"ترهدين" و"تسكبين".. ماذا تعرف عن الغش والنفاق في اللهجة التونسية؟

تتعدّد روافد معجم الغش والنفاق في اللهجة التونسية (برتراند غاردال/Getty)

 

الغش والنفاق من أخطر العيوب التي يُرمى بها الخصوم عند السجال والشجار، وهما في الأصل ينتميان إلى باب اصطلاحيّ أوسع هو الكذب. ونظرًا إلى الصلة الوثيقة بين هذه المفردات والمجال التواصليّ الواسع والعميق، استنجدت اللغات بألفاظ شتّى تُجاورها دلاليًا، فعدّد المعجم العربي الفصيح عشرات المرادفات للغش والكذب والنفاق منها الخيانة، والدسيسة، والمخادعة، والمكر، والغدر والمخاتلة.

كان لهذا المعجم صدى واسعًا في اللهجة العامية التونسية، ولا عجب في ذلك فصلة الرحم اللسانية والثقافية بين الرافدين المحلّي والقومي ما تزال وثيقة رغم الاستئناس بلغات أخرى منها الفرنسية واليونانية والإسبانية وغيرها، يتّضح هذا الانفتاح من خلال النماذج التالية.

اقرأ/ي أيضًا: ماذا تعرف عن معجم العنف والتحقير والشتائم في اللهجة التونسيّة؟

من "الترهدين" الاجتماعي إلى "الترهدين" السياسي

من أكثر الكلمات صلة بالنفاق لفظة "تْرَهْدِينْ"، وهي مفردة جذرها رباعي (ر،ه،د،ن)، منه اشتُقَّ الفعل "يِتْرَهْدِنْ" والصفة المشبهة "رهدان" أو" رهدانة"، وهي تعني الإخفاء والإضمار والإيهام. ويكون "الترهدين" في الغالب الأعم مشفوعًا بسلوك أقرب إلى إظهار الضعف والمسكنة وعدم الفهم. ويبدو أنّ اللهجة التونسية قد استعارت هذه الكلمة من اللغة العربية الفصيحة، ففي المعجم الوسيط "الرُّهْدُنّةُ" و"الرهدون" والجمع "رهادن" وهو الجبان والأحمق، و"الرهدون" هو الكذاب، و"الرهدنة" تعني الإبطاء.

جاء في أحد الأمثال التونسيّة "تْرهدين النعجة (الشاة) ما يفهمو كان السارح (الراعي)"، وفي مواجهة نفاق "الرهدان" عادة ما يميل التونسيون إلى استعمال عبارة "يِزّي (يكفي) بلا ترهدين وجِيب الصحيح"

لم يكشف لنا هذا الشرح فقط الصلة بين "الترهدين" والكذب، إنما أبان كذلك عن بعض صفات "الرهدان"، فبطؤه في الإجابة عن الأسئلة تفضح إعراضه عن العفوية والتلقائية. وأمّا الحمق فمن علاماته الإيهام بجهل الأشياء التي تحيط به، وأمّا جبنه فيتكشف من خلاله تنكبه عن قول الصدق وتوخيه أسلوبًا في النطق والنظر والإيماءة أقرب إلى التذلّل، وهي حركات يمكن لمن خبر الناس وعرف طبائعهم أن يتفطّن إليها، فلا تنطلي عليه حيل "الرهدان".

وجاء في أحد الأمثال التونسيّة "تْرهدين النعجة (الشاة) ما يفهمو كان السارح (الراعي)"، وفي مواجهة نفاق "الرهدان" عادة ما يميل التونسيون إلى استعمال عبارة "يِزّي (يكفي) بلا ترهدين وجِيب الصحيح"، وقد حوّلها بعضهم إلى عنوان صفحة خاصّة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

ولئن بدت كلمة "ترهدين" ذات أصول أخلاقية واجتماعية وسلوكية، فقد استعملها بعض التونسيين بعد الثورة في مقام سياسيّ منتقدين عددًا من الشخصيات والأحزاب التي تتصف بـ"الترهدين السياسي".

