تونس: تحوّلات السياسة وملامح تفكّك الدولة

تونس: تحوّلات السياسة وملامح تفكّك الدولة

عرفت البلاد انحدارًا تجاوزت آثاره استهداف الديمقراطية إلى مؤشرات تهديد الدولة من عوامل التفكّك

 

شهدت تونس مع الثورة ومع سقف الحريّة الذي رفعه الانتفاض المواطني عاليًا ثلاثَ محطّات انتخابيّة كبرى مثّلت منعرجات مهمّة في مسار بناء الديمقراطيّة. فإذا كانت انتخابات 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2011 تدشينًا لتجربة تأسيسيّة لم تبلغ مداها، جاءت انتخابات 2014 خروجًا عن هذه التجربة إلى مرحلة انتقال ديمقراطي ارتبطت بعودة القديم وفوزه بالانتخابات التي مكّنته من الهيمنة على الرئاسات الثلاث. 

وهي هيمنة لم تمنع من انطلاق عمليّة توافق لم ترق إلى منزلة تسوية تاريخيّة بين القوى الأساسية الفاعلة في المشهد السياسي الجديد. ولكنّها مكّنت من تواصل مسار بناء الديمقراطيّة رغم ما يواجهه من عقبات. وأمّا المحطّة الثالثة فقد عرفت انطلاقتها مع انتخابات 2019 ومعها عرفت البلاد انحدارًا تجاوزت آثاره استهداف الديمقراطيّة إلى مؤشرات غير مطمئنة تنبّه إلى ما قد يتهدّد الدولة من عوامل التفكّك في ظل الشروط الحاليّة.

بعد انتخابات 2019، عرفت البلاد انحدارًا تجاوزت آثاره استهداف الديمقراطية إلى مؤشرات غير مطمئنة تنبّه إلى ما قد يتهدّد الدولة من عوامل التفكّك

الصراع السياسي وعناوينه الأولى    

تمثّل المحطّات الكبرى التي أشرنا إليها علامات مساعدة في رصد تحوّلات المشهد وطبيعة الصراع والقوى الفاعلة فيه. ففي مرحلة التأسيس كانت ثنائيّة ثورة/نظام قادرة على تغطية المشهد السياسي والتعبير عن التوجّه العام إلى بناء تجربة جديدة على أنقاض الاستبداد. ولم يكن هناك انتباه إلى تعقيدات النظام السياسي ومستوياته المتعدّدة وعلاقته بالدولة واختلاف القوى المعبّرة عنه والمصالح المرتبطة به. مثلما لم يكن هناك انتباه إلى ما يشقّ قوى الثورة من اختلافات في طبيعتها وفي علاقتها بالحدث الجديد وفي علاقتها بالنظام الآفل. فقد كانت عبارة معارضة تغطّي على اختلافات جوهرية بين قوى متباينة جمعها عنوان الدفاع عن الحريّات العامّة والفرديّة والحاجة إلى إصلاحات سياسيّة طال تأجيلها.

لم تمض السنة الأولى من الثورة حتّى بدأت تبرز الاختلافات بين القوى المحسوبة على الثورة وتنكشف التعقيدات في مستوى النظام. فصار للثورة أهلها، ومحسوبون عليها، وراكبوها. وأصبح للنظام أزلامه وسيستامه ودولته العميقة، وتبيّن أنّ قطع الرأس لم يُفْضِ إلى خُمود بقيّة الجسم.   

في هذه الأثناء برزت ثنائيّة قديم/جديد لتعبّر عن هذه التحوّلات الجديدة مع انتباه إلى ما في حدود القديم والجديد من عدم استقرار أبانت عنه مواقف القوى السياسيّة من مستجدّات الحياة السياسيّة المتسارعة، وكانت الانتخابات التأسيسيّة في 2011 ونتائجها السياسيّة أهمّ المحطّات.

