لعبة

لعبة "البلانات".. الإدمان الخفيّ من أجل الربح السريع

1980 مشاهدة
تلقى لعبة الرهان "البلانات" انتشارًا كبيرًا بين الشباب التونسي (سبينسر بلات/getty)

كان ولا يزال نهج ابن خلدون بالعاصمة التونسية هو شارع "التارسي"، فأغلب مقاهيه وحاناته يرتادها مدمنو "التارسي"، وهي لعبة رهان خاصة بسباقات الخيول في تونس وفي أوروبا. ابن خلدون، هو نهج مليء بأغرب قصص الإدمان على القمار، حيث تقرأ الملامح فترى انكسارات هذه اللعبة على الوجوه، وترى فعل الزمن على وجوه هؤلاء الكهول، أمّا نشرية "التيرف" التي تصدر بفرنسا فلا تراها إلا في هذا النهج.

يُشتهر نهج ابن خلدون بالعاصمة التونسية بارتياد مدمني لعبة الرهان "التارسي" الخاصة بسباقات الخيول على مقاهيه وحاناته

في المساء وقبل الغروب، يتجمهر الرواد في الزوايا وفي مقاهيهم للنقاش والتحاور وتبادل الخبرات حول ما حصل في مراكض الخيل في "قصر السعيد" بتونس أو في المراكض الأوروبية. يوزّع أحدهم مطبوعة النتائج بسعر بخس فيتلقفونها بهدوء وبلهفة غريبة، فجميعهم خبراء في عالم الخيل وراكبيه ومالكيه. لقد علّمتهم الأيام والخسارات أدق تفاصيل حياة الخيل وسياسها، وبذلك بعيد التصريح بنتائج اللعبة تذبل العيون، ويخفت الضجيج، وتنطفئ جذوة في الداخل، فيما يسكت المحللون. في مشهد شبيه بحكايا شهرزاد في "ألف ليلة وليلة"، يندلف مدمنو اللعبة إلى خارج نهجهم، نهج ابن خلدون، في اتجاه المجهول في انتظار يوم جديد.

ولكن هذا المشهد السوريالي والسيزيفي المليء بالتراجيديا ليس الوحيد في تونس، حيث ساهمت الثورة التكنولوجية والاتصالية في سيولته وانتشاره في أماكن أخرى، وشوارع عدّة، ومع فئات عديدة، وبطرائق مختلفة. إذ تمارس تقريبًا نسبة وافرة من الفئة الشبابية الرهان الالكتروني خلسة ومجاهرة تصل إلى حد الإدمان المدمّر للذات والكيان.

فحسب أخر الأرقام، تخسر تونس سنويًا ما يقارب 400 ألف دولار من عملتها الصعبة جرّاء لعبة "البلانات" أو القمار الالكتروني بكلّ أشكاله، كما تحتل تونس المرتبة 33 عالميًا في الرهان الالكتروني، وهي أرقام توحي بخطر ما محدق بالمجتمع التونسي وفق ما يؤكد المختصّون.

ساهمت الثورة التكنولوجية في انتشار الرهان الالكتروني في صفوف الشباب التونسي إلى حدّ الإدمان

اقرأ/ي أيضًا: "أنا أسكر.. إذًا أنا موجود": من الدوام إلى الحانة

شباب يقامر من أجل أحلام صغيرة

تنقّل "ألترا تونس" إلى محيط بعض المؤسسات التربوية الإعدادية والثانوية بالضاحية الغربيّة للعاصمة والتي يسميها فيلسوف التربية التونسي أحمد شبشوب بـ"أحزمة العنف"، والتقى بعض الشباب التلمذي وأغلبهم من سكان الأحياء الشعبية حيث يرتفع منسوب العنف والجريمة. وحيث تنتشر أيضًا ممارسة القمار الالكتروني وخاصة لعبة "البلانات" الشهيرة المتفشية في كامل بلدان العالم، والتي تلقى رواجًا في مختلف المناطق التونسية شمالًا وجنوبًا.

التقينا بالتلميذ حازم ع (17 سنة) الذي بدا متحمسًا للحديث معنا، حيث يقول إنه يجد متعة لا توصف عندما يلعب "البلانات"، بل يؤكد أن أول ما يفعله صباحًا هو زيارة موقع "البلانات وين" على الأنترنت، حيث ينتقل إلى عالم آخر وفق تعبيره هو "عالم إمكانية الثراء" خاصّة وأن وضعه الإجتماعي لا يسمح له بتحقيق أحلامه الصغيرة كشراء دراجة نارية من نوع "فيسبا"، وأحذية رياضية وسراويل "الدجينز".

حازم.jpg

حازم يأمل الانتقال إلى عالم الثراء بفضل "البلانات"

يؤكد لنا حازم أنه ينفق يوميًا بين دينارين (0.8 دولار) وعشرة دنانير (4 دولار)، ويقول إن مأتى هذا المال هو مصروف جيبه، ويبتسم هنا ليقول بصوت هامس ضاحك: "مرات نتلزّو للتقحيف"، و"التقحيف" هو مصطلح دارج بين أوساط الشباب مفاده التسوّل بين الأصدقاء فقط. ويشير حازم أنه يلعب "البلانات" في مقاهي خاصّة في الحي الذي يقطن فيه، وذلك مع الحرص على التخفّي لأن "الحاكم"، وهو المصطلح الدّارج شعبيًا لوصف أعوان الشرطة، يترصدهم بل يبتزّهم ويقاسمهم الربح في غالب الأحيان.