"التدوهين" و"التبهنيس" و"التسكبين" أو القوة الناعمة

كلمة "تدوهين" من الجذر  الثلاثي (د،ه،ن) ومن مشتقاته "دوهان" و"دوهانة" و"يدوهن"، وهي كلمات تتوافق معجميًا في معاني الكذب والغش والنفاق مع كلمة "ترهدين"، كما تتفق معها في أصلها العربيّ الفصيح، فالمداهنة تعني في القاموس المحيط الملاينة والمداراة. لكن لو أعدنا النظر كرّة ثانية لتفطنّا إلى فُوَيْرِقٍ بسيط بين "الرهدان" و"الدوهان"، فالثاني يبدو أقدر على الحوار والتملّق وتزيين القبيح وتوظيف مهارته اللغوية، لذلك لم تقترن به صفة الجبن والجهل بقدر ما اقترنت به صفات التحيّل والخبث والدهاء.

الجامع، عمومًا، بين "التدوهين" و"التبهنيس" و"التسكبين" هو القدرة على كسب الودّ في المقامات العاطفية والاجتماعية والسياسية

"دوهان" و"رهدان" صفتان أقرب إلى الثبات، يمكن أن تلتصقا ببعض الأشخاص حتى تتحوّل إلى عنصر مساهم في تشكيل هويتهم ومقامهم الاجتماعي. في المقابل، يستعمل التونسيون كلمة "بهناس" في معنى الكذب والتحيل، ولكن بشحنة أدنى خطورة في المدة والحدّة، فكلمة "بهناس" تعني الإيهام والإضمار بأسلوب لا يخلو من التهكم و"الضمار" ( الفكاهة). والناظر في المعاجم العربية وغيرها واجد أنّ أقرب الروافد إلى كلمة "بهناس" هو ما جاء في القاموس المحيط "بهنس في مشيته تبختر"، وفي معاجم أخرى جمل بهنس وبُهانس أي ذلول. ويوحي هذا الشرح أنّ التونسيين قد أخذوا من المعنى الأصلي صفة الالتواء في الخطاب والإلغاز وعدم الوضوح، لكن الثابت في كل هذا أنّ "التردهين" و"التدوهين" سلوك دائم متواتر بيد أن التبهنيس سلوك آنيٌّ ظرفيّ.

اقرأ/ي أيضًا: كيف بات يفهم التونسيون كلمة "جبل" في السنوات الأخيرة؟

 ومن الكلمات الشبيهة بـ"التبهنيس" لفظ "التسكبين"، غير أنّ هذه الكلمة مشحونة أكثر من غيرها بمعنى المسكنة والمذلة والهوان، إذ ينحو "السكبان" أو "السكبانة" هذا المنحى رغبة في الاندساس والتغلل. لم يسعفنا البحث المعجمي إلى إدراك الأصل الذي منه اشتق التونسيون كلمة "تسكبين"، ولكن الأقرب إلى الظن أن تكون الكلمة مأخوذة من فعل سكب أي صبّ، فالجامع بين سكب الماء و "السكبان" هو السريان السريع، هذا ماءٌ يفلت من بين فروج الأصابع وذلك متحيّل يتوغل بين الفرق والحشود والفصائل.

والجامع، عمومًا، بين "التدوهين" و"التبهنيس" و"التسكبين" هو القدرة على كسب الودّ في المقامات العاطفية والاجتماعية والسياسية، فهذا السلوك أشبه بالقوة المؤثرة الناعمة التي تتيح لصاحبها اختراق الأنفس والأذهان.