في مرحلة التأسيس كانت ثنائيّة ثورة/نظام قادرة على تغطية المشهد السياسي والتعبير عن التوجّه العام إلى بناء تجربة جديدة على أنقاض الاستبداد

ولئن مثّلت صيغة الترويكا نتيجة لتوجّه مهمّ في فرز سياسي على قاعدة مشروع وطني تبلورت ملامحه الأولى مع حركة 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2005، فإنّ فرزًا هوويًّا كامنًا أطلّ برأسه منذ الجلسة الأولى للمجلس الوطني التأسيسي، وامتدّ إلى مُجمل المشهد السياسي ليغطّي على تجربة الترويكا ويجعل منها تفصيلاً في صراع هووي طمس التجربة السياسيّة الأولى من نوعها في تونس ومحيطها وقسّم، لأوّل مرّة، القوى المحسوبة على الثورة. ومالَ، مَنْ اعتبر منها الانتخابات جرحًا، إلى القديم. ولم يتردّد في الالتقاء به على قاعدة "النمط المجتمعي التونسي" المهدَّد. 

وعلى هذا الأساس بنى القديم، بمساعدة من قوى من الجديد، واجهته السياسيّة "نداء تونس". وعرف المشهد، مع عمليّتي الاغتيال السياسي، توتّرًا عاليًا ضاعفته التحولات الإقليميّة، وفي مقدّمتها الانقلاب الدموي على ثورة 25 يناير. وتوقّف المسار التأسيسي، وكان الحوار الوطني مقدّمة لمرحلة جديدة هي مرحلة الانتقال الديمقراطي. 

سياسة التوافق: السياق والمكوّنات 

من مفارقات الصراع السياسي في تونس أنّ نتائجه السياسية بما هي مواقف وعلاقات واصطفافات ليست من جنس عناوينه، في الغالب. فالسياق الذي أفضى إلى ما سيُعرف بسياسة التوافق كان موسومًا بالصراع بين النداء والنهضة.

فالباجي قائد السبسي أقام كيانه السياسي وبرنامجه الانتخابي في الرئاسيّة والتشريعيّة على مواجهة النهضة وطبيعتها المخالفة لنمط المجتمع التونسي، مثلما يردّد أهل النمط. 

وصار هذا أحد مكوّنات سرديّة القديم العائد. ولكنّه، ورغم فوز حزبه بالرئاسات الثلاث، انتهى إلى الحكم مع النهضة ونفض يده ممّن جعلهم سلّمًا للصعود. وليس بعيدًا منه مآل الانتخابات في 2019. فهي، برغم مزاجها العام المنتصر للثورة ولاستكمال مسارها الديمقراطي، فإنّ أطوار تشكيل الحكومات، بداية من حكومة الجملي وانتهاء بحكومة المشيشي، تكشف عن بروز اتجاه واضح يستهدف الديمقراطيّة ومسارها ومنظومتها الحزبيّة. وأنّ ما يتصاعد من توتّر بين الجهازين التنفيذي والتشريعي دليل عليه. 

في 2014، هناك نتائج انتخابيّة وسياق موضوعي فرضا اللقاء بين النداء والنهضة، وإن اعتبر البعض أنّ التوافق كان في حقيقته صورة من لقاء باريس. وأيًّا كان الأمر، فإنّ ظروفًا موضوعيّة أفضت إلى هذه السياسة.

الرسالة السياسيّة الأقوى لانتخابات 2014 كانت الحاجة الملحّة إلى تسوية تاريخيّة في مواجهة انقسام هووي اجتماعي تطوّر إلى تجاور "نمطين مجتمعيين" تحت سقف سياسي واحد

ومن وجهة نظر أصول الانتقال الديمقراطي، فإنّ عوامل ثلاثة اجتمعت في السياق التونسي لم تجتمع في غيره من السياقات التي عرفت انتفاضًا مواطنيًّا وحركة باتجاه تأسيس الديمقراطيّة في مواجهة نظام الاستبداد العربي في مصر وليبيا واليمن وسوريا. 

ولئن انحرفت ثورتا سوريا واليمن إلى احتراب أهلي، لم يصمد في ليبيا الانتقال الديمقراطي الذي انطلق مع انتخابات المؤتمر الوطني العام، ولا في مصر مع الانتخابات البرلمانية والتشريعيّة. فاستحال الوضع في ليبيا إلى احتراب أهلي، وفي مصر أفضى الانقلاب العسكري على ثورة 25 يناير إلى دكتاتوريّة أقسى من نظام حسني مبارك وأبشع منه. وانتشرت ثنائيّة الثورة/الثورة المضادّة أداة لتفسير انقلاب ميزان القوى لفائدة نظام الاستبداد العربي الرافض للديمقراطيّة والمشاركة الشعبيّة ومرجعيّة القانون. 