اقرأ/ي أيضًا: ضحايا الاغتصاب في تونس.. قصص الوجع الدائم

"تونس كلّها تقمّر"

من جهته، يقول لنا التلميذ فراس ع (16 سنة) إن أبناء حيّه يلعبون جميعهم "البلانات" بل "إن تونس كلّها تقمّر" أي تراهن وفق تعبيره. تعلّم فراس الرهان في سهرات "الحومة"، أي في الحي، وفي المقاهي، ويقول، وهو صاحب الاطلاع الكبير في الرياضة المحلية، إن "البلانات" ستنهي لعبة "البروموسبور" وهي لعبة الرهان الرياضي المقنّن، "التي لم تتطوّر ولا تزال إلى اليوم تشتغل بنفس الطريق القديمة" وفق تأكيده.

فراس.jpg

يوفّر فراس من مصروفه للعب "البلانات"

ويستغرب فراس القول إن لعبة "البلانات" مرتبطة بالشباب فقط، حيث يؤكد أن كل الشرائح العمرية تقريبًا تمارسها، وأشار لنا بيده إلى مقهى مجاور قائلًا: "هناك تجدهم". وأضاف أن عديد البنات في معهده يلعبن وتراهنن على مقابلات التنس أو كرة اليد النسائية. وبخصوص المال، يكشف أنه يوفر ميزانية صغيرة للرّهان وذلك بعلم عائلته، وقد همس في آخر حديثه معنا حتى لا يسمعه البقية بأنه ربح مؤخرًا 500 يورو.

بدوره، صرّح لنا خليل. د وهو تلميذ باكالوريا (18 سنة) أنّ عالم الرهان "هو عالم جميل، ورائع وممتع"، وقد حدّثنا عن تعدد الخيارات في "البلانات"، إذ يقول إنها "تمنحك الحرية كأن تشكّل الأعمدة كما تشاء، أو تختار المراهنة على تهديف لاعب بعينه، أو على عدد الركنيات، كما يمكنك الرّهان على مقابلات في لعبة التنس أو رياضات أخرى". ويعترف خليل لـ"ألترا تونس" بأنه شديد الإدمان على الرهان فهو يقضي الساعات بين "الفلاش سكور" وعالم "البلانات"، و يرى ذلك أحسن من إدمان أشياء أخرى كالمخدّرات المتفشّية في الأحياء الشعبية.

يصف التلميذ خليل عالم الرهان الإلكتروني بأنه "عالم جميل، ورائع وممتع" ويفضّل الإدمان على الرهان بدل الجنوح نحو المخدرات

أما بالنسبة لصبري. ع وهو تلميذ أيضًا (17 سنة) فقد لخّص بأن الفقر هو الدافع بالنسبة لأغلب الشباب للعب الرّهان الرياضي، وأن البحث عن المال السريع هو الهدف الرئيسي خاصّة وأنّ "وضع البلاد ما يعجبش، وزيد البطالة"، هكذا وبكل بساطة يعرض صبري وجهة نظره.

متى يتم تقنين الرّهان الالكتروني؟

في المقهى القريب من المؤسسة التربوية التي توجّهنا إليها، التقينا كذلك سمير الشهير بكنية "بونتو بوان كوم"، وهو وسيط بين إدارة لعبة "البلانات" بالخارج واللاعبين في تونس، والذي يؤكد أن العالم بصدد التغير بفضل التكنولوجيا والهواتف و"بالتالي على الدولة أن تعي بذلك"، وفق تعبيره. حيث يشير أنه حان الوقت لتقنين ألعاب الرّهان الإلكتروني في تونس باعتبار أن السكوت عنها وتطبيق سياسة الالتفات الى الوراء قد يزيد من استنزاف تونس من العملة الصعبة.

يطالب البعض بتقنين ألعاب الرّهان الإلكتروني في تونس باعتبار أن السكوت عنها يساهم في استنزاف العملة الصعبة

وفي هذا الجانب، يكشف سمير أن التحويلات المالية الخاصّة بـ"البلانات" وغيرها من الألعاب تتم "بطرق ملتوية". وأضاف أن الزجر الأمني ليس حلًا، مشيرًا إلى أن أغلب محلات الأنترنت العمومي أو النقاط الموجودة في المقاهي تعود للعمل مجدّدًا بعد المداهمات الأمنية.

وبخصوص الشرائح العمرية التي تمارس الرهان الالكتروني، يبيّن سمير لـ"الترا تونس" أن مختلف الشرائح منخرطة في مثل هذه الألعاب وإن كانت الغالبية من الشباب وبالخصوص الشباب التلمذي.

