رسائل الحب بين الأمس واليوم.. من سهاد المحبوب إلى السهر على فيسبوك

رسائل الحب بين الأمس واليوم.. من سهاد المحبوب إلى السهر على فيسبوك

هل تغيّرت مشاعر الحب بين الأمس واليوم؟ (Getty)

كانت تخطّ رسائل الحب ما بين أفانين الوجد واللهفة البازغة من قلوب المحبوبين، فتوضع تحت الوسائد لتلهب الأحلام وتطيل سهاد العاشقين. كانت نسيانًا جميلًا للذاكرة وحدائق خلفية نعود إليها كلّما أعيتنا الأيّام، هذه هي رسائل الحب على مرّ تاريخ البشرية كوصل لإدامة الحياة.  

رسائل الحبّ منبتها الشوق، ومأتاها الحرمان، ومتنفسها البوح، وأفقها البعد، فتخصب الوجدان وتتدفق القريحة في كتابتها. إذ يسكن المحبوب في منطقة اللا يقين، ليكتسب ألقه وتوهجه فتأتي الكلمات على الرسالة عذبة ومعذّبة في آن واحد.

يتحول جسد المحبوب إلى فاكهة للخيال، وتصبح الكتابة صنوًا للوصال المفقود، فلا هو يأس يريح ولا هو أمل يكتمل باللقاء، لذلك تتحوّل الحروف إلى أنين وحنين وشجن ودموع. هكذا كانت علاقات الحب والعشق في رحاب الترسّل بالكلمات والشعر وصفًا للحرقة والألم التي تستبد بالمحبّ.

هل أطفأت وسائل الاتصال الحديثة لهيب الكلمات، وكبحت الخيال ممّا أفضى إلى لغة عاطفية جدباء غير جذّابة؟

تغيّر اليوم كلّ شيء تقريبًا، غابت الرسالة الورقية المعطّرة بكلماتها الوردية الندية، وغاب "مرسول الحب"، وحلت بدلًا عنها الصورة الفوتوغرافية، والفيديو، والهاتف الذكي، وتطبيقات المراسلة كـ"الميسنجر" و"السناب شات" و"الأنستغرام".

وتتلاحق الأسئلة على ضوء هذا التحوّل: هل تغيّرت مشاعر الحب بين الأمس واليوم؟ هل أطفأت وسائل الاتصال الحديثة لهيب الكلمات، وكبحت الخيال ممّا أفضى إلى لغة عاطفية جدباء غير جذّابة؟ وهل أثّرت الرموز الجاهزة (Emoticones) على المخزون المعجمي للعواطف؟ وهل أصاب العلاقات بعض البرودة وفقر المعاني بتحوّل الحوارات في أغلب الأحيان بين المحبّين من اللقاء المباشر الى الفضاء الافتراضي؟ فعل يجب على اللغة أن تجدد نفسها في عصر الثورة الاتصالية التي بقدر تقليصها للمسافات أصابت العلاقات الانسانية ببعض الفتور؟ وهل باتت كلمات الحب لا تنبع حقًا من الأفئدة ولا تختلط بتراب رحلات العاشق على أرض الحب؟

حاول "الترا تونس" الغوص في هذا الموضوع للوقوف على الفوارق بين لحظتين زمنيتين ورصد إجابة حول تغيّر طرق التعبير عن الحب بين زمن الرسائل الورقية في الأمس وزمن الرسائل الإلكترونية اليوم، وذلك عبر محاورتنا لمواطنين من أجيال مختلفة ومختصّين:


إيمان الغالي (45 سنة/أستاذة عربية): بناتي منبهرات برسائل والدهنّ

عندما سألناها عن رسائل الحب بين الأمس واليوم، ابتسمت إيمان وذكرت مباشرة أنها مازالت تحتفظ برسائل الحب التي كتبها حبيبها منذ أكثر من ربع قرن من الزمن. تقول إنها تعود إليها كلّما أعيتها الأيام لتتذكر لحظات مفعمة بالمشاعر الصادقة، فتقوم باستدعاءها ليتزوّد قلبها ويونع من جديد وتشعر بدفء غريب يسري في جسدها. وتضيف أن رسائل حبيبها هي صندوق نضارتها وشبابها.