في تونس، تواصل المسار الديمقراطي لعوامل ثلاثة: إجماع على فكرة الدولة، ووجود مؤسسة أمنيّة وعسكريّة بعيدة عن الصراع السياسي ومنفصلة عن رهاناته وتجاذباته، ولقاء بين قوتي الاعتدال من القديم والجديد. 

هذه العوامل أسعفت الانتقال الديمقراطي بالتواصل رغم ما واجهه من عقبات، ولكنّها لم تفض إلى تدشين تسوية تاريخيّة بين القوى الأساسيّة الفاعلة ولقاء على مشترك هو أساس المشروع الوطني.  

وكان مسار العدالة الانتقاليّة السياق الموضوعي لهذه التسوية، وهيئة الحقيقة والكرامة إطارها الطبيعي. ولكنّ أداء القوّتين الأساسيّتين النداء والنهضة خرج عن هذا السياق ولم يلتزم بإطار التسوية الطبيعي، فكان "قانون المصالحة" بمصادقة الحزبين عليه في مجلس نواب الشعب عملاً موازيًا لمسار العدالة الانتقاليّة وتجاوزًا لإطارها الطبيعي، هيئة الحقيقة والكرامة، التي عرفت انحرافات داخليّة أفضت إلى إجهاض التجربة.

انتخابات 2019  وبداية انحدار 

الرسالة السياسيّة الأقوى لانتخابات 2014 كانت الحاجة الملحّة إلى تسوية تاريخيّة في مواجهة انقسام هووي اجتماعي تطوّر إلى تجاور "نمطين مجتمعيين" تحت سقف سياسي واحد هو الدولة الوطنيّة. وتجاور النمطين شهادة ليست في صالح الدولة من جهة فشلها في "الدمج الاجتماعي". فقد تسلّمت مجتمعًا متجانسًا مذهبيًّا وإثنيًّا لم تجد صعوبة في تذويب هويّات انتظامه التقليديّة (القبيلة، العرش)، وتعثّرت في تخطّي الانقسام الاجتماعي الموروث عن عهد البايات والمرحلة الاستعماريّة. وبقدر احتفائها بـ"مجتمعها المدني" الوليد تركت المجتمع الأهلي لمصيره. 

في 2019، لم تعد الثنائيات التقليديّة من قبيل القديم والجديد، والثورة والثورة المضادّة، والمنظومة القديمة قادرة على تغطية كلّ المشهد السياسي وتعقيداته وتفسير تحوّلاته

في 2019، تكررت المفارقة بين نتيجة الانتخابات ومحصولها السياسي. فقد اعتبرت الانتخابات التشريعيّة تفوّقًا واضحًا لـ"قوى الثورة"، في حين اعتبرت الانتخابات الرئاسيّة انتصارًا تاريخيًّا حاسمًا للقيم والأخلاق في مواجهة نزعة مفيوزيّة سليلة المنظومة تبحث لها عن واجهة سياسيّة. ولكنّ الأهمّ من كلّ ذلك ما كان من حركة مضادّة لما عرفه المشهد في 2014، فقد اضمحلّ أحد قوّتي الاعتدال (نداء تونس) وضعف المكوّن الثاني (النهضة)، وسُجّل صعود واضح لطرفي التشدّد من الجهتين (الائتلاف، الدستوري الحر)، إلى جانب محاولات غريبة لإدخال المؤسسة الأمنيّة والعسكريّة في التجاذب السياسي من قبل رئيس الجمهوريّة. 

منذ الشروع في تشكيل حكومة الجملي الأولى وانتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه، بدا جليًّا التعارض بين المزاج الشعبي الانتخابي والنتيجة السياسيّة للانتخابات. وقد كانت التقديرات السياسيّة تذهب إلى أنّ فوز القوى المحسوبة على الثورة بالانتخابات سيكون بمثابة "طقس عبور" تنجزه التجربة نحو الديمقراطيّة المستقرّة. ولكنّ اندلاع الخلافات بين مكونات هذا الصف في البرلمان والحكومة ثم في رئاسة الجمهوريّة، واستعصائها على الانضواء تحت برنامج إصلاحي يخفّف من ارتدادات الأزمة الماليّة الاقتصاديّة وتداعياتها السياسيّة على البلاد ويقلّص من مخاطرها الفعليّة على الدولة واستمرار دورها، دمّر كلّ هذا.