اقرأ/ي أيضًا: رجال تونسيون ضحايا العنف "المؤنث"

طفح مجتمعي علاجه التوعية المستدامة

حمل "ألترا تونس" هذه الآراء ومختلف التفاصيل التي ذكرها المستجوبون الى أهل الاختصاص، وكانت البداية مع علم الاجتماع. حيث يؤكد الباحث في الجامعة التونسية سفيان الفراحتي أن القمار من أقدم الممارسات البشرية، وهو فعل يومي في كل المجتمعات تقريبًا لكن الخطورة تكمن في تحول هذا الفعل الى ظاهرة تغرق المجتمع وتكبّله، وهو ما يحصل الآن في المجتمع التونسي، وفق تقديره.

شباب يلعبون البلانات

"الخطورة في تحوّل القمار إلى ظاهرة تغرق المجتمع وتكبّله"

 

ويرى الفراحتي أن مردّ الرهان الالكتروني هو الحراك المجتمعي الذي عاشته تونس في السنوات الأخيرة وتغير شكل العائلة من العائلة الممتدة الى العائلة النواة، وذلك بالإضافة لانتشار قيم داخل المجتمع منها التهاون، وتحدي مؤسسة القانون، والكسب السريع وعدم الثقة في المدرسة، وفق تعبيره. ويؤكد محدّثنا: "مع الثورة التكنولوجية، كلّ هذا يؤدي الى ظهور نوع من الطفح المجتمعي".

ويضيف بأن التشبيك أو بروز المجتمعات الشبكية ساهم بشكل من الأشكال في تفشي هذه الظواهر وغيرها في أغلب المجتمعات، لكن التصدي وآليات التصدي هي التي تصنع الفارق. وبخصوص الرهان الالكتروني وتحديدًا لعبة "البلانات" وتأثيرها على الشباب وخاصة المدرسي منه، يرى الأستاذ فراحتي بأن الحل يجب أن يكون تشاركيًا بين السياسيين والفاعلين التربويين والمجتمع المدني، ويضيف قائلًا: "لعلّ آلية التوعية المستدامة هي الأداة المثلى للقضاء على مثل هذه الظواهر".

اقرأ/ي أيضًا: أزمة المياه.. هل باتت تونس مهددة بالعطش؟

أين المدرسة كمصنع صغير للقيم؟

من جهته، يرى الأستاذ عماد العباسي، وهو مختص في علوم التربية وباحث بقسم الفلسفة بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس، أن المجتمع مهدّد من عدة مظاهر منها الرّهان والإدمان عليه، وبالتالي لابد من التشخيص السليم ثم الذهاب للعلاج، وفق تعبيره.

ويشير، في هذا الجانب، إلى تأثير التغيّرات العالمية بمختلف الأشكال على المجتمع التونسي، ويقول: "إن هذه التغيّرات لم تعد تحت إرادة القرار السياسي الدولي، وإنما تحت إرادة الشركات العابرة للقارات المعولمة السّاعية إلى تنميط العالم عبر الماركات من "ماكدونالد" و"كوكاكولا" إلى "أديداس" والآن هاهي "البلانات"، التي يوحي اسمها بالسّعي الى كوكبة كل شيء، وبالتالي ما يعيشه شبابنا فيما يتعلق بهذه اللعبة يدخل في هذه الخانة".

"البلانات يوحي اسمها بالسّعي لكوكبة كل شيء"

وبالنسبة إلى الحلول، يدعو العباسي إلى تفعيل دور المدرسة "كمصنع صغير للقيم"، وإلى القيام بإصلاحات جوهرية داخلها بماهي صمام أمان المجتمعات، وفق تعبيره، كما يشير محدثّنا إلى أهمية دور وسائل الإعلام.

شخصية المقامر هي شخصية معطوبة

من جهتها، تؤكد سوسن درين، وهي مختصة في علم النفس وباحثة بقسم علم النفس بكلية 9 أفريل بتونس العاصمة، أن المجتمع التونسي وخاصة شريحة الشباب "يعيش هشاشة بعد التغيّرات التي طرأت على المجتمع التونسي". وتشير في حديثها لـ"ألترا تونس" إلى ما تعتبره فقدان الأمل الذي يؤدي بالفرد أو المجموعة إلى الإحباط الذي يقوده بدوره إلى المجهول مثل المجازفة في البحر نحو ضفة أخرى، أو الجريمة، أو القمار بأنواعه.

تعتبر المختصة في علم النفس سوسن درين أن فقدان الأمل يؤدي إلى الإحباط ومنه إلى المجهول مثل لعب القمار

وتقول المختصة في علم النفس: "إن شخصية المقامر هي شخصية معطوبة ومداواتها تتطلب بعض الوقت"، وتضيف أن الحلول موكولة للمجتمع نفسه بجميع مكوّناته، ومؤسساته، مشدّدة على أهمية التركيز على التنشئة الأولى مستشهدة برؤية عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو التي تعتمد على تشارك مختلف المؤسسات المجتمعية أي العائلة، والدين، والمدرسة والفن وغيرها من المؤسسات.        

 

اقرأ أيضًا:

"تشليط"، كي وممارسات أخرى.. رعب أطفال تونس

مدرسة تونس للفنون التشكيلية.. علامة فارقة وتاريخ خالد