21-سبتمبر-2022
محكمة قضاة قضاء عزل تونس

لا يد تعلو فوق الرئيس الذي يثبت، يومًا بعد يوم، بمراسيمه وممارساته، أنه لا يريد إلا السيطرة على القضاء بأي ثمن كان (صورة توضيحية/الشاذلي بن ابراهيم)

الترا تونس - فريق التحرير

 

من الثابت أن رئيس الدولة قيس سعيّد يهوى التأسيس لسوابق تاريخية لم تشهدها البلاد لا زمن الاستبداد ولا زمن التأسيس الديمقراطي. مجددًا، وفي سابقة تاريخية تؤكد اضمحلال منطق الدولة، انطلقت السنة القضائية الجديدة (2022/2023) دون سابق إجراء الحركة القضائية وما تتضمّنه بالخصوص: أولًا تعيين القضاة الجدد في مراكز عملهم وثانيًا تغيير مواقع القضاة المباشرين سواء بطلب أو لمصلحة العمل.

المرفق القضائي بتونس أصبح لأول مرة في حالة شبه شلل بإرادة من رئيس الدولة

وإن ما أخذنا بعين الاعتبار أيضًا الشغور المسجّل إثر قرار إعفاء عدد من القضاة بداية جوان/يونيو المنقضي، والذي شمل خططًا قضائية سامية إضافة لمواقع حسّاسة (بالخصوص جهاز النيابة العمومية)، فإن المرفق القضائي بتونس أصبح لأول مرة في حالة شبه شلل بإرادة من رئيس الدولة.

 

 

أدى عدم إصدار الحركة القضائية في موعدها لحالة من الضبابية على المستوى الإنساني والمهني، بين قضاة لا يعرفون موقع مباشرة العمل بما سيؤثر لاحقًا على الاستقرار الأسري خاصة مع سابق انطلاق العودة المدرسية والجامعية، وقضاة يواصلون المباشرة في مواقع العمل القديمة ستشملهم الحركة بما يعني إعادة توزيع الملفات وتشكيل للدوائر بما سيعزّز حالة الاضطراب المحقّقة في عمل المحاكم.

ومن مظاهر هذا الاضطراب هو عدم التوزيع الداخلي للعمل في المحاكم وظاهرة التعويض المستمر خاصة في الدوائر الجزائية لتحقيق النصاب، وهو ما ينعكس سلبًا على البتّ في الملفات وبالتالي ضمان حقوق المتقاضين.

انطلق العام القضائي في تونس في أجواء من الارتباك بل والخوف في انتظار حركة قضائية خاضعة هذه المرّة، قانونًا وواقعًا، للسلطة التقديرية لرئيس الدولة

جرت العادة سابقًا أن يُفتتح العام القضائي الجديد في إطار يغلب عليه الطابع الاحتفالي داخل المجتمع القضائي، ولكن انطلق هذا العام في أجواء من الارتباك بل والخوف في انتظار حركة قضائية خاضعة هذه المرّة، قانونًا وواقعًا، للسلطة التقديرية لرئيس الدولة، في نسف لأبسط موجبات مبدأ استقلال القضاء.

قيس سعيّد، بالنهاية، غير معني بتأسيس قضاء مستقلّ، وهو لا يرى استقلالية القضاء إلا بقدر موالاته له. كشفت الفصول الخاصة بالقضاء في دستور 25 جويلية، الدستور الذي كتبه الرئيس بنفسه ولنفسه، عن نوايا لا تهدف إلا لإنتاج قضاء منزوع الاستقلالية وخاضع لرغبات رئيس الدولة الذي يعتبر القضاء أصلًا وظيفة وليس سلطة.

كشفت الفصول الخاصة بالقضاء في دستور 25 جويلية عن نوايا لا تهدف إلا لإنتاج قضاء منزوع الاستقلالية وخاضع لرغبات رئيس الدولة

إن معاينة معالجته لملف القضاء منذ الانقلاب تشي بوضوح عن سعي لوضع اليد: تنصيب نفسه رئيسًا للنيابة العمومية دون قدرته على التفعيل الإجرائي لقراره، التطبيق غير المسبوق للفصل 23 من مجلة الإجراءات الجزائية، وهو فصل غير دستوري حسب مشروع قانون مراجعة المجلة، الذي يبيح تدخل وزيرة العدل في إثارة الدعوى العمومية. فيما يبقى حلّ المجلس الأعلى للقضاء وتنصيب مجلس مؤقت ولاحقًا إعفاء عدد من القضاة، في غياب أبسط ضمانات حق الدفاع وعبر تقارير أمنية، هو العنوان البيّن عن خطة رئيس الدولة للسيطرة على القضاء، الذي يظلّ أداة ضرورة وناجعة، بالنسبة له، لاستهداف خصومه السياسيين.

