الحمّام التونسي وأساطير الذاكرة الشعبية

الحمّام التونسي وأساطير الذاكرة الشعبية

أغلب الحمامات باتت مهجورة بسبب ما روي عنها من أساطير شعبية غريبة (آنديا/ Getty)

 

يُعتبر "الحمّام العربي"، كما يُسمى في تونس، إرثًا غير منفصل عن عدّة أعراف في المجتمع التونسي، وجزءًا أصيلًا من موروث الشعب، لارتباطه أساسًا بتقاليد اجتماعية كانت ومازالت تمارس طقوسها إلى اليوم. إذ لم يرتبط الحمّام في تونس بمفهوم الطهارة فحسب، بل ارتبط بعدّة عادات وطقوس احتفالية ودينية لم يستغنِ عنها التونسيون.

وتتشابه تلك الحمامات المنتشرة في أغلب المدن التونسية في الهندسة المعمارية والشكل والرمزية والزخارف، وتنتشر غالبًا في الأحياء والأزقة العتيقة. وعلى الرّغم من ظهور ما يُعرف بمراكز "الساونا" أو الحمامات العصرية، إلا أنّ الحمامات التقليدية لم تفقد زوارها، ولم تخسر مكانتها الخاصة عند عموم التونسيين، خاصة في الأحياء الشعبية وعند جميع الفئات الاجتماعية.

على الرّغم من ظهور ما يُعرف بمراكز "الساونا" أو الحمامات العصرية، إلا أنّ الحمامات التقليدية لم تفقد زوارها ولم تخسر مكانتها الخاصة عند عموم التونسيين، خاصة في الأحياء الشعبية وعند جميع الفئات الاجتماعية

ومازال الحمام إلى اليوم يرتبط بعدّة مناسبات احتفالية. فعلى الرغم من وجود حمامات في كلّ البيوت اليوم، مازالت الفتاة  المقبلة على الزواج  تخصص يومًا بطوله لتقضيه في الحمام، رفقة قريباتها وصديقاتها. عادة لم تختفِ في أغلب الجهات التونسية. فيما لا يزال الحمام يشهد احتفالات ما بعد ولادة المرأة، إذ تحرص المرأة بعد أربعين يومًا من الولادة على الذهاب للحمام مع المولود وسط احتفالية كبيرة من العائلة والأصحاب. إضافة إلى احتفالات الختان وغيرها.  فهذا المكان كان ومازال جزءًا أصيلًا من العادات التونسية المرتبطة بمختلف المناسبات الاحتفالية.


حمام القشاشين بالمدينة العتيقة بتونس العاصمة (نيكولا فوكو/ Getty)

وعلى الرغم من ارتباط الحمامات بأغلب المناسبات الاحتفالية، إلاّ أنّ بعض تلك الحمامات وخاصة الشهيرة منها، باتت مهجورة بسبب ما روي عنها من أساطير شعبية غريبة، على غرار "حمام الذهب"، الذي بات يسمّى بـ"بلّاع النساء"، أو حمام الرميمي الذي يسمى بـ"خطاف الصبايا".

يوجد "حمّام الذهب" بنهج الذهب  بالمدينة العتيقة بتونس العاصمة بمنطقة باب سويقة. ويطلُّ سطحه على زاوية سيدي محرز .ورُويت حول هذا الحمام أكثر من قصّة.

تقول واحدة من تلك القصص التي يتناقلها الناس إلى اليوم أنّه "في وقت ما طلب عمدة المدينة من إحدى نساء المدينة استقبال ضيوف في بيتها. وكانت تقطن رفقة ابنتها، وفي الليل انبعثت رائحة البخور من غرفة الضيوف، وتفطنت الابنة إلى أنّ  المسافرين يقومون بإشعال البخور فتنشق الأرض ويخرج منها الذهب. وعند مغادرتهم، أخبرت الفتاة والدتها بما رأته فسارعتا إلى إشعال البخور في غرفة الضيوف وانشقت الأرض وخرج الذهب، لكن طمع المرأة العجوز جعلها لا تكتفي بالقليل، بل ظلت تُشعل البخور وتخرج الذهب حتى ابتلعت الأرض الفتاة وقد طلبت من أمها أن تبني لها بالذهب حمامًا خاصًا بالفتيات". وتحكي الأسطورة إنّ كل يوم موافق لذلك اليوم من كل عام، يبتلع الحمام كل صبية تذهب إليه.

بعض الحمامات وخاصة الشهيرة منها باتت مهجورة بسبب ما روي عنها من أساطير شعبية غريبة، على غرار "حمام الذهب" الذي بات يسمّى بـ"بلّاع النساء"، أو حمام الرميمي الذي يسمى بـ"خطاف الصبايا"

فيما تقول رواية أخرى إنّ "ابنة صاحبة الحمام كانت تستحم ووالدتها، وقد انشقت الأرض في لحظة وكانت الفتاة تنزل الدرج وتجمع الذهب لتمدّه إلى والدتها إلى أن ابتلعتها الأرض. ومن ذلك الوقت وفي نفس اليوم من كلّ سنة تُفقد فتاة في نفس الحمام".