تشير إيمان الغالي لـ"الترا تونس" أنها مخضرمة أي عاشت زمن الرسائل الورقية وكذلك زمن التكنولوجيا، مع الإرساليات الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي. وترى أن زمن رسائل الحب الورقية يحمل نكهة مخصوصة، فـ"الرسائل لها رونقها وأسرارها حتى أنّ بناتي منبهرات برسائل والدهما حبيب الأمس واليوم ومدى قدرته على التعبير على مشاعره في وصف ما بقلبه من حب"، هكذا حدّثتنا أستاذة اللغة العربية.

اقرأ/ي أيضًا: تونس: الجنس متاح لمن استطاع إلى "اللّوكال" سبيلًا..

الناصر عبد اللاوي (50 سنة/ أستاذ فلسفة): نحن لا نستحمّ في نفس النهر مرّتين

التقينا أيضًا أستاذ الفلسفة الناصر عبد اللاوي في مكتبة كلية العلوم الإنسانية 9 أفريل بتونس، الذي أعجبه الموضوع وذكر أن لديه عدة رسائل وبطاقات بريدية من صديقاته أيام الشباب، ويعتبر وجودها نوعًا من إثبات الذات أمام الذات نفسها فهي حلقات تصل فترة شبابه بكهولته، كما يقول.

وأكد أنه كلما عاد إليها يتذكر عنفوان سنوات العشرين من عمره، وتعود إليه تفاصيل قصص الحب الأولى، وتتراءى له أيضًا وجوه حبيباته ولحظات الرحيل وقسوة الفراق.

الناصر عبد اللاوي (أستاذ فلسفة): لا بدّ أن يتطور التواصل بين المحبّين ويخضع لمقولة التاريخ

يحدثّنا أستاذ الفلسفة قائلًا: "نحن لا نستحمّ في نفس النهر مرّتين بمعنى نحن لا نعود إلى الوراء لنقيم في لحظات من الماضي". وهو يقدّر أنه لا بدّ أن يتطور التواصل بين المحبّين ويخضع لمقولة التاريخ حسب تعبيره، لتوجد طرق جديدة تختلف عن طرق الآباء والأجداد. ولذلك يعتبر أن التكنولوجيا لعبت دورًا وسائطيًا هامًا في مستوى التواصل بين العاشقين، وهو ما من شأنه أن يكسب العلاقات نكهات جديدة، حسب قوله.

الأسعد الشواشي (51 سنة/ تاجر): لست مع رسائل الحب "الأكسبريس"

سرعان ما حدثّنا "سي الأسعد" عن موضوعنا، حتّى استرسل في الحديث عن سنوات دراسته بالمعهد وهو في أوج مراهقته عندما كان يقضي الساعات في كتابة رسالة لحبيبته ويرسلها لها مع إحدى قريباته التي تدرس معها في نفس القسم، وينتظر لاحقًا ردها على أحر من الجمر محاولًا قراءة ردود أفعالها وهو يراقبها في ساحة المعهد.

يخبرنا ضاحكًا أن أحد زملائه نصحه وقتها باقتناء كتاب "إنشاء الرسائل"، وهو كتاب رائج في ذلك الوقت لتعليم فنّ كتابة الرسائل الغرامية، وقال لنا إنه فعلًا اشتراه من مكتبة قرب جامع الزيتونة، ونسخ منه العديد من الرسائل لحبيبته، وكان يوهمها بأنه هو صاحب التعابير اللفظية.

وهمس لنا محدثّنا، وهو يستعيد شريط شبابه، أنه مازال يملك هذا الكتاب الى اليوم، مؤكدًا أن طعم هذه الذكريات لا يضاهيها شيء. واعتبر أن كل مرحلة تاريخية لها خصوصياتها خاتمًا بالقول: "أنا من زمن رسائل الحب الورقية المعطّرة والمكتوبة بقلوب مرتعشة، لست مع رسائل الحب "الأكسبريس" (الخفيفة) المكتوبة على الهواتف والحواسيب".