 

 

ماذا ننتظر أصلًا من الحركة القضائية التي ستصدر بالنهاية؟ باتت أبسط الانتظارات هي سدّ الشغورات وتأمين العمل العادي للمحاكم، ولكن ليس هذا المطلوب. إن الخطر الحقيقي هو تعيين رئيس الدولة لقضاة موالين ومتعاونين معه في عدد من الخطط القضائية الحسّاسة بالخصوص رئاسة محاكم العاصمة والوكالة العامة بمحكمة الاستئناف دونًا عن وكالة الجمهورية بمحكمة الحاضرة، إضافة لمكاتب تحقيق محددة.

إن مرسوم مجلس القضاء المؤقت يجعل الكلمة الفصل في تسمية القضاة بيد رئيس الدولة، عبر امتياز الاعتراض على تسمية أو تعيين أو ترقية أو نقلة كل قاض بناء على تقرير معلل من رئيس الحكومة أو وزير العدل، ويصبح المجلس القضائي ملزمًا بإعادة النظر في موضوع الاعتراض.

إن الخطر الحقيقي هو تعيين رئيس الدولة لقضاة موالين ومتعاونين معه في عدد من الخطط القضائية الحسّاسة بالخصوص رئاسة محاكم العاصمة والوكالة العامة بمحكمة الاستئناف

وبخصوص الخطط القضائية السامية، يتلقى الرئيس ترشيحات من المجلس، وله دائمًا حق الاعتراض لاستبدال المترشحين، بل يتولى رئيس الجمهورية عند الامتناع عن التعيين أو عدم الاستبدال أو السكوت التعيين مباشرة في هذه الخطط القضائية أي دون التزام بحصرية الترشيح من المجلس القضائي المفتقد بطبيعته لضمانات الاستقلالية.

حسب دستور 2014 وقانون المجلس الأعلى للقضاء، الذين تم نسخهما بعد الانقلاب، لم يكن لرئيس الدولة أي سلطة تقديرية في تسمية القضاة، بما في ذلك في الخطط السامية، إذ كان المجلس يفتح باب الترشحات ويقوم بالسماعات للمترشحين قبل التصويت على اسم وحيد يقع ترشيحه حصريًا لتعيينه. بين ما كان وما بات، لا يد تعلو فوق الرئيس الذي يثبت، يومًا بعد يوم، بمراسيمه وممارساته، أنه لا يريد إلا السيطرة على القضاء بأي ثمن كان.

تتعزّز المخاوف من مواصلة هتك استقلالية القضاء وتعبيد الطريق لقضاء تابع وخاضع لاستهداف الخصوم السياسيين والمعارضين للرئيس إجمالًا

تتعزّز المخاوف من مواصلة هتك استقلالية القضاء وتعبيد الطريق لقضاء تابع وخاضع لاستهداف الخصوم السياسيين والمعارضين للرئيس إجمالًا، خاصة بما تضمّنه المرسوم 54 المتعلق بجرائم الاتصال، الذي أصدره سعيّد لوحده دون حتى انتظار انتخاب مجلس نواب الشعب ليتولى سلطة التشريع بمقتضى قوانين. يجرّم الفصل 24 من هذا المرسوم نشر الإشاعات والأخبار الزائفة بعقوبة مشددة، سجنية ومالية، باستعمال عبارات مغرقة في العمومية وتتعارض مع الضوابط الديمقراطية وضمانات صون حرية التعبير، مع فتح الباب لأجهزة الأمن لانتهاك الخصوصية الرقمية.

بهكذا مرسوم زجري، وبقضاة خاضعين غير معنيين بإقامة العدل وحماية الحقوق والحريات ولا ضمان للنظام الديمقراطي، وهي مهام كان مكلّف بها القاضي التونسي في دستور 2014، يستطيع رئيس الدولة أن يكمّم الأفواه كما يشاء. مجدّدًا، يتبيّن أن الحقوقيين في تونس معنيين أكثر فأكثر في الفترة القادمة بخوض معركة عادلة للدفاع عن أبسط مكتسبات الثورة: حرية النشر والتعبير.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"