منور صمادح.. شاعر الحرية الذي ظلمته دولة الاستقلال

منور صمادح.. شاعر الحرية الذي ظلمته دولة الاستقلال

تغنى بالحرية وعُرف بمساندته لحركات التحرر في العالم وشارك في الحركة الوطنية

"شيئان في بلدي قد خيبا أملي.. الصدق في القول والإخلاص في العمل" بيت شعري نُقل مشافهة ونُسب للشاعر التونسي منور صمادح وفتح على الرجل أبواب الجحيم ليفقد عقله ومجده. 20 سنة منذ وفاته بتاريخ 28 ديسمبر/ كانون الثاني 1998 ولا حقائق كُشفت عن ما عاشه الشاعر العصامي خلال مناسبات استنطاقه أمنيًا زمن بورقيبة، والتي تقول عائلته، أنها غيرت حياته نهائيًا وقضت على مشواره الشعري.

تجهل عائلة منور صمادح والمقربون منه إلى حد الآن حقيقة ما حصل له خلال مرات الاستنطاق والبحث في وزارة الداخلية وما قد يكون أوصله لحالة الاضطراب

في الذكرى العشرين لوفاته، ننبش من جديد فيما حصل للشاعر العصامي الذي قال عنه الأديب مصطفى الفارسي إنه "لا يقل أهمية عن أبو القاسم الشابي"، ونبحث عن التطورات في ما يخص قضيته إبان الثورة. ومنور صمادح، لمن يجهله، شاعر عصامي ولد بنفطة سنة 1931، تغنى بالحرية وعُرف بمساندته لحركات التحرر في العالم كما شارك في الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي لتونس، وفي هذا السياق يتنزل دعمه خلال تلك الفترة لبورقيبة، إذ كان يعتبره "قائد الاستقلال وزعيمًا وطنيًا"، كما يتحدث الصحفي حمزة مرزوق لـ"ألترا تونس"، ومرزوق هو قريب صمادح وممثله لدى هيئة الحقيقة والكرامة.

يواصل حديثه معنا: "منور صمادح هو خال والدي وعم أمي، واتفقت مع العائلة، عندما قررنا تقديم ملف لما حصل له لهيئة الحقيقة والكرامة، (الهيئة المنوط بها الإشراف على مسار العدالة الانتقالية في تونس بمختلف مراحلها) أن أكون ممثله لدى الهيئة وتعهدت أن أحرص على كشف حقيقة ما تعرض له صمادح من انتهاكات خلال الزمن البورقيبي".

قدم حمزة مرزوق ملف صمادح إلى هيئة الحقيقة والكرامة بتاريخ 15 جوان/ يونيو 2016، الذي تضمن مطالب عائلته. وأولها "كشف الحقيقة حول الانتهاكات التي تعرض لها صمادح ما بعد الاستقلال وخلال فترة الحكم البورقيبية"، وفق تعبيره.

بالسؤال عن هذه الانتهاكات ونوعها وأسبابها، يوضح مرزوق لـ"ألترا تونس": "انطلق كل شيء عندما بدأ صمادح في نظم قصائد هجائية عن بورقيبة ونظامه، والبيت الذي فتح عليه أبواب الجحيم كان قوله "شيئان في بلدي قد خيبا أملي.. الصدق في القول والإخلاص في العمل"، وكان الصدق في القول والإخلاص في العمل شعارًا للجمهورية التونسية واستفز ذلك بورقيبة كثيرًا".

كلفه نقده لسياسات بورقيبة التتبع الأمني

 

عُرف صمادح بميولاته الاشتراكية القومية العروبية، ورغم دعمه لبورقيبة خلال فترة ما قبل الحصول على الاستقلال، فقد كان في حالة حيرة لسياسات الحزب الحاكم وعلى رأسه بورقيبة إبان الاستقلال وخاصة خياراته تجاه الفرنسيين والأمريكيين، إضافة إلى تطور نفوذ الحزب الواحد حينها والمحاكمات السياسية التي عرفتها البلاد.

هكذا تدهورت إذًا علاقته ببورقيبة، التي يقول مرزوق عنها، وفق مصادره الخاصة، إن "بورقيبة كان خلال فترة مقاومة المحتل الفرنسي وقبل أن يلقي أي خطاب شعبي، يطلب من صمادح ارتجال بعض الأبيات الشعرية لإذكاء حماس الجمهور ثم يقدم خطابه". لكن الحال تغير كما تغيرت صورة بورقيبة عند الشاعر العصامي.

تتالت قصائد الهجاء وأبيات النقد للنظام البورقيبي إثر ذلك، ومنها قصيدة صمادح "عهدي به جدًا فكان مزاحًا" والتي يقول فيها عن بورقيبة "يا من رأى سمكاً غدا تمساحًا". وبعد تأزم العلاقة بين الشاعر والسلطة حينها، بدأت التتبعات الأمنية واستدعي لإدارة الأمن للاستنطاق عام 1967. عن ذلك اليوم، يقول حمزة مرزوق لـ"ألترا تونس": "حدثتني العائلة أنه منذ وصلته رسالة الاستدعاء الأمني الأولى ساءت حالة الرجل ولم يتقبل الأمر بتاتًا".

