الحب بعد الخمسين.. اختبار خطير للّياقة العاطفيّة (قصص حقيقية)

الحب بعد الخمسين.. اختبار خطير للّياقة العاطفيّة (قصص حقيقية)

المجتمع ينظر لحب ما بعد الخمسين كنوع من التصابي (Getty)

 

ركبتُ، في بحر الأنترنت مؤخرًا، موجة برنامج إذاعي شهير ومثير للجدل لجرأته، برنامج "سرّك في بير"، مساحة إذاعية ليليّة تتحرّك في الأفنية الخلفية للذات البشرية وتوارب خلف أبواب الغرف المظلمة. كانت أصوات المتدخلين حزينة وجريحة ومتأوهة، بالكاد تلتقط كلماتهم ومعاني صمتهم، وبالكاد تحاول ترجمة أنفاسهم المسافرة عبر الأثير الإذاعي.

هو الحبّ ودماراته، فأغلب المتدخلين في هذا البرنامج جرحهم الحب في أفئدتهم، فتحوّلوا إلى فراشات ليلية تبحث عن بعض ضوء في عتمة الأيام. الحبّ هو الكلمة الأكثر ترديدًا في هذا البرنامج الإذاعي، لكن ربًما أيضًا في هذا الكون والكلمة الأشهى على أفواه البشر. هو سرّ النبوءات وظلّ الله على الأرض، فالحب هو ذاك الخيط الأحمر الخفيّ الذي يلفّ الحياة وما جاورها والشمس تشرق يوميًا من أجل إضاءة دروب المحبين.

تتعددّ قصص الحب بعد سنّ الخمسين وهو تأكيد أن الحب لا يعترف بالزمن وسطوته على الجسد

اللافت للانتباه من خلال قصص المتدخلين، في البرنامج المذكور، أن عددًا كبيرًا منهم داهمهم الحب وهم في الخمسين من العمر أو أكثر، فيما يبدو تأكيدًا أن الحبّ لا يعترف بالزمن وسطوته على الجسد، فالحب هو الحب في نهاية المطاف.

حاول "الترا تونس" تقصي قصص حب ما بعد الخمسين في المجتمع التونسي، وكيف تُقرأ من زاوية علم النفس؟

فتنة الخمسين بين المعيار الأخلاقي ومطاردة لذة الحبّ

  • وحدهم الأشداء من يفوزون بمتعة الخمسين!

التقينا عبد الكريم (اسم مستعار)، هو روائي ورسّام تونسي عمره جاوز الخمسين بأربع سنوات، كانت أغلب لوحاته المعروضة للزوار تحمل ملامح امرأة واحدة، نفس الوجه الأسيل ونفس اكتناز الشفاه ونفس النظرة التي تطلّ من سحابات الألوان المائية بإغراء ودلال.

سألنا الرسام عن سرّ حضور نفس الوجه في أغلب اللوحات، فلمعت عيناه كمراهق ذُكر أمامه اسم حبيبته وأجاب: "إنها حبيبتي"، صمتي جعله يضيف: "نعم هي حبيبة حقيقية وليست محض خيال".

عبد الكريم (اسم مستعار لروائي ورسام): الحب في الخمسين يتطلب شجاعة استثنائية مع الذات ومع الآخرين

فأُردف السؤال المتعلق بحب سنّ الخمسين، فكانت إجابته بسيطة كجرّة فرشاة على بياض قماشة: "إنه الحب يا صديقي، ذاك الذي لا يعترف بالسنوات والشيخوخة، لقد جرّبته أكثر من مرة طيلة حياتي، له نفس الطعم ونفس الرائحة. القلب لا يشيخ إذ يكفيه أن تطل عليه الحبيبة حتى يدق تلك الدقات التي ألفها منذ وعيه الأول بالحب".

ينهي عبد الكريم، حديثه معنا، بالقول: "الحب في هذه السنّ يتطلب شجاعة استثنائية مع الذات ومع الآخرين ووحدهم الأشداء من يفوزون بمتعته بعد الخمسين".