"يمسكي" و"يفلّم" وثنائية الإخفاء والاختلاق

لا يجد الباحث في الأصول المعجمية حرجًا في التفطّن إلى الرافد الفرنسي للكثير من الكلمات في اللهجة التونسية، ففي معاني الكذب والنفاق والغش تمّ توطين كلمات من قبيل "يْمسكي" و"يفلّم"، الأولى من فعل "Masquer" والثانية من الفعل "Filmer"، ولا حاجة إلى التذكير بالملابسات التاريخية والثقافيّة والسياسيّة التي جعلت التونسيين يستأنسون باللغة الفرنسية في خطاباتهم اليوميّة، فقد عالجنا هذه المسألة في مقال سابق، لكنّ ما يهمّنا في هذا المقام هو المسافة الدلالية بين "يْمسكي" و"يْفلم"، فالأولى تعني الإخفاء والثانية تعني الاختلاق.

ورغم تباين المعنى، فإنّ المقام واحد أي الكذب، فالإخفاء أو السكوت عن الحقيقة أي "التمسكية" شعبة من شعب الكذب والغش لا تقل خطورة عن التزييف والتضليل والتزوير والافتراء، أي "التفليم"، غير أنّ "التفليم" في اللهجة التونسية عادة ما يكون مشحونًا فضلًا عن دلالته الأصلية بمعاني النرجسية والتباهي بين الأتراب والأقران. واللافت أن فعليْ "يمسكي" و"يفلّم" يتواتران في الملفوظ الشبابيّ، ويقلّ حضورهما في لغة الكهول، ويختفيان في خطاب الشيوخ، ممّا يعطي للغة التونسية تشقيقًا عُمُريًا يُعاضد ألوانًا أخرى من التصنيف.

"التزفليت" الإغريقي

"تزفليت" هي من الألفاظ الدالة على الكذب والغش والتمويه في اللهجة التونسية، ومصدر هذه الكلمة يوناني، فقد أقرّ إبراهيم بن مراد، الجامعي التونسي والباحث في المعجمية، أنّ الفعل "زفلت" والصفة "زفلات" محرّفان من فعل آخر مستعمل في العربية الحديثة هو "سفسط" ومعناه كذب وغالط، وهو مشتق حسب رأيه من "السفسطة" الكلمة المعربة من اليونانية "Sophistike" التي ترجمها القدماء بمصطلح "سوفسوطيقا" و"سفسطة" وهي المغالطة أو "الحكمة المموهة".

تنوع روافد معجم الكذب والنفاق في اللهجة اللتونسية فهي عربية وفرنسية وإغريقية، وعلى هذا النحو يمكن تصنيفها إلى مصادر شرقية وغربية

تبعًا لهذا التفسير/ حقّ القول إنّ "الزفلات" يعمد إلى نفس الأسلوب الذي يتوخاه السفسطائيون، إذ يعرض حججا تنهض بوظيفة إقناعية غير أنّها تنطوي على الكثير من المغالطات.

من خلال هذا العرض التحليليّ ننتهي إلى نتيجتين: الأولى تتّصل بتنوع روافد معجم الكذب والنفاق، فهي عربية وفرنسية وإغريقية، وعلى هذا النحو يمكن تصنيفها إلى مصادر شرقية وغربية، قديمة وحديثة، مما يؤكّد على سمتين للهجة التونسية سمة الانفتاح وسمة التجدّد، فهي لهجة لا تكفّ عن التوليد المعجمي والاشتقاقي توليدًا يبلغ أحيانًا درجة الإبداع.

وترتبط النتيجة الثانية بعقرية اللهجة التونسية في التعبير عن دلالة الكذب والغش، فهي لا تنقل المعنى فقط، إنما تكشف لنا ضمنيًا عن قرائن تفضح صفات الغشاش وملامحه وتبرز مهاراته، فكلمات من قبيل "الترهدين"، و"التسكبين"، و"التبهنيس"، و"التفليم" و"التزفليت" تؤكّد أن الغشّ ليس مجرد تزييف للواقع إنما هو سلوك شديد التعقيد يقتضي كفاءات استثنائية في الإيهام والتمويه والتجسيد الشبيه أحيانًا بالفعل المسرحي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الوحلة في الكحلة أما البيضة خذات راجل".. إرث العنصرية في الأمثال التونسية

من القفة إلى الملوخيّة ...المطابخ التونسية بنكهة سياسية