اقرأ/ي أيضًا: الأخوان حفوز.. قصة مناضلين تونسيين اغتالتهما اليد الحمراء

قصيدة عهدي به جدًا

 

إثر ذلك، تكررت الدعوات الأمنية للاستنطاق وهو ما ساهم في تأزيم حالة منور صمادح النفسية. في ذات السنة أي سنة 1967، غادر الشاعر إلى الجزائر، أين قضى سنتين واشتغل خلال تلك الفترة كصحفي في الإذاعة الجزائرية وجريدة الشعب وقام بعدة أنشطة أدبية. 

وعند عودته من الجزائر، تعكرت حالته الصحية من جديد ودخل مستشفى الرازي للأمراض النفسية والعصبية مجددًا. وفي 2 ديسمبر/ كانون الثاني 1969، كتب، وهو على فراش المرض، إحدى أشهر قصائده بعنوان "كلمات"، والتي قال عنها الباحث والناقد التونسي فوزي البدوي "يصعب علي تصديق أن كاتب هذه القصيدة كان مريضًا بمستشفى الرازي".

في سنة 1973 استفحلت الاضطرابات العقلية، كما يصفها مرزوق، وعلى هذه الحال عاش منور صمادح إلى تاريخ وفاته سنة 1998 في الإهمال والفقر، دون أن تعرف عائلته والمقربون منه حقيقة ما حصل له خلال مرات الاستنطاق والبحث في وزارة الداخلية وما قد يكون أوصله لحالة الاضطراب.

عن تلك الفترة يقول حمزة مرزوق، قريبه، لـ"ألترا تونس": "تحدثني أمي عن لقاء جمعها به خلال فترة مرضه، كان في حالة رعب شديد، كان يتخيل أن المخابرات الأمريكية تبحث عنه، لكننا نريد أن نعرف ماذا حصل معه بالتفاصيل، من أعطى الأوامر؟ من استنطقه؟ ماذا حصل؟ أرشيف الداخلية متوفر ونريد معرفة الحقيقة". 

من مطالب عائلة منور صمادح إعادة طبع أعماله الشعرية، وهي التي نفذت من الأسواق منذ أواخر التسعينيات وأن تُدرج أعماله من جديد في البرامج التعليمية

لعائلة صمادح مطالب أخرى، غير كشف الحقيقة عن ما تعرض له بالداخلية التونسية، ومنها إعادة طبع الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر، وهي التي نفذت من الأسواق تقريبًا منذ أواخر التسعينيات وأن تُدرج أعماله من جديد في البرامج التعليمية للتعليم الثانوي بعد أن تم حذفها في فترة ما دون تبيان أي أسباب، خاصة وأن قطاعًا واسعًا من الشباب التونسي يجهلونه وهو أحد القامات الشعرية في بلدهم كما أن عديد الأطروحات تعرضت لأعماله الشعرية. ومن مطالب العائلة أيضًا أن يحظى الملتقى الوطني لشعر منور صمادح، الذي عُقدت آخر دورة له في جويلية/ يوليو الماضي بدعم إضافي.

لكن حمزة مرزوق لا ينفي تخوفه وشكوكه حول إمكانية تفعيل هذه المطالب على أرض الواقع، مع الوزيرين الحاليين للثقافة والتعليم، وفق تقديره. ويختم حديثه لـ"ألترا تونس": "أعول على هيئة الحقيقة والكرامة وتفاعلها مع الملف، إذ بعد مراسلتها تم استدعائي والاستماع لشهادتي لكنني لم أستطع تقديم أي وثائق إضافية إذ أن أرشيف صمادح تعرض للحرق. نحن طالبنا بحفظ الذاكرة وبجبر الضرر المعنوي لكننا لم نطالب بجبر أي ضرر مادي، وننتظر حاليًا تاريخ 25 ديسمبر الجاري، الذي من المنتظر أن ينطلق خلاله البدء بتسليم قرارات جبر الضرر عن الهيئة".

يقول من تشبع بشعر صمادح أن صاحب "الكلمات" كان يستحق في حياته وبعد مماته تقديرًا مختلفًا عن ما عرفه وإن لم تغير الثورة الكثير في ملف "مناصر الثورات والتحرر" إلى حد الآن فإن الآمال لا تزال قائمة في مسار العدالة الانتقالية ومخرجاتها.

الأعمال الشعرية الكاملة لمنور صمادح (عن الدار التونسية للنشر وبيت الحكمة 1995)

اقرأ/ي أيضًا:

علي بن عياد.. أسطورة المسرح التونسي

علي الزليطني.. قصة أحد مناضلي الاستقلال المنسيين