24-ديسمبر-2022
قيس سعيّد ومكرم بنمنا

أصدر سعيّد مرسوم لجنة الصلح الجزائي في مارس 2022 ثم انتظر 8 أشهر ليصدر أمر تعيين أعضائها (لقاء سعيّد مع رئيس اللجنة مكرم بنمنا)

مقال رأي 

 

حينما كنت طالبًا في مادة القانون الدستوري فجر الثورة لدى المساعد في تدريس المادة قيس سعيّد، كان يحدثنا بإطناب عن مقترحه لتسوية ملفات الفساد المالي القائم على تكليف رجال الأعمال الأكثر فسادًا بتنمية المعتمدية الأقل تنمية وهكذا دواليك. بعد سنوات حينما أصبح رئيسًا للجمهورية، لم يتخلَّ سعيّد عن حلمه الطوباوي، بعد ما يزيد عن عقد كامل من الثورة التونسية، ومن تفاصيل معالجة هذا الملف قطعًا أن الرئيس يجهلها، وإلا لما أصدر، بعد انقلاب 25 جويلية/يوليو 2021، مرسوم لجنة الصلح الجزائي في مارس/آذار 2022، ثم انتظر 8 أشهر ليصدر أمر تعيين أعضائها في بداية ديسمبر/كانون الأول 2022. 

حين استقبال أعضاء اللجنة لأداء اليمين، الرئيس كان واضحًا: يريد استرجاع 13 ألف مليار دينار في ظرف 6 أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة لنفس المدة. الرئيس يعتقد أنه بصدد فتح "تاريخ جديد" كالعادة، وهذه المرة الفتح نحو مغارة علي بابا.

الرئيس يريد استرجاع 13 ألف مليار دينار في ظرف 6 أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة، هو يعتقد أنه بصدد فتح "تاريخ جديد" كالعادة، وهذه المرة الفتح نحو مغارة علي بابا

مرة أخرى، يتأكد أن رئيس الدولة منعزل تمامًا عن الواقع والتفاصيل، فهو دائمًا يعرض أفكاره "الوردية" ويظنّ أنها كفيلة بحلّ ملفات معقدة، لم تقدر حكومات وأجهزة على مدى سنوات طويلة على معالجتها بالشكل المطلوب. لا يُنكر أن الأمر يتعلق أحيانًا بإرادة سياسية، ولكن يتعلق، في الحقيقة، بالكثير من الظروف الموضوعية والتفاصيل والتعقيدات الإجرائية داخل تونس وخارجها. ملف استرجاع الأموال المنهوبة خبرته، قبل تونس، دول عرفت ثورات وانتفاضات على أنظمة فاسدة، والدرس المقدّم أن الملف لا يُحلّ بمجاملات دبلوماسية ولا فرقعات إعلامية ولا نوايا طيبة، بل يُحلّ بعمل قضائي ودبلوماسي احترافي ومعقّد، مع العلم أن النتيجة دائمًا دون المأمول لأن استرجاع كافة الأموال الموجودة بالخارج، بحسب التجارب المقارنة، هي عملية عسيرة جدًا بالنهاية. للأسف، لم تضع تونس بعد سقوط بن علي استراتيجية متكاملة لاسترجاع الأموال المنهوبة، وتكشف لنا الحصيلة السلبية حتى الآن، حقيقة الفشل التونسي في هذا الملف.

سعيّد، في المقابل، يسعى لتحقيق حلمه باسترجاع الأموال المنهوبة والمقدرة بحسبه بقيمة 13 مليار دينار بطريقة موغلة في الطوباوية ومنعزلة عن الواقعية، لم تتعظ من تجربة عشر سنوات، ولا تستلهم من التجارب الناجحة في العالم. إن الاطلاع على قانون الصلح الجزائي الذي أصدره الرئيس يكشف لنا عن هوة سحيقة بين ما يريد الرئيس وما يوجد في الواقع، والنتيجة، التي لا تحتاج لكثير من التقدير لمعرفتها، ستكون سلبية بالضرورة بعكس الانتظارات "العظيمة" للرئيس الذي يعد الشعب بجبل من أموال قد يغنيهم عن الاقتراض من صندوق النقد الدولي!

