هوس الفيسبوك ..السعادة المؤقتة القاتلة

هوس الفيسبوك ..السعادة المؤقتة القاتلة

أكثر من 400 مليون مستخدم فيسبوك يعانون من الإدمان القهري (صورة تقريبية/ Getty)

 

مقال رأي

 

أتذكر أنه قبل سنوات أنزل أحد الدعاة تدوينة يحرّض المسلمين في العالم على مساعدة مسلمي الروهينقا الذين يتعرضون للقمع والتهجير. ختم الداعية التدوينة بهذه العبارة "ضع إعجاب إن كنت من المشاركين"، حظيت هذه التدوينة بكمّ لا بأس به من النقد حتى أن أحد الشباب المختص في الغرافيك قد ركب صورة تظهر الداعية بجانب أحد الفقراء من مسلمي الروهينقا وهو يحمل سلّة فوق ظهره مملوءة برسوم "اللايكات" ويساعد ذلك الفقير بتقديم "لايك" له.

اتهامات كثيرة تواجهها مواقع التواصل الاجتماعي بسبب ما يوصف بإدمان بعض الفئات العمرية عليها وخصوصًا من المراهقين

اقرأ/ي أيضًا: تنتشر عند التونسيين.. "اللودو" بين المرح والإدمان

تظهر الصورة في جانب من جوانبها الحجم الحقيقي للتفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن دراسات ظهرت مؤخرًا أثبتت أنه ورغم الحجم الافتراضي لما يحدث داخل مواقع التواصل الاجتماعي إلا أنها أصبحت سببًا من الأسباب التي تؤدي إلى الاكتئاب، إضافة إلى علاقة الاكتئاب بمواقع التواصل الاجتماعي ككلّ.

اتهامات كثيرة تواجهها مواقع التواصل الاجتماعي بسبب ما يوصف بإدمان بعض الفئات العمرية عليها وخصوصًا من المراهقين. وقد نشرت صحيفة "دايلي ميل"  البريطانية تقريرًا سنة 2015 أكدت فيه أن أكثر من 400 مليون مستخدم فيسبوك يعانون من الإدمان القهري وأن الدماغ يحتاج إلى تفقّد مواقع التواصل الاجتماعي مرة كل 31 ثانية. التقرير خلص إلى أن الإفراط في الولوج إلى مواقع التواصل الاجتماعي قد يخلق عادات سيئة لدى الشخص مثل عدم النوم باكرًا، الشعور الدائم بالتعب مما يترك آثارًا نفسية سلبية مثل الشعور الدائم بالتوتر والقلق. وباعتماد المؤشر الديمغرافي تسيطر الشريحة العمرية بين 18 سنة و29 سنة على أكثر من 88 في المائة من عدد المستخدمين. كما يعتبر الفيسبوك من أكثر مواقع التواصل الجتماعي شعبية في العالم إذ بلغ عدد مستخدميه أكثر من 3 مليارات شخص.

لا بد أنك مازلت تتذكر حتى اليوم التدوينة التي نشرتها وحصلت على أكبر عدد من الإعجابات والمشاركات، أكيد أن هذه العملية قد خلقت شعورًا جميلًا داخلك، لكن كم دامت سيطرة ذلك الشعور على نفسك، ساعة، يوم، أسبوع.. لن تدوم طويلًا، بعض الباحثين أكدوا أن مواقع التواصل الاجتماعي تساعد على خلق السعادة المؤقتة والتي لا يكتفي منها الجسم مما يساعد على سرعة الشعور بالاكتئاب.

دراسات عديدة أكدت أن هناك صلة بين استخدام المراهقين لمواقع التواصل الاجتماعي لأكثر من ساعتين وإصابتهم بالاكتئاب

وتعتمد الطريقة البسيطة لعمل الدماغ على إنتاج هرمون السعادة "الدوبامين" لمكافأتك على إنجاز معين أو عمل نجحت في القيام به (عمل فعلي وحقيقي)، إذ يتم إنتاج "الدوبامين" ارتكازًا على تلك الحقيقة ليشعر المرء بعدها بسعادة تتواصل إلى وقت معين وطبيعي. لكن مواقع التواصل الاجتماعي هنا توهم الدماغ بتحقيق إنجاز ما بعد الحصول على عدد كبير من الإعجابات فينتج الهرمون ارتكازًا على حقيقة افتراضية وهو ما يعجل بسرعة انتهاء الشعور الإيجابي ويسمى بـ"السعادة المؤقتة".

اقرأ/ي أيضًا: تونسيون أدمنوا "العالم الأزرق" ثم غادروه دون رجعة

تنعكس العملية تمامًا في حال عدم الحصول على التفاعل المنتظر وهو ما تؤكده الأبحاث في مجال علم اللذة  Hedonic Psychology والتي تؤكد غلبة المشاعر السلبية على المشاعر الإيجابية في حالاتنا النفسية.

ليس وحده حجم التفاعل مع المنشورات مسؤولًا عن الاكتئاب، بل إن الباحثة في علم النفس في جامعة بنسلفيانيا ميليسا هانت أبرزت أن هناك عددًا من الممارسات تحصل يوميًا تؤكد سقوط المرء في حالة من الإدمان القهري وهي التمرير السلبي "Passive scrolling " والتمرير السلبي هو تصفح مواقع التواصل الاجتماعي نزولًا وصعودًا دون أي هدف محدد، حالة تثبت مدى ارتباط المرء بمواقع التواصل الاجتماعي ووصوله إلى مرحلة يمكن اعتبارها خطرة.

دراسات عديدة أكدت أن هناك صلة بين استخدام المراهقين لمواقع التواصل الاجتماعي لأكثر من ساعتين وإصابتهم بالاكتئاب إذ إرتفع زمن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي من 90 دقيقة سنة 2012 إلى ما يقارب 135 دقيقة سنة 2017، وهو معدل مرتفع جدًا.

مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت سببًا رئيسيًا في الشعور بالوحدة.. تجلس في بيتك بجانب عائلتك وأنت منغمس في حديث مع شخص يبعد عنك مسافة كبيرة

أكثر من ساعتين يقضيها المرء على موقع للتواصل الاجتماعي الافتراضي قد تسبّب الشعور بالروتين القهري والقلق والتنمر إضافة إلى تأثيرها على ساعات النوم. مشاعر قد تدفع في بعض الأحيان إلى الانتحار.

لكن الغريب أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت سببًا رئيسيًا في الشعور بالوحدة، تجلس في بيتك بجانب عائلتك وأنت منغمس في حديث مع شخص يبعد عنك مسافة كبيرة. والأغرب أنك تشعر معه بالحميمية والقرب أكثر مما تشعر به مع عائلتك، الأمر الذي دفع البعض إلى الحديث عن مصطلح جديد وهو " معا ...وحدك" Together alone.

يصل الاكتئاب في بعض الأحيان بالشخص إلى الانتحار حتى أن بعض الأشخاص قد قاموا ببث فيديو مباشر لعملية انتحارهم على فيسبوك  facebook live. بعد تواتر هذه الحالات تحركت إدارة فيسبوك وذلك باستخدام الذكاء الاصطناعي لمحاولة منع الاشخاص من الانتحار أو إعطاء الفرصة للمستخدمين للمساعدة في حال لاحظوا ميولًا انتحارية لدى البعض لكن الأمر مازال يحتاج مزيدًا من الجهود.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لعبة "البلانات".. الإدمان الخفيّ من أجل الربح السريع

الـ"فريلانس".. وجهة جديدة لشباب تونس الباحث عن عمل