28-مارس-2020

هؤلاء المحسوبون على الإعلام أشبه بتجار السخط لا تعنيهم المصلحة الوطنية (صورة تقريبية/ getty)

 

الأزارقة جماعة تنتمي إلى الخوارج، نسبة إلى زعيمها نافع بن الأزرق، وهي من أكثر الفرق الدينية تشدّدًا، كان الواحد من أتباعها في القرن الأوّل للهجرة يقطع طريق المارّ المُسالم، فيضع ذؤابة السيف على رقبته ترويعًا وترهيبًا، ثم يسأله عن حُكم مرتبك الكبيرة، وعن علي بن أبي طالب، وعن الأجدر بالإمامة، في فترة بلغ فيها الصراع على الخلافة أعلى مراتب النزاع والصدام.

أزارقة الإعلام يتحينون ساعة الضعف والتوتر والانفعال فيندفعون إلى فريستهم التي تضمن لهم "البوز"

هذا ما يفعله بعض أزارقة الإعلام في تونس، يكون المواطن المنهك المهموم قاعدًا أو منزويًا أو منهمكًا في عمله أو ماضيًا في حال سبيله أو طريح الفراش، فيشهرون في وجهه الكاميرا دون إذن ودون سابق إعلام، ويطلبون منه الإجابة عن أسئلة غالبًا ما تكون محرجة مقتحمين عليه عالمه الخاصّ وأجواءه الحميميّة، فإذا تحلى بالأريحية حوّلوه إلى أضحوكة أو موضوع شفقة تهتك أنفته وتطعن عزّة نفسه، وإن أبدى رفضًا أو امتعاضًا أخرجوه في صورة العنيف الهمجي المطارد، فينال ما ينال من "تنبير" وتشهير، لا تعجبْ صديقي القارئ، هذا دأبهم، فقد أصبح أزارقة الإعلام هذه الأيام في مرتبة التكفيريين الجدد.

اقرأ/ي أيضًا: أزمة "كورونا" ومستقبل الصحافة والميديا التونسية

تجّار السخط

أزارقة الإعلام يتحينون ساعة الضعف والتوتر والانفعال، فيندفعون إلى فريستهم التي تضمن لهم "البوز" (الإثارة)، فيستخرجون منها أسوأ ما فيها حركة ولفظًا وملمحًا وإيماءة، ولا يكون التبئير (التركيز) إلا على كل ما هو غريب فاحش مقزّز، فتكون الكاميرا في هذه الحالة أخطر من سيوف الأزارقة ذات النزعة الإرهابية.

أزارقة الإعلام يقصدهم أحيانًا الأديب البارع والعالم المبتكر والمفكر الجليل فيحملونه إلى مواخير الإعداد والإنتاج والمونتاج

هؤلاء المحسوبون على الإعلام أشبه بتجار السخط لا تعنيهم المصلحة الوطنية، ولا يتبنّون هموم الناس كما يدعون، شغلهم الشاغل الإثارة والبلبلة والتهييج العصبي، وقد اعترفوا بذلك في مجالس معلَنة وخاصّة. التكفيريون الجدد لا شأن لهم هذه الأيام بالحرب على الوباء، ولا تعنيهم جهود الدولة والمجموعة الوطنية في مواجهة فيروس كورونا، ولن تنفع معهم توصيات التنظيف والتعقيم، فهم لا يقتاتون إلا من العفن الاجتماعي والنجاسة الثقافية.

سلاحهم المكر والاستفزاز والإيذاء والابتزاز تراهم متوثبين متسلقين متلصّصين يتشمّمون الفضيحة حيثما حلّت، فيقعون عليها وقوع الضباع على الجيف.

نريد فضيحة

أزارقة الإعلام يقصدهم أحيانًا الأديب البارع والعالم المبتكر والمفكر الجليل، يأتيهم الضيف من هؤلاء صافيَ السريرة حسنَ النية، تراه متطلعًا إلى نشر إبداعاته أو اختراعاته، فيحملونه إلى مواخير الإعداد والإنتاج والمونتاج، ثم يعرضون "سلعتهم" بعد تقطيع وتدوير وتركيب وتزوير، فلا يرى المشاهد فيها غير الخزعبلات والسخافات والتناقضات، هذا ما فعلوه مع الكثير من الأجلاء والوُجهاء، ومنهم محمد الطالبي الباحث في الدين والحضارة، فقد حولوه وهو في أرذل العمر بخبثهم ودهائهم إلى أضحوكة يتسلى بها الجهّال.

حينما يتردد العاملون مع أزارقة الإعلام من الإعلاميين الشبان أو المتربصون يدفعونهم دفعًا إلى هاوية الابتذال

وحينما يتردد العاملون معهم من الإعلاميين الشبان أو المتربصون يدفعونهم دفعًا إلى هاوية الابتذال، "افعل لا تخف"، وإن حاول أحد المتعاونين معهم ترشيد أسئلته وتعميقها و"تعقيمها" همسوا في أذنه، "دعك من هذا، نريد فضيحة"، ألم أقل يومًا إنهم "أبناء الفضيحة".