اقرأ/ي أيضًا: رسائل الحب بين الأمس واليوم.. من سهاد المحبوب إلى السهر على فيسبوك

  • عدت لحبيبي الأول بعد سنّ الخمسين

أما وداد، وهي عاملة بمغازة كبرى لبيع العطور المستوردة بالعاصمة تونس، تبدو سريعة الحركة وبشوشة تفرط في الاحتفاء بزبائن المحل، لا يمكن الانتباه لخمسينيتها من النظرة الأولى، وهي لم تبح بقصتها لـ"الترا تونس" إلا بوساطة إحدى صديقاتها.

شرعت وداد في الحديث قائلة بصوت خافت: "تعارفنا في المعهد بإحدى مدن الساحل بداية الثمانينيات وكانت قصة حب تلهج بها الألسن لقوتها وانسجامها وروعتها وصدقها، نجح هو في الباكالوريا وأخفقت. كنت أجمل بنات الحي، وفجأة هجم على القصة أحد أقاربي وهو مهاجر بإيطاليا، يملك منزل وسيارة فاخرة وأموال. وتحت ضغط العائلة، اُكرهت على الزواج به وقد صعق حبيبي وكاد يجن ولم يعد للحيّ منذ سماعه الخبر لتباعد بيننا الأيام الى حد الفراق النهائي".

عادت وداد (عاملة بمغازة لبيع العطور) لتعيش قصة حب مع حبيبها الأول من جديد بعد أن تفارقا في شبابهما

تواصل محدثتها قصتها: "انتقلتُ لاحقًا للعيش في إحدى ضواحي العاصمة بعد أن تبين أن زوجي متزوج من بلجيكية مقيمة هي الأخرى بإيطاليا ولديه أبناء وله قضايا إجرامية وسوابق. تفارقنا بعد أن أنجبت طفلة انشغلت بتربيتها. ولم أنس، في الأثناء، حبيبي الأول بل كان حضوره يلح عليّ وكان الندم يحاصرني لأني لم أصمد في وجه عائلتي".

لم تنس وداد حبيبها رغم بعاد السنوات وتقول: "كنتُ ألتقط أخباره من هنا وهناك حتى اكتشفت أنه لم يتزوج وفاءً لي، وحينها تسلحت بالشجاعة والوساطة وهاتفته وعدت إلى قصتي وحبي الأول. أشعر الآن أنني تلك الصبية المراهقة التي تنجرف أمام سطوة الحب. لم تتغير مشاعرنا بل بالعكس ازدادت اتقادًا. نحن الآن نعدّ لحياة جديدة يبدو أن الأقدار رتبتها لنا من جديد".

  • التقينا مجددًا بعد الخمسين.. ولا ندري ما العمل؟

اعترضتنا قصة أخرى هي قصة خالد (اسم مستعار)، وهو أستاذ بمدرسة إعدادية، وقد ذكر لنا أنه بنهاية هذا العام سيكون في الخمسين من عمره. يحدثنا عن قصته ويقول إنها تتمثل في كونه عاش قصة حب أيام دراسته بكلية الآداب مع إحدى الطالبات الجميلات وكان يكتب لها شعرًا ويرسل لها الرسائل الغرامية خلال العطل ويهديها الروايات ودواوين الشعر.

خالد (أستاذ بمدرسة إعدادية): نحن الآن في مغامرة مع أنفسنا ومع القدر ومع المجتمع ولا ندري ما العمل

هذه القصة، وحسب راويها، أصابها بعض الفتور وانتهت بعد التخرج ويضيف: "دخلت غمار التدريس وركبت الحياة الاجتماعية فتزوجت وأنجبت، لكن فجأة وعبر الأنترنت وتحديدًا عبر فيسبوك وجدنا أنفسنا قبالة بعضنا من جديد وعادت القصة من جديد وعاد الحب الذي لم نستطع التغلب عليه فجرفنا في البداية افتراضيًا ثم واقعيًا".

يواصل خالد سرد قصتها لـ"الترا تونس": "التقينا ذات مساء وكان قلبينا يخفقان بشدة، قرأت لها شعر الأمس فتوردت كمرج زهر في الربيع. تتالت اللقاءات واكتشفنا أننا لم نكن سعداء قبل اللقيا. نحن الآن في مغامرة مع أنفسنا ومع القدر ومع المجتمع ولا ندري ما العمل".

