتي وكلامي وأفكاري وأصدقائي و"هبلاتي"... كل تلك الأشياء التي تشكل تفاصيل حياة الإنسان.. كلها ليست مثلهم. أنا لست مثل هؤلاء، وأشارت بيدها إلى الناس، ونحن شعب له حساسية عالية من الاختلاف.

ـ هل اعتدى عليك شخص بالضرب؟

ـ نعم كثيرًا.. وبطرق مختلفة.. لنتحدث في شيء آخر...

كانت رأسي تعج بأسئلة أخرى قد تكون محرجة لخوخة، لكني فضلت أن أطاوعها في الحديث في شيء آخر. كادت البديهة الصحفية أن تغيب عن ذهني لولا تدخل النادل في آخر لحظة منقذًا الموقف: "ماذا تطلبان؟". طلبت أنا قهوة إكسبراس وطلبت خوخة شيئًا باردًا.. "كوكا كولا".

في الأثناء سألت خوخة عن صديقاتها وعن عالمها الراهن. منزلها وطبخها وعملها وفسحتها وزياراتها وربما حبيبها، ولا أتذكر كيف انزلق حديثنا إلى حياتها الحميمية. لم أزر بيتها في الحقيقة، لكن حسب حديثها المقتضب فبيتها يحوي غرفة نوم مميزة، بشكل أو بآخر لكنها مميزة. ومطبخًا فيه بعض الألوان.. ربما.. وكانت خوخة قد درست الإشهار والتصميم في المدرسة العليا لعلوم وتكنولوجيا التصميم، وتشتغل الآن في التصميم الخطي والفنون البصرية ولها نشاط في تكوين بعض النشطاء الجدد في الجنسيات والجندريات.

تكره خوخة تناول الطعام لوحدها. ولها العديد من النوادر في الطعام، فهي من محبي اللبلابي بالهرقمة، لكن البعض من أصدقائها وصديقاتها لا يحبونه فتضطر في أحيان كثيرة للأكل لوحدها.. كنت قد وعدتها بالذهاب معًا لتناول اللبلابي بالهرقمة وسوف نقوم بذلك في أٌقرب فرصة والأكيد قبل نشر هذه المقالة.

تقول خوخة كلامًا غريبًا.. أو قد يظهر غريبًا لكنه حقيقي.. حقيقي جدًا. تقول مثلًا "لباسي عند الخروج إلى الشارع يجب أن يكون لباسًا عاديًا، وأقصد بعادي هنا هو أن لا يعتبره الناس غريبًا على الأقل. أفعل ذلك كي أتخفى.. أنا ألبس مثل الناس كي أتنكّر".

خوخة إنسان له قسمات وجه رجل وعيون أنثى جميلة وأنامل شابة في أواخر عقدها الثاني

أتذكر أن ميشيل فوكو قد تحدث عن هذا من قبل، وكيف أن الرمز أصبح ملكًا للسلطة، هي التي تتحكم فيه، ومن خلاله تتحكم في وعي وأفكار ومخيال الملايين من الناس. لقد اكتشفت خوخة بطريقة عفوية تلك القاعدة التي عبر عنها فوكو، لقد تفطنت إلى أن ارتداء ملابس مثل الآخرين قد يخفيها عن أعين أبناء هذا الوطن القابع في سجون التراث رغم ثراء هذا التراث. ورغم محاولات خوخة التمرد على هذا الواقع الذي يخنقها ويدفعها إلى تقمص شخصيات أخرى قد لا تشبهها لمجرد ذهابها إلى مطعم اللبلابي المفضل لديها، إلا أنها خضعت إلى ذلك الواقع بكامل وعيها المتمرد.. فما أصعب أن تجبر على اختيار منفاك لتغترب فيه وأنت لا تعرف متى سينتهي المنفى.

لا تخفي خوخة ميولاتها في اختيار شريكها في الفراش. لقد عبرت لي عن ذلك، بل ودققت في الأمر وهي تعرف جيدًا أوصاف الشخص الذي تميل إليه.. والمعذرة قد يكون ذلك سرًا لذلك سأحتفظ بتلك الأوصاف.. لكن صدقوني، الظاهر أن لها ذوقًا رفيعًا ولن يتوقع أي منكم إلى ماذا تميل خوخة.

لم تولد خوخة امرأة ولم تتحول إلى امرأة.. هي إنسان له قسمات وجه رجل وعينا أنثى جميلة وأنامل شابة في أواخر عقدها الثاني ومشية هادئة ومتمايلة. قالت لي في أحد الأيام "عندما أمشي أثير الانتباه. أحاول دائمًا تقليد مشية الناس لكنني لا أعرف كيف أتقمصها، تعبت من ذلك إلى أن اقتنعت أن مشيتي هي الأجمل". وفي الحقيقة ليست مشية خوخة فقط هي التي تثير الانتباه، فلخوخة كاريزما من نوع خاص، ربما متأتية من ذكائها الحاد وربما من الطاقة التي تحوم حول جسدها في الفضاء العام.

يجب أن أقفل هذه المقالة مخافة أن أطيل عليكم، لكن تيقنوا أن لي الكثير من الحكايا الأخرى عن خوخة. فقط كانت هذه بسطة حول ما يمكن أن تجدوه عند "خليل العياري".. ولكل قارئ أن يتساءل أو يعلق كما شاء وكيفما شاء لكني أترجى كل قارئ أن يفكر قليلًا قبل أن يقول أي شيء.. فحكايتي مع خوخة جعلتني أفكر في أن المشي على يسار العالم أمر ممكن.. ممكن بالفعل.

[[{"fid":"98764","view_mode":"default","fields":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":"خوخة مع كاتب المقال","field_file_image_title_text[und][0][value]":"خوخة مع كاتب المقال"},"type":"media","field_deltas":{"1":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":"خوخة مع كاتب المقال","field_file_image_title_text[und][0][value]":"خوخة مع كاتب المقال"}},"link_text":null,"attributes":{"alt":"خوخة مع كاتب المقال","title":"خوخة مع كاتب المقال","height":375,"width":500,"class":"media-element file-default","data-delta":"1"}}]]

خوخة مع كاتب المقال

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تصفيح الفتيات في تونس.. العلاقة بين الحائط والخيط

جدل المثلية الجنسية متواصل في تونس