اقرأ/ي أيضًا: فيروس كورونا: أي أثر على الميديا في تونس وحول العالم؟

طاولة وكراسي

دخل أحد تلامذتي إلى صحيفة ورقية صفراء يبغي التربص والتدرب وتحصيل "مصروف الجيب"، كان مراسلًا دقيقًا يكتب بالنقطة والفاصلة، لا زيادة في أخباره ولا نقصان، التزم بما أوصاه به نُبلاء الإعلام وتمسك بقاعدة الخبر مقدس والرأي حر. كان يقضي الساعات في تقصّي الأخبار الرياضية والبيئية والثقافية وتقييدها وتسجيلها، فيكتب عشرات المقالات، فلا تنال القبول والنشر إلا حينما يتقاعس غيره، فيتركون مساحات شاغرة.

لم يكن يرتاح إلى المسؤولين في هذه المرفق الإعلامي، فاستأنس برأي أحد القدامى المتمرسين، سأله عن سرّ النجاح، فأجابه بأسلوب جمع بين الحكمة والدهاء: أخبارك جيدة دقيقة، لكنها تحتاج إلى بهارات، الخبر يا ولدي "لازمك تعملُّو طاوله وكراسي". لم يكن المقصد من هذه النصيحة الدعوة إلى الإحاطة بالخبر من كل الجهات ومحاولة الإنصات إلى كل الأصوات، كانت الغاية هي تحويل الخبر إلى قادح على السجال والمهاترة والتوتر والهرج والنزاع.

من أزارقة الإعلام صحفيون مصابون بأوبئة الصلف والادعاء والعنجهية والزهو

قيل فيك كذا... بماذا تردّ

خشية الاتهام بالتقصير والتعتيم وضعف التواصل يحرص العديد من الساسة على الحضور إلى المنابر الحوارية، ينتظر الضيف مسائل مرتبة منظمة حول عدد من الإشكاليات والبرامج والاختيارات فإذا به يدعى إلى الإجابة عن أسئلة حول تصريحات خصومه ومنتقديه، هذه التصريحات لا يلتقط منها "أزارقة الإعلام" جوهرها وبعض تفاصيلها الهامّة، إنما يقتنصون منها عبارات أقرب إلى الاتهام والشتيمة والسباب، فتراهم يسحبون من سِجلات الفتنة ومن التاريخ العكِر ومن المواقف الانفعالية أسئلة من قبيل "فلان قال فيك كذا وكذا بماذا ترد"، فيحاول الضيف التملص من الإجابة بدافع الحِلم والهمة والكرامة، فيتواصل إصرار المنشط معتمدًا حيلًا تبدو وثيقة الصلة بالمقاصد النبيلة للإعلام كأن يحثه على الشفافية والوضوح ومصارحة المواطنين، فينجح أخير بهذا المكر في تغيير وجهة الحوار من مساحة للتفكير والتفكيك والتأليف والحجاج إلى فرصة للتنابز وهتك الأسرار، والعدول عن المشاغل الوطنية إلى الخلافات الشخصية.   

الإعلامي الباندي

من أزارقة الإعلام صحفيون مصابون بأوبئة الصلف والادعاء والعنجهية والزهو إلى درجة تُبيح لهم رمي ضيوفهم برذاذ الفحش وبزاق البذاءة دون استعمال كمّامات المقام ومحاذير السياق ودون مراعاة أفق الانتظار لدى الجمهور، من هؤلاء التكفيريين الجدد من يجرأ على التمادي في سلوك " الباندية" معليًا صوته مشمّرًا أحيانًا عن ساعدين رافعًا قبضته عازمًا على الضرب والركل لا يرى حرجًا حينما يتحول المنبر الحواري إلى حلبة ملاكمة لا نُبل فيها، وقد كاد هذا السلوك حسب ما بلغنا أن يتسبب في جلطة لأحد المسؤولين الشبان بعد حضوره منبرًا من المنابر السجالية.

حينما يتحول الكذب والافتراء والمغالطة إلى منهج تحريري لا بدّ أن نتخلى في التعامل مع هؤلاء الأزارقة عن حسن النية

هذا الإعلامي الباندي لا يأتي تلك الأفعال بدافع الشجاعة والجرأة، إنما يأتيها لأنه يحظى بالعناية والرعاية والحماية من هذه الجهة أو من تلك، يقول له حماته الفاسدون والمتعجرفين والأفاكون، قل ما شئت ستجدنا لك منقذين حامين، لكن حالما يكون هذا "التكفيري الجديد" في مواجهة النخبة والعوام والرأي العام ينفضّ عنه رعاته ويتبرؤون منه ويرمونه للغاضبين الحانقين ينهشونه.

لا ينطقون عن الهوى

يحدث أن يخطئ الإعلامي في تنزيل خبر أو تقدير موقف بدافع العُجالة أو بسبب السهو أو لأسباب تكوينية أو انفعالية، لكن حينما يتحول الكذب والافتراء والمغالطة إلى منهج تحريري لا بدّ أن نتخلى في التعامل مع هؤلاء الأزارقة عن حسن النية، ولا يحق لنا أن نبحث لهم عن أعذار، محلهم في رأيي الخزي والعار، ومرتبتهم الجهالة والحماقة ونصيبهم التجاهل والمقاطعة، لكن لسائل أن يسأل ما الذي يدفع هؤلاء إلى الإمعان في ذاك المسلك الهابط الرخيص؟ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون الأمر سليل النقائص المعهودة من جهل وافتقار إلى اللياقة، الرأي عندي أن هؤلاء لا ينطقون عن الهوى، إنما يوحى لهم من أطراف لا همّ لها غير تكريس الفوضى والجهل والتفكك والابتذال.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الكورونا تبيح المحظورات

العلاقات الدولية والكورونا