وسط نظرته التائهة ومشاعره الغائمة وحبه الجارف، تركنا خالد يحتسي قهوته السوداء ويدخن سيجارته الأمريكية وتوجهنا نحو قصة أخرى مع خمسيني آخر.

  • الأستاذ الخمسيني عشق طالبته

محمّد (اسم مستعار) لرجل سينما شارك في إنجاز عدة أفلام تونسية، جالسته بإحدى مقاهي القصبة قرب المدينة العتيقة ليسرد قصته مع الحب بعد الخمسين، فقال: "ببساطة أنا لم أتزوج إلى الآن لانشغالي بعملى وأسفاري العديدة، لكن هذا لم يمنعني من عيش بعض القصص العابرة".

اقرأ/ي أيضًا: بائعو الورد: نبيع الورد ولكن لا نهديه إلى زوجاتنا!

ويضيف مستدركًا: "لكن هذه الأيام وأنا في الخامسة والخمسين، أدخل غمار قصة حب حقيقي مع طالبة كانت تعد بحثًا جامعيًا له علاقة بالسينما. ألتقيها يوميًا، وفي كل جلسة كنا نعمق العلاقة ونحلم سويًا بالطيران في سماءات العشق الأبدي". بصوت الواثق الوله، يخبرنا محمد أنه قرر مع حبيبته الهروب خارج تونس للعيش بعيدًا عن الحواجز المجتمعية والاخلاقية التي تعترض حبهما في تونس، كما يقول.

مختص في علم النّفس: للحبّ مراتب وأعلاها حبّ ما بعد الخمسين!

حملنا هذه القصص للمختص في علم النفس والباحث في الجامعة التونسية نوفل بوصرّة الذي أكد في بداية حديثه أن "الحب هو مشاعر طبيعية تنبني على الإعجاب بطرف آخر قد يكون أمّا أو حبيبة أو وطنًا، لكنه في النهاية يحقق أحاسيس عالية بالبهجة والرضا والراحة والسعادة. كما يحدث في الجسد نوعًا من التوازنات المتعلقة بجهاز المناعة وأنشطة الغدد والنسيج الهرموني".

وأضاف أن للحب مراتب وأعلاها هو حب ما بعد الخمسين لأنه مشوبًا بالتجربة والنضج والعقلانية، على حد وصفه، وقد يضطر فيه صاحبه أحيانًا للمجازفة والإقدام والمغامرة وهو ما تصفه الأخلاق بـ"التصابي".

نوفل بوصرّة (مختصّ في علم النفس): المجتمع التونسي رغم تشدقه بالحداثة والانفتاح إلا أنه في الحقيقة مجتمع محافظ يمارس تكتمًا عجيبًا على الحب

كما بين بوصرة أن علم النفس لم يحسم أمر ما يعرف بـ"أزمة الخمسين" بعد لأنه ثمة من المختصين من يسميها بـ"اختبار اللياقة العاطفية"، وثمة من يرى أن عاشق الخمسين عانى بعض الحرمان العاطفي في طفولته أو فشل مغامراته العاطفية الأولى في سن الشباب لذلك تجده يبحث عن التعويض في سن الخمسين.

وأوضح أن المجتمع التونسي ورغم تشدقه بالحداثة والانفتاح إلا أنه في الحقيقة هو مجتمع محافظ يمارس تكتمًا عجيبًا على الحب ويستمتع به في صمت وفي الغرف المظلمة، أما مغامراته الجنسية فهي تأتي في قمة الكتمان على حد تعبيره.

وختم المختص في علم النفس حديثه لـ"الترا تونس" بأن الثورة الاتصالية أسهمت بشكل من الاشكال في تشبيك العواطف والأحاسيس البشرية وصناعة المزيد من قصص الحب.

يبقى الحب، في نهاية المطاف وفي مطلقه، أسّ وجوهر في حياة الإنسان، لا يعترف بمسار الزمن على الجسد. يفتن في العشرين كما في الخمسين، ولا يقوى على صده سوى الضعفاء متعللين بمحاذير الأخلاق. فيما يفوز المغامرون الجسورون بلذّته القاتلة، وهو ما يحدث للمحبّين الباحثين عن ذروة نضجهم العاطفي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

استراتجيات الرجال لإنهاء العلاقات مع النساء: "تستاهل ما خير؟"

الحب في زمن "الكيتش"..