يسعى سعيّد لتحقيق حلمه باسترجاع الأموال المنهوبة بطريقة موغلة في الطوباوية ومنعزلة عن الواقعية، إذ أن قانون الصلح الجزائي يكشف عن هوة سحيقة بين ما يريد الرئيس وما يوجد في الواقع والنتيجة ستكون سلبية

يتحدث سعيّد عن قائمة لرجال الأعمال الفاسدين ومبلغ 13 مليار دينار، ويستند الرئيس دائمًا على تقرير لجنة مكافحة الفساد التي ترأسها المرحوم العميد عبد الفتاح عمر عام 2011، والحال أن الاطلاع على تقرير اللجنة المنشور لا يتضمن هكذا قائمة ولا تحديد هكذا مبلغ. دون ذلك، يتجاوز الرئيس حقيقة مرور 11 سنة كاملة على الأقل منذ سقوط بن علي: مئات الملفات القضائية في تونس وخارجها، قطب قضائي خاص بملفات الفساد المالي، تجربة 5 سنوات لآلية التحكيم بهيئة الحقيقة والكرامة في إطار العدالة الانتقالية، عشرات رجال الأعمال الذين توفوا أو تمت تسوية ملفاتهم، أحكام صادرة في القضاءين العدلي والإداري، هذه السنوات بتفاصيلها ودروسها في معالجة ملف الأموال المنهوبة لا نجد أي أثر لها في قانون الرئيس. 

لجنة الصلح الجزائي مكوّنة من 8 شخصيات معينين بصفتهم، يترأسها قاضٍ من الرتبة الثالثة، وقد اختار سعيّد لهذه المهمة "التاريخية" القاضي مكرم بنمنا، الذي كان يباشر قبيل تعيينه بالمحكمة الابتدائية بقرمبالية خارج العاصمة، ولا يُعرف له أي اطلاع طيلة مسيرته القضائية على ملفات الفساد المالي، فلم يباشر بالخصوص بالقطب القضائي المالي أو بالدوائر المتخصصة بالعاصمة على سبيل المثال، ولا تُعرف له حتى أي اهتمامات أكاديمية بهذا الملف المعقد. المعطى الوحيد الثابت أنه كان قاضيًا مباشرًا بمحكمة الاستئناف بنابل سنوات تولي وزيرة العدل الحالية رئاستها للمحكمة. 

يعتقد الرئيس أن مسألة استرجاع الأموال يسيرة وأن رجال الأعمال سيقفون صفوفًا أمام لجنته التي يعتقد أن بإمكانها معالجة جميع ملفات الفساد المالي وبالخصوص تعبئة الموارد المالية المتخيّل تجميعها

تتقاطع فكرة الصلح الجزائي في قانون سعيّد مع آلية التحكيم والمصالحة بقانون العدالة الانتقالية التي فشلت حصيلتها لأسباب متعددة منها ضعف أداء هيئة الحقيقة والكرامة وغياب الإرادة السياسية زمن حكومات "التوافق"، وعدم تعاون الجهات القضائية ومحدودية انخراط رجال الأعمال في هذه الآلية. يقترح سعيّد على رجال الأعمال، الذين هم محل تتبع قضائي بالخصوص، أن يقدموا مطالب صلح، إلى لجنة الصلح التي تتفاوض معهم حول قيمة المبالغ المالية الواجب دفعها، ليقع لاحقًا إبرام الصلح في حدود المبلغ المالي المستولى عليه أو قيمة المنفعة المتحصل عليها أو مقدار الضرر الذي طال المال العام مثلما تم تحديده من قبل اللجنة تضاف إليه نسبة 10% عن كل سنة من تاريخ حصول ذلك. وتوزع عائدات الصلح بتفصيل 80% لفائدة المعتمديات المنتفعة بالمشاريع التنموية حسب ترتيبها من الأكثر فقرًا إلى الأقل فقرًا، مع تخصيص بقية العائدات أساسًا لفائدة الشركات الأهلية التي استحدثها مؤخرًا رئيس الدولة. ويُحدث القانون لجنة أخرى هي لجنة متابعة تنفيذ اتفاقيات الصلح وإنجاز المشاريع بالجهات، وأما المقابل لطالب الصلح فهو إيقاف التتبع أو المحاكمة أو سقوط العقوبة بشأنه، وفي صورة عدم إتمام الصلح النهائي، يُستأنف التتبع أو المحاكمة أو تنفيذ العقوبة. 

