04-نوفمبر-2019

قطاع واعد في إطار تنويع المنتوج السياحي التونسي (صفحة جمعية جالطة للبيئة و السياحة الايكولوجية)

 

تعتبر السياحة الشاطئيّة العماد الأساسي للقطاع السياحي في تونس الذي يمثل أكثر من 7 في المائة من الناتج الداخلي الخام، فيما يوفر 400 ألف شغل قار وفق أرقام رسمية، ولكن السياحة الشاطئية هي موسميّة تشهد إقبالًا من التونسيين والأجانب في فصل الصيف تحديدًا. وتشير إحصائيات وزارة السياحة لتسجيل 8 مليون سائح عام 2018 مع تحديد توقعات ببلوغ 9 مليون سائح بنهاية عام 2019.

بدأ الانتباه بعد الثورة في تونس وتحديدًا في الجهات الداخليّة إلى السياحة الأيكولوجيّة أي السياحة الخضراء التي تراعي البيئة والعناصر الطبيعيّة

وبدأ الانتباه، في الأثناء بعد الثورة وتحديدًا في الجهات الداخليّة، إلى السياحة الأيكولوجيّة أي السياحة الخضراء التي تراعي البيئة والمياه والطاقة والعناصر الطبيعيّة. وكان قد بيّنت وزارة السياحة أن هذا النوع يأتي في إطار تنويع المنتوج السياحي، وبيّن مسؤول في الوزارة، في تصريح إعلامي سابق، أن التفكير في هذا المنتوج بدأ منذ منتصف التسعينيات مبينًا أن البنك الدولي نفسه تقدّم بتوصية في عام 2000 بضرورة تنويع المنتوجات السياحية كي يتجاوز القطاع أزمته الموسميّة على اعتبار أن السياحة الشاطئية هي سياحة موسميّة.

التقى "ألترا تونس"، في هذا الجانب، بمسؤولين في جمعيات تشتغل في مجال السياحة الأيكولوجيّة: جمعية "نحن نغيّر" التي تنشط بمنطقة برقو من ولاية سليانة وجمعية "جالطة للبيئة والسياحة الأيكولوجية".

شاهد/ي أيضًا: فيديو: الرحلات الجبلية في تونس.. استكشاف ورياضة

نحو ثقافة سياحيّة واعية وبديلة

يعتبر رئيس جمعية "نحن نغيّر" حمزة الصامتي أنّ السياحة الإيكولوجيّة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتنمية العادلة بالشمال الغربي بل يذهب إلى أكثر من هذا قائلًا: "لا مواطنة دون تنمية عادلة تشرّك جميع الفئات الاجتماعيّة". وواصل حديثه أنّ السياحة الإيكولوجية هي مقاربة مبنيّة على مبادئ التنمية المستدامة، وبينّ أنه ينشط من أجل تحقيق هذه التنمية في منطقته المعروفة بهشاشة نظمها الاقتصادية والاجتماعية.

 في نفس السياق، يرى الفاعلون في جمعية جالطة للبيئة والسياحة الأيكولوجية، التّي يترأسها زهير البجاوي، أنّ الأهداف الرئيسية من نشاطهم هي دعم السياحة الإيكولوجية والبيئية بمنطقة "غزالة" من ولاية بنزرت، إلى جانب المساهمة في تنمية اقتصاد المناطق الريفيّة المجاورة لمنطقة الغزالة.

تهدف السياحة الأيكولوجية إلى تنمية اقتصاد المناطق الريفيّة (صفحة جمعية "نحن نغيّر")

 

وتعمل الجمعية على توظيف هذا النوع من السياحة في خدمة البيئة محليًا لتحقيق تنمية عادلة وذلك بالعمل على تنمية قدرات المتساكنين المحلييّن، لتحسين ظروف العيش والتشجيع على الاستثمار في المجال البيئي والفلاحي بمنطقة الغزالة وبشتّى المناطق الريفيّة المجاورة.

ويصف الصامتي، في سياق متصل، السياحة الإيكولوجيّة بأنها "سياحة هادفة ومسؤولة" مبينًا أنها تستهدف ثلاث فئات اجتماعية هي السكّان المحلييّن من حرفيين، والزوّار من مستكشفين تونسيين وأجانب إضافة إلى الفاعلين المحليين مثل الدليل السياحي والناشطين في المجتمع المدني المحلي.

حمزة الصامتي (نحن نغيّر): السياحة الإيكولوجيّة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتنمية العادلة بالشمال الغربي وهي سياحة هادفة ومسؤولة

ويؤكدّ لـ"ألترا تونس" على السعي الدائم لجمعية "نحن نغيّر" لتشريك السكان المحليين في منطقة "برقو" لإنجاح المشاريع التّي تعود بالفائدة على المجتمع المحلّي وتدهش الزائرين و السائحين وفق تعبيره. وأشار أنه يتم، على المستوى النظري، تنظيم دورات تكوينيّة للمرشدين السياحيين وتوعيتهم وتكوين الدليل السياحي في ما يخصّ الإسعافات الأوليّة والنزهات الجبليّة وتخطيط المسالك الجبليّة، إضافة لاكتشاف عيون و ينابيع المياه المعدنيّة مثل "عين بوسعديّة" وتهييئة المسالك الجبليّة ببرقو.