عرف المشهد، مع هذه المستجدّات تحولات، حقيقيّة على قاعدة العلاقة بالمسار الديمقراطي وبالمرجعيّة الديمقراطيّة. فلم تعد الثنائيات التقليديّة من قبيل القديم والجديد، والثورة والثورة المضادّة، والمنظومة القديمة قادرة على تغطية كلّ المشهد السياسي وتعقيداته وتفسير تحوّلاته. وتخارجت في غضون الأشهر الأخيرة ثلاث قوى أساسيّة نُجملها في عبارات ثلاث دون أي شحنة معياريّة هي: الديمقراطيّة والشعبويّة والفاشيّة. 

وهذه العناوين الثلاثة تصلح لأن تكون نموذجًا تفسيريًّا لمآل المسار الديمقراطي ومستقبل الدولة. ويمثّل مكوّن الديمقراطيّة كلّ القوى والأحزاب والمنظّمات التي تجعل من الثورة والدستور والديمقراطيّة مرجعيّة لها وتسلّم بنتائج الانتخابات السياسية وبالتداول السلمي على السلطة وبهدف استكمال المسار الديمقراطي وتطوير التجربة الديمقراطيّة، في حين يمثّل الدستوري الحرّ المكوّن الفاشي المؤسَّس على مناهضة الثورة والدستور وتمجيد الاستبداد والعمل على استعادته. ويمثّل الرئيس قيس سعيّد المكوّن الشعبوي بما هو رفض للانتظام الحزبي والنظام السياسي والديمقراطيّة التمثيليّة وأساسها القانوني. وشعبويّة هذا المكوّن في غموضه وسطحيّته، رغم ما يمدّه به تعثّر التجربة من مشروعيّة.

وفي ظلّ هذه القوى الثلاث أمكن التمييز بين ضربين من الصراع: صراع ديمقراطي وصراع يستهدف الديمقراطيّة. وساهم الخلط بين هذين المستويين من الصراع في إرباك المشهد ومضاعفة المخاطر التي باتت تهدّد لا المسار الديمقراطي فحسب وإنّما الدولة ومؤسساتها.

يمثّل قيس سعيّد المكوّن الشعبوي بما هو رفض للانتظام الحزبي والنظام السياسي والديمقراطيّة التمثيليّة وأساسها القانوني وشعبويّته في غموضه وسطحيّته

مخاطر حقيقيّة

ملامح التفكّك بدأت تظهر لمن دقّق النظر، وما بدأ يظهر منها يهدّد السلم الأهلي وأمن الأفراد والمؤسسات ومقوّمات العيش الدنيا واستمرار الدولة. وهذا ما لا يُنتبه إليه كثيرًا. فنُذُر التفكّك باتت واضحة ولها أكثر من مستوى ومن أهمّها: 

ـ الأزمة الماليّة الاقتصاديّة وتداعياتها السياسيّة والأزمة الصحيّة مع وباء الكورونا العائد، وغياب المقاربة الجادّة في مواجهتها. ونتيجته المباشرة وما يهدّد الدولة من خطر الإفلاس مع تعطّل جلّ محرّكات النمو من استثمار واستهلاك وتصدير. وإنّ ما يشار إليه من ارتفاع في مدّخرات البلاد من العملة الصعبة لا يعود إلى تقدّم في مستوى الإنتاج والتصدير أو إلى ما يضخّه عملتنا بالخارج من عملة وإنّما يُعزى إلى ما يُسرَّح من قروض بين الفينة والأخرى من قبل صندوق النقد الدولي خاصّة.       

ـ تواصل استهداف الديمقراطيّة من داخل مؤسسات الدولة وبأدواتها، في ظلّ غياب أهمّ المؤسسات التحكيميّة والمرجعيّة: المحكمة الدستوريّة. ويُعتبر هذا أخطر مقدّمات التفكّك. وقد تجسّد في استهداف علني ومباشر للمؤسسة الأصليّة مجلس نواب الشعب، دون ردود فعل حاسمة من قبل جلّ الأحزاب وبقيّة مؤسسات الدولة وفي مقدّمتها رئاسة الجمهوريّة. فصار تعطيل أعمال المجلس أقرب إلى أن يكون وجهة نظر. ولم يخرج مسعى سحب الثقة من رئيس المجلس عن هذا الهدف.   