يعتقد الرئيس أن المسألة يسيرة، وأن رجال الأعمال سيقفون صفوفًا أمام لجنته، وهو الذي يعرض عليهم صفقة جُربّت سابقًا وأثبتت أنها غير ناجعة، ولا يمكنها معالجة جميع ملفات الفساد المالي وبالخصوص تعبئة الموارد المالية المتخيّل تجميعها. للطرافة اعتمد قانون الرئيس آجالًا مختصرة، كتمكين لجنة الخبراء التي تساعد لجنة الصلح على تحديد قيمة الأموال الواجب دفعها من أجل 20 يومًا فقط لتقديم تقاريرها الفنية. في المقابل، تستلزم قضية عدلية بسيطة بين تاجرين فترة متسعة من الزمن لإعداد تقرير الاختبار القضائي أكثر مما يمنحه الرئيس لخبراء مهمتهم إعداد تقارير في ملفات معقدة تتقاطع فيها التشريعات الوطنية والأجنبية وأدوات التحويل المالي والتهرب الضريبي وغيرها من المسائل التي تستوجب خبرة فنية متمكنة. 

يعتقد سعيّد أن لجنة الصلح الجزائي ستتمكن من استرجاع 13 مليار دينار في ظرف أشهر أي ما يزيد عن ضعف مبلغ الاقتراض الموعود من صندوق النقد الدولي لتونس، هو  فصل جديد من فصول الأحلام الوردية للرئيس

في هذا الجانب، انتقد رئيس الدولة أداء القطب القضائي المالي في معالجة ملفات الفساد المالي، ولكن رئيس الدولة ينسى أنه لم يوفر الأدوات القانونية لقيام القطب بواجبه على أحسن وجه، وهو انتداب أعوان فنيين في اختصاصات المالية والمحاسبة وغيرها لمساعدة قضاة التحقيق بالخصوص على دراسة الملفات المالية المتشعبة. رئيس الدولة لم يستثمر في القطب القضائي المالي، بل يمنعه بموجب القانون الجديد من مواصلة النظر في الملفات التي يتقدم أصحابها بمطالب للجنة الصلح الجزائي، ويستحدث مسارًا جديدًا لمعالجة ملفات الفساد المالية. القطيعة هي كلمة السرّ في خيارات سعيّد خاصة بعد الانقلاب، فهو لا يؤمن إلا بما هو جديد، بحسب أفكاره وأحلامه، ولا يؤمن بالبناء والترميم على ما تم تحقيقه في سنوات ماضية.

يعتقد سعيّد أنه بحلول منتصف عام 2023 أو بنهاية العام، بحسب الآجال القصوى بقانونه، ستحقق لجنته ما عجز عنه قبله، أي أنها ستسترجع 13 مليار دينار في ظرف بضعة أشهر أي ما يزيد عن ضعف مبلغ الاقتراض الموعود من صندوق النقد الدولي لتونس. هو فصل جديد من فصول الأحلام الوردية للرئيس الذي يعتقد أنه بصدد تحقيق "صعود شاهق غير مسبوق في التاريخ". هو يحلم كما يشاء، ونحن، بالنهاية، سنظل نعاني كلفة هذه الأحلام السخيفة.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"