وبين محدثنا أنّ أنشطة الفاعلين تعتمد على خصائص محدّدة مثل تثمين الحفاظ على البيئة والوعي بإمكانات السياحة البيئية التي تلبي معايير التنمية المستدامة (مكافحة التصحر، والقيام بحملات نظافة إلخ)، وكذلك توعية السكان المحلييّن والسائحين بقضايا البيئة.

زهير البجاوي (جمعية جالطة للبيئة والسياحة الأيكولوجية): العمل على السياحة الأيكولوجيّة يمرّ عبر التعريف بالموارد الطبيعيّة للمناطق

ويفتح تنوّع الموارد الطبيعيّة المجال لممارسة مجموعة واسعة من الأنشطة مثل تأمل الطبيعة، والمشي لمسافات طويلة، والرياضة، والتخييّم والسياحة الزراعية. وأوضح رئيس جمعية "نحن نغيّر" أنه عادة ما تطلق الجمعيات المحلية مبادرات السياحة الأيكولوجيّة ثمّ يتولى الشباب الفاعل والناشط في برقو الإشراف على هذه المبادرات وتشجيعها بواسطة منظمات عالمية.

كما يرى زهير البجاوي أنّ العمل على السياحة الأيكولوجيّة يمرّ عبر التعريف بالموارد الطبيعيّة للمنطقة والتنسيق المباشر مع الجمعيات والمنظمات ومرافقة المجموعات التّي تنظّم الزيارات الموجّهة للمواقع السياحيّة الطبيعيّة مثل "وادي الزيتون" بمنطقة البلالمة.

وأفادنا رئيس جمعية "جالطة للبيئة والسياحة الإيكولوجية" أن هذه المنطقة جبليّة تُعرف بنسبة فقر مرتفعة وبالظروف الاجتماعية المتردية رغم ما تمتلكه من موارد طبيعية قادرة على النهوض بالتنمية وبالمستوى المعيشي بها. وأكد على سعي الجمعية للتعريف بالمسالك الطبيعية السياحيّة وتسهيل النفاذ إليها وتنظيمها وتأطيرها مع الحفاظ على مكوّناتها.

بين الطموح والعراقيل

بالنسبة للصعوبات التّي يعرفها الناشطون والمتدخلون في السياحة الإيكولوجيّة، صرّح لنا الفاعلون بجمعية "نحن نغيّر" برفض المؤسسّات المحليّة العموميّة لأيّ شكل من أشكال الشراكة مع الجمعيّات المحليّة، إذ لا تبدي هذه المؤسسات، وفق قولهم، أيّ دعم للمشاريع المتعلّقة بالسياحة الإيكولوجيّة ولا تسعى لتحفيز الفاعلين رغم المجهودات التّي يبذلونها للنهوض بالمناطق الداخلية المهمّشة اقتصاديًا واجتماعيًا.

 أكد الفاعلون في مجال السياحة الأيكولوجية على طموحهم من أجل تطوير آليات التمويل في قطاع السياحة البيئية وتكييفها مع برامج ومشاريع تحقٌّق التنمية بالجهات

في نفس الإطار، تحدث الناشطون في جمعية "جالطة للبيئة السياحة الإيكولوجية" لـ"ألترا تونس" عن هشاشة الوضع القانوني وغياب التّشريعات التّي تهمّ القطاع السياحي من طرف وزارة السياحة، إذ يرون أنّه من الضروري سنّ القوانين الضروريّة لتنظيم القطاع وضمان حيويته وديناميكيته، مع الأخذ بعين الاعتبار البعد البيئي وخصوصيات المجتمعات المحليّة التونسيّة. 

يشكو الفاعلون في السياحة الأيكولوجية من عدم تعاون المؤسسات العمومية

(صفحة جمعية "جالطة للبيئة والسياحة الأيكولوجية")

 

ويتّفق الفاعلون في مجال السياحة الأيكولوجية على بعض المعوقات الرئيسيّة مثل ضعف الجهود الترويجيّة، ونقص المعرفة بالأسواق المحليّة، إضافة إلى غياب الاستراتيجيات اللّازمة للترويج للمنتوجات المحليّة وغياب الوعي بقيمتها الغذائية والصحيّة.

من جهة أخرى، أكد هؤلاء الفاعلين، في حديثهم معنا، على طموحهم من أجل تطوير آليات التمويل في قطاع السياحة البيئية وتكييفها مع برامج ومشاريع تحقٌّق التنمية للجهات التّي ينشطون بها، وذلك انطلاقًا من هيكلة القطاع بما يتماشى مع متطلبات وحاجيات المجتمع المحليّ وتوحيد الجهود حتى لا يكون مجال الفعل منحصرًا في المبادرات الفرديّة.