الروايتان متشابهتان تتشاركان في كون فتاة ووالدتها وجدتا كنزًا من الذهب، لكن الأرض ابتلعت الفتاة نهائيًا بسبب طمع الأم في المزيد. قصص مشابهة لتلك التي نطالعها في قصص الخيال. ومع ذلك يتناقلها البعض إلى اليوم كحقيقة مسلمة. كما أنّ الحمام هُجر من قبل النساء خصوصًا مخافة حصول مكروه للفتيات.  

تقول زينب (56 سنة) إحدى سكان المدينة العتيقة لـ"ألترا تونس" إنّ "الروايات التي تناقلتها الأمهات في تلك المنطقة عديدة. ولكنّها متشابهة، قريبة للخرافة أكثر من الواقع ولكن مع ذلك يصدّقها الأغلب، بدليل هجران الحمام نهائيًا من قبل النساء. حتى إنّ البعض يتجنّب المرور من أمامه".  


حمّام بالمدينة العتيقة بالحمّامات (نيكولا فوكو/ Getty)

حمام الرميمي الواقع في منطقة باب الخضراء وسط العاصمة، بات يسمى بـ"خطاف الصبايا" هو الآخر تُروى عنه أسطورة أغرب من سابقتها. إذ يُقال إنّ "إحدى الفتيات كانت تُجهّز نفسها للزواج من ابن عمّها، وقد ذهبت إلى الحمام مثلما جرت العادة عند احتفال الفتاة بزواجها. ولكنها اختفت في الحمام قبل التحاق الفتيات بها. كما قيل أنّه كان يُسمع صوت بكائها من وراء جدران الحمام. فيما كان يجد صاحب الحمام خصلات شعر أسود طويل يقوم بحرقه كل ليلة حتى لا يكتشف زوار الحمام الأمر فيهجروه".

وتقول رواية أخرى إن "فتاة فائقة الجمال قصدت الحمام، لكن خطيبها كان شديد الغيرة وأقسم أنها لن تذهب بلباس نساء، خوف أن يفتن بجمالها أحد أو يختطفها، فألبسها برنسه لتتنكر به، وسبقت عائلتها للحمام، كي لا يكتشف أحد هويتها، لكن عند وصولهم لم يجدوها، وعرفوا أن أحد الجن أخذها وأغلق الحائط، فجاء خطيبها ومعه فأس لكسر الجدار لكنه لم يفلح، فقال بيتًا شعريًا يُردد إلى اليوم: "يا حمام الرميمي يا خطاف الصبايا، خطفتلي بنت عمي مغطية بردايا".

سهيل العرفاوي (باحث في علم الاجتماع): تناقل المعتقدات وتكرارها يجعلها تكتسب شرعية في المجتمع، وربما تجعل المجتمع يخاف كائنات خرافية غير موجودة ثم يتم تقديم الأساطير والمعتقدات  كتفسير

حمودة إلياس أحد الباحثين والمغرمين بالحكايات المنسية التونسية، التي بات يرويها على مواقع التواصل الاجتماعي، بحكم تنقله مع والده في عدّة مناطق تونسية، كان يجمع تلك القصص والروايات من جهات مختلفة، أغلبها قصص خيالية خرافية أسطورية يسمعها خصوصًا من كبار السنّ، سبق وتحدّث عن أغلب الروايات الخاصة بتلك الحمامات. روايات مختلفة نوعًا ما لكنها متشابهة في بعض التفاصيل  المحفوظة في المخيال الشعبي عند البعض. أكد أنّ العديد من كبار السن يصدقون تلك الروايات، حتى إنّ تلك الحمامات هجرت من قبل النساء ولا يرتادها سوى الرجال، لاعتقاد البعض أنّ تلك الحمامات مازالت تبتلع النساء.

يقول سهيل العرفاوي كاتب ومختص في علم الاجتماع لـ"ألترا تونس" حول موضوع تناقل الخرافات كحقيقة مسلمة، إنّ "المعتقدات يتم استقبالها وقبولها من قبل جميع أعضاء المجتمع مع كونها أعمال مجهولة المصدر، ليس لها أصل محدد. من ناحية أخرى، فإن السياق الذي يتم  فيه صياغة المعتقد يمثل أهمية خاصة لعلم الأعراق البشرية. في الواقع، هي معتقدات يتم نقلها بشكل منهجي أثناء طقوس معيَنة في أعياد ومناسبات، كما أنّ إعادة المعتقدات وتكرارها يجعلها تكتسب شرعية في المجتمع، وربما تجعل المجتمع يخاف كائنات خرافية غير موجودة ثم يتم تقديم الأساطير والمعتقدات  كتفسير، هذا في الأصل هو ما يعبر عن حاجة التونسي لملجأ نفسي وتعطيه المجموعة أو المجتمع شرعية بحكم تكرار المعتقد"، وفق تقديره.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حمامات تونس.. متنفّس أجساد الفقراء

"دار الصيد" في سوسة.. بيت عتيق يحكي تاريخ عائلة تونسية