ـ التجاذب السياسي الحادّ بين المؤسستين التشريعيّة والتنفيذيّة. وهو في حقيقته تجاذب للصلاحيات ما كان ليحدث لو كان هناك التزام بما يضبطه منها نصّ الدستور، وما تقتضيه مصلحة البلاد وما تمثّله المخاطر الفعليّة التي تهدّد تجربتها في بناء الديمقراطيّة.

تواصل استهداف الديمقراطيّة من داخل مؤسسات الدولة وبأدواتها، في ظلّ غياب أهمّ المؤسسات التحكيميّة والمرجعيّة: المحكمة الدستوريّة

وإنّ انخراط هذه المؤسسات السياديّة في التجاذب السياسي يضعف الثقة بالدولة ويشكّك بدورها. فرئاسة الجمهوريّة تمثّل جهة تحكيميّة مهمّة وعنوانًا جامعًا على ضوء ما يضبطه لها الدستور من مهامّ تتّصل بالسياسة الخارجيّة والديبلوماسيّة الاقتصاديّة والأمن القومي. لكنّها صارت اليوم جزءًا من المشكل. وأصبح رئيس الجمهوريّة في أدائه السياسي أشبه بزعيم حزبي لا حزب له. فليس أمامه إلاّ أن يستخدم مؤسسات الدولة في برنامج لم يُنتخب من أجله. وغلب على أداء رئيس مجلس النواب صفته الحزبيّة (رئيس حركة النهضة) على صفته التشريعيّة وتدخّله في صلاحيات ليست من صلاحيات مجلس النواب ورئاسته. 

ـ ضعف الأحزاب وهشاشة الثقافة الديمقراطيّة وضمور مرجعيّتها في أدائها السياسي، وهذا ما أعطى صورة سيّئة عنها وحمّلها كلّ تردّي المشهد، واستفحال الأزمة المركّبة، وعجز من فُوِّض منها عن المضيّ في الأدنى من السياسات وما تمّ الوعد به من إصلاح في الإدارة والاقتصاد والسياسة. 

ولا مستفيد من كلّ هذا إلاّ الفاشيّة التي ترى في هذا العجز شاهدًا على أحقيّة أطروحتها ومؤسسًا لشرعيّة حنينها إلى الاستبداد ودفاعها عن "إنجازاته". وأمّا المستفيد الثاني فهو الشعبويّة التي تجد في تعثّر المنظومة الحزبيّة وتناحر مكوّناتها دليلاً على مصداقية نقدها الجذري للديمقراطيّة التمثيليّة، بل قد يعطيها كلّ هذا مسوّغاً لكي تتمادى في خرقها للدستور ومنه استئثارها بعهدة التكليف وتعيين الوزراء في تحدّ قاس للأحزاب ولدورها وللنظام السياسي برمّته. وهو تحدّ سياسي متصاعد يكاد يصبح مع حكومة المشيشي المرتقبة تحدّيًا وجوديًّا.

ـ التوتّرات الاجتماعيّة المتصاعدة ولا سيّما التي في الهامش، وهي توترات تشير إلى حقيقة الانقسام الاجتماعي الذي كان سبباً في الثورة. وكان يُؤمّل رأبه تحت سقف الحريّة المعمّد وفي ظل المنظومة الديمقراطيّة. ورأبه لا يمكن أن يكون إلاّ ضمن إعادة بناء للدولة يمكّنها من مغادرة مركزيّتها لكي تغطّي كلّ المساحة الثقافيّة (مشترك وطني) وكلّ المساحة الاجتماعية (تنمية محليّة مستدامة)، وذلك هو عنوان المضمون الفعلي للمشروع الوطني المأمول.

        

اقرأ/ي أيضًا:

أنصار قيس سعيّد وخصومه.. التحول من النقيض إلى النقيض

عندما تُؤتى المنظومة الديمقراطيّة من داخلها