لمياء (طالبة/ 20 سنة): المهم هو صدق المشاعر

تؤكد لمياء (اسم مستعار) أنها لم تر ولم تلمس ولو مرة في حياتها رسالة حب ورقية، فكل الرسائل التي قرأتها كانت إلكترونية سواء الموجهة لها أو لصديقاتها.

وترى في حديثها معنا أن الحب هو الحب سواء كان معبرًا عنه على الورق أو مشافهة أو عبر إرساليات إلكترونية، مؤكدة أن المهم، في تقديرها، هو صدق المشاعر ونبلها.


أصبحت الرسائل الغرامية الورقية من الماضي (Getty)

أنور الحمامي (تلميذ): رسائل الأمس تشبه ما ندرسه في المعهد

يستغرب أنور، الذي يدرس بإحدى المعاهد الثانوية بتونس العاصمة، الطريقة التي كانت تتواصل بها الأجيال السابقة من العاشقين، طريقة يرى فيها مشقة تشبه ما درسه في المعهد عن قصص حب الغزل والحب العذري وشقاء الشاعر.

يوضّح التلميذ لـ"الترا تونس" أنّ العلاقات اليوم لها وسائلها الجديدة التي تقوم أساسًا على الأنترنت التي سهلت التواصل بأنواعه. ويشير أنه يتوصل اليوم مع صديقته عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إذ يمكن له ان يلتقيها افتراضيًا عبر البث المباشر للفيديو، ويرسل إليها الصور والأغاني والأشعار، ويختار لها كلمات أنيقة من بعض المواقع الالكترونية للتعبير عن مشاعره تجاهها.

اقرأ/ي أيضًا: من الكابتن ماجد إلى "الأيباد": كيف أصبح الطفل وحيدًا؟

ممدوح عز الدين (باحث في علم الاجتماع): أصبح الحب معلنًا بعد أن كان مخفيًا

حملنا هذه الآراء المتباينة حول رسائل الحب بين الأمس واليوم إلى الباحث في علم الاجتماع بكلية العلوم الإنسانية ممدوح عز الدين، الذي أشار في البداية إلى أن التغيرات الاجتماعية هي حتمية تاريخية لابد من الاقرار بها فيما يُسمّى أحيانًا "حركة التاريخ"، مؤكدًا أن لكل تغير اجتماعي سياقاته الاقتصادية والثقافية والسياسية والفنية.

وأضاف أن الحياة الاجتماعية إلى حدود نهاية الألفية الثانية كانت تحت سطوة الطباعة كأهم منجز قامت به البشرية خلال القرن المنقضي، فكانت الكتابة أهم أداة للتواصل والتعبير بين البشر. وأشار أن الإنسان أبدع في التعبير عن مشاعره وآرائه كتابة باستعمال الورق قائلاً: "من البديهي أن نجد رسائل جميلة وجذابة من أجل التواصل الحميمي والتعبير عن الحب كأهم قيمة ثابتة لدى الانسان بل هي القيمة الأولى في سلم القيم الطبيعية".

ممدوح عز الدين (باحث في علم الاجتماع): الحب هو الحب في كل الأزمنة ما حصل فقط هو تحول تقنيات التواصل بين المحبين من الورقي إلى الإلكتروني

وأوضح الباحث في علم الاجتماع لـ"الترا تونس" أن الترسّل الخاص بعلاقات الحب كان مبهرًا اجتماعيًا، وأشار أن التاريخ يحدثنا عن قصص حب نادرة عبر رسائل راقية اللغة وصادقة المشاعر.