اقرأ/ي أيضًا: الاستغوار: رياضة ترفيهية أم رحلة استكشافيّة داخل الكهوف؟

سياحة خضراء لمواجهة البطالة

تساهم السياحة الإيكولوجية، في الأثناء، في نشأة وعي فردي وجماعي وباحترام البيئة والطبيعة، كما تهتم بشكل خاصّ بتنمية المجتمع المحلي. كيف ذلك؟

يقول رئيس جمعية "نحن نغيّر" حمزة الصمتي لـ"ألترا تونس" إن السياحة الايكولوجيّة تمكّن الحرفيين من الترويج لمنتوجاتهم في كافة المجالات من غذاء، وترفيه، ولباس وإقامة بما يتلائم مع خصوصيّات منطقة برقو، وهي إنتاجات بيولوجيّة و صحيّة. وهو ما ساهم، وفق تأكيده، في التقليص من نسب البطالة خاصّة في صفوف النساء والشباب، إذ يوفّر المجتمع المحلي خدمات معيّنة للسائح بمقابل ماديّ غير مكلّف، وهي فرصة للترويج لمختلف الأنشطة الحرفيّة والإبداعيّة.

تساهم السياحة الأيكولوجية في الحفاظ على البيئة (صفحة "جمعية جالطة للبيئة والسياحة الأيكولوجية")

 

ويوضح محدثنا أن الإقامة المحلية مثلًا هي وسيلة جديدة لإيواء الزائرين والمستكشفين عبر منازل للضيافة مجهزّة بالأساسيّات وتتميّز بالبساطة، تتلاءم مع المناخ البارد والحارّ. وأضاف أنه يتم أثناء فترة الإقامة تقديم منتجات غذائيّة صحيّة متنوعة بدلًا عن المنتجات الاستهلاكية المصنّعة.

من جهته، يتحدث زهير البجاوي عن جمعية "جالطة للبيئة والسياحة الإيكولوجية" عن دور السياحة الأيكولوجية في التقليص من ظاهرة النزوح الريفي بمنطقة الغزالة، وذلك من خلال دفع اليدّ العاملة المحليّة للترويج لمنتوجاتها واستقبال السائحين والمستكشفين بالمنطقة، وهو ما يعزّز التضامن الاجتماعي فيما بينهم.

وقد تتداخل السياحة الثقافيّة مع السياحة الإيكولوجية، إذ تمنح السياحة الخضراء الفرصة لزائريها لاكتشاف بالموروث الثقافي للجهة، والاطلاع على نمط عيش سكانها، فهي تلخّص رؤية للحياة قوامها استغلال الموارد الطبيعيّة والحفاظ عليها.

في ضرورة تطوير السياحة الإيكولوجيّة

ينتهي الفاعلون في جمعية "نحن نغيّر"، في حديثهم لـ"ألترا تونس"، إلى أنّ نجاح السياحة الأيكولوجية في تونس مرتبط بتوحيد جهود المجتمع المدني المحلّي والوطني ومؤسسات الدّولة لتطوير هذا النوع من السياحة، وهو ما يعدّ ضروريًا على اعتبار تنوع رأس المال الطبيعي، والثراء الثقافي، وتوفر اليدّ العاملة المحليّة والمنتوجات الصحيّة في تونس.

يمكننا القول إجمالًا لما سلف إن السياحة البيئيّة لها مستقبل واعد كما يتنبأ الفاعلون الذين تحدثنا معهم، وهي دافع هامّ للتنمية المستدامة والمحافظة على الثروات الطبيعيّة والبيئيّة

ويقترح رئيس الجمعة حمزة الصمتي، في هذا الإطار، قيام باحثين بدراسة إمكانيات تطوير السياحة الإيكولوجيّة بشكل يتكامل مع التنميّة المحليّة ويعزّز الجهود المبذولة لخدمة هذا الصنف من السياحة.

يمكننا القول إجمالًا لما سلف إن السياحة البيئيّة لها مستقبل واعد كما يتنبأ الفاعلون الذين تحدثنا معهم، وهي دافع هامّ للتنمية المستدامة والمحافظة على الثروات الطبيعيّة والبيئيّة، خاصّة وأنّ القطاع يشهد تطوّرًا نوعيًا من حيث الأنشطة الممارسة. لكن على المستوى الكمّي، لازال القطاع يشهد إهمالًا من قبل مؤسسات الدّولة، في ظلّ انعدام القوانين المنظّمة للسياحة البديلة وتحفيزها.

وفي هذا الجانب، دعا زهير بجاوي رئيس جمعية "جالطة للبيئة والسياحة الأيكولوجية" الدّولة إلى دعم الجمعيات ذات الشأن البيئي والأيكولوجي ضمن عدالة وطنية تشمل جميع جهات البلاد التونسيّة، وفق قوله.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل يؤثر إفلاس "توماس كوك" على السياحة التونسية؟

رباط المنستير.. حصن دفاع ومزار عبادة وبوابة علم