لكن لم يخف محدثنا انبهاره بالتكنولوجيا مشيرًا أن البشرية تعيش حاليًا زمن الثورة الاتصالية التي انعكست على إدارة القيم على حد تعبيره. ويضيف أنه من البديهي إدارة المشاعر بواسطة التطبيقات الالكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، في فضاء الأنترنت اللامحدود.

وأكد أن الحب هو الحب في كل الأزمنة ما حصل فقط هو تحول تقنيات التواصل بين المحبين من الورقي إلى الإلكتروني، وفق قوله. ويضيف أن الحب أصبح معلنًا بعد أن كان مخفيًا تحكمه مؤسسات مجتمعية أخرى خاصة الأخلاق، وهو ما حدا بعالم الاجتماع الأنقليزي زيجمونت باومن في قراءة لهذا السلوك المجتمعي الجديد إلى إصدار كتاب سماه "الحب السائل".

أميرة العروي (إخصائية نفسانية): العيون لا تتلاقى في العالم الافتراضي

تؤكد أميرة العلوي، الاخصائية النفسانية وأستاذة علم النفس في كلية العلوم الإنسانية بتونس، في بداية حديثها معنا على أهمية الحب في حياة الانسان، اذ تعتبره ترسيمة دائمة تقترحها اللغة كجهاز لا محيد عنه للتواصل وذلك رغم الخصوصيات الفنية والبلاغية لكل لغة.

وأشارت أن الحب يقيم في اللغة عندما يكون الواقع عصيًا وهو ما يؤدي أحيانًا إلى الافراط في استعمال الأدوات اللغوية عند التعبير عن الحب. وبينت أن المحمل الذي تركبه اللغة سواء كان ورقيًا أو الكترونيًا أو شفويًا يبقى دوما جهة محايدة في علاقة عاطفية تربط الذكر بالأنثى.

وتقدّر الإخصائية النفسانية أن المسألة مرتبطة في كل الأحوال بجهاز الذاكرة الذي يخزن اللحظات المؤثرة في حياة الانسان بما في ذلك حالات الحب ورسائل العشق الورقية التي تظل جزءًا من ذاكرة بصرية لحالات نفسية بعضها مؤلم أحيانًا.

أميرة العروي (إخصائية نفسانية وجامعية): يتحول التعبير عن المشاعر في العالم الافتراضي إلى مناخ يحمل بعض الجفاف الشبيه بالورد البلاستيكي

وحدثتنا أستاذة علم النفس أيضًا عن الدور الذي باتت تلعبه التكنولوجيا في إدارة العلاقات العاطفية التي تؤدي إلى التعلق الذي نسميه الحب. إذ يكمن الخطر في تحول العلاقات من الواقع إلى الافتراضي، حسب رأيها، في انتفاء أركان العلاقة الأساسية وهي لقاء الأجساد ولقاء العيون والتخاطب المباشر ما يعني زوال اللهفة، وبالتالي يتحول التعبير عن المشاعر إلى مناخ يحمل بعض الجفاف الشبيه بالورد البلاستيكي، كما تقول.

وأضافت محدثتنا أن من مآزق الافتراضي الذي بات مسيطرًا ومهيمنًا هو دخول البشرية في حياة أخرى موازية تسمى "الحياة الشبكية الافتراضية"، مبيّنة أن العالم بدأ ينتبه لمخاطر العلاقات التي تُدار في العالم الافتراضي، لذلك شرعت العديد من المجتمعات في سن القوانين الحمائية وتأطير الأطفال المراهقين والشباب على وجه الخصوص.

ختامًا، تبقى رسالة الحب سواء كانت ورقية أو إلكترونية هي علامة نفسية بالنسبة للإنسان، وكذلك علامة اجتماعية نقف من خلالها على قيم التواصل داخل المجتمع، وكذا علامة حضارية في مستويات أنثروبولوجية وتاريخية. ولذلك ستبقى رسائل الحب موجودة ما بقي الحب على وجه الأرض.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بائعو الورد: نبيع الورد ولكن لا نهديه إلى زوجاتنا!

مونولوج الإجهاض: "لن أحمل مجددًا لأني لم أكبر بعد"