علي بن عياد.. أسطورة المسرح التونسي

علي بن عياد.. أسطورة المسرح التونسي

955 مشاهدة
صورة خلال تدريبات مسرحية مراد الثالث تجمع بين حبيب بولعراس، زبير التركي وعلي بن عياد (دار سيراس للنشر)

عديدة هي الأسماء التي ساهمت في تاريخ المسرح التونسي ودخلت عالم أب الفنون في تونس لكنه يبقى أبرزها، حسب المطلعين على تاريخ المسرح التونسي منذ نشأته. إنه علي بن عياد، ممثل ومخرج مسرحي تونسي (1930 - 1972)، صعد على خشبة المسرح صغيرًا جدًا، واختاره إثر ذلك مسارًا دراسيًا ومهنيًا ليتنقل بين مسارح تونس وباريس والقاهرة والولايات المتحدة وغيرها من مسارح العالم.

ارتبط بن عياد بتاريخ الفن الرابع في تونس، فهو أحد أبرز نجوم فرقة مدينة تونس للمسرح وشارك فيها ممثلًا ومخرجًا، وبفضله عرفت عصرها الذهبي واشتهرت عالميًا

ارتبط بن عياد بتاريخ الفن الرابع في تونس، فهو أحد أبرز نجوم فرقة مدينة تونس للمسرح (تكوّنـت في جانفي/ يناير 1955) وشارك فيها ممثلًا ومخرجًا، وبفضله عرفت عصرها الذهبي واشتهرت عالميًا. شارك في 27 مسرحية، بين 1958 وتاريخ وفاته، ومن أشهرها: أوديب، هاملت، كاليغولا، مدرسة النساء، عطيل، البخيل، مراد الثالث، يارما، الماريشال عمار وصاحب الحمار. ولا ينفي الكثيرون دوره في تكوين العديد من المسرحيين التونسيين.

اقرأ/ي أيضًا: شيخ مدينة تونس.. تنافس حاد وحظوة تاريخية

عطاء ضخم وسمعة عالمية

منذ بداياته، كانت طموحات علي بن عياد ضخمة. لم يقتصر حلم الرجل على تجارب محلية ولا إقليمية، كانت عيناه تحلمان بما هو أبعد وأعمق، لكنه لم يتوقف يومًا عن الإنتاج والإبداع محليًا. يُذكر أنه في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، تواصل مع فرقة يوسف وهبي وتعرّف إلى منسي فهمي وجورج أبيض وأمينة رزق وغيرهم من الممثّلين المصريّين. ثم سافر سنة 1952 إلى باريس ليلتحق بمعهد الفن المسرحي، وقام بدور "هملت" (شكسبير) مع ممثلين فرنسيين.

وفي أواخر الخمسينيات، انضم لفرقة بلدية تونس للتمثيل وعمل فيها مساعدًا لمديرها آنذاك محمد العقربي. وقام بأول أدواره باللغة العربية في مسرحية "أوديب الملك". وتلى ذلك تقديمه مسرحية "هملت" من إخراجه وتمثيله وبنسخة تونسية هذه المرة. وبعد سنة، قدم مسرحيته الثانية "الكلّو من عيشوشة"، التي أخرجها ومثل فيها أيضًا.

في جويلية/ يوليو 1960، سافر بن عياد إلى أمريكا للاطلاع على أهم مسارحها والطرق الفنية الحديثة وزار هوليود وقضّى أشهرًا في عدة مدن أمريكية. ووظف ما استفاده في تطوير وإثراء المسرح التونسي من الوسائل المستعملة في المسرح وتوظيف الستارة الخارجية والأضواء والستائر السوداء وغير ذلك من التقنيات المسرحية.

سافر بن عياد إلى عديد المسارح العالمية ووظف ما استفاده في تطوير وإثراء المسرح التونسي من خلال توظيف الستارة الخارجية والأضواء والستائر السوداء وغير ذلك من التقنيات الفنية

عند عودته من الولايات المتحدة، رجع علي بن عياد إلى فرقة بلدية تونس مع حسن الزمرلي، فأخرج مسرحية "كاليغولا" (ألبير كامو) وقام بدور البطولة فيها، ومثلت هذه المسرحية منطلقًا لنجاحاته وتألق فرقة بلدية تونس للمسرح، داخل تونس وخارجها، وتوجت بجوائز عالمية.

علي بن عياد في أحد أعماله

علي بن عياد في أحد أعماله  

حلم بن عياد بنشر وتطوير المسرح التونسي كان وراء مساهمته في تأسيس المركز الثقافي الدولي بالحمامات وشارك خاصّة في تصميم بناء مسرحه. وإلى اليوم يحتضن هذا المركز مهرجان حمامات الدولي في كل صائفة ويتميز المهرجان بعروضه المسرحية ولا يزال يُذكر اسم بن عياد ودوره البارز في بعثه.

وفي سبتمبر/ أيلول 1963، تولى علي بن عياد إدارة فرقة بلدية تونس وكانت باكورة إنتاج الفرقة بإدارته مسرحية "مدرسة النساء" من إخراج محمد عزيزة، كما أخرج مسرحية "الجلاء"، التي دشّن بها المسرح الرئاسي بقصر قرطاج (القصر الرئاسي).

تعددت أعمال بن عياد المسرحية خلال سنوات قليلة. في جويلية/ يوليو 1964، أخرج مسرحية "عطيل" التي دشّن بها مسرح الحمامات وقام من خلالها بدور "ياغو". وفي أوت/ أغسطس من ذات السنة، أخرج مسرحية "أهل الكهف" لتوفيق الحكيم. وفي ديسمبر/ كانون الأول من ذات العام، أخرج مسرحية "البخيل" (موليار). لكن ما ميز بن عياد أنه لم يقتصر على "مسرحة" النصوص العالمية الشهيرة.

استقطب علي بن عياد أبرز أدباء تونس للكتابة للمسرح في محاولة لـ"تونسة" النص المسرحي، وهكذا أخرج مسرحية "مراد الثالث"، التي كتبها خصّيصًا له الحبيب بولعراس، وقام فيها بدور مراد. وأخرج "ثورة صاحب الحمار" لعز الدين المدني. واتفق مع الرسام زبير التركي لوضع لمساته التونسية على الملابس المعتمدة وديكور مسرحياته.

استقطب علي بن عياد أبرز أدباء تونس للكتابة للمسرح في محاولة لـ"تونسة" النص المسرحي، وهكذا أخرج "مراد الثالث" للحبيب بولعراس و"ثورة صاحب الحمار" لعز الدين المدني

تنقل علي بن عياد خارج تونس أين قدم عروض مسرحياته في بلدان عديدة، وسرعان ما حاز شهرة عالمية وعديد الجوائز والتكريمات. اشتهر اسم  بن عياد وشارك في مسلسل تلفزي تونسي إيطالي بعنوان "الحروب الصليبية". وفي سنة 1967، سافر إلى إسبانيا وقابل شقيقة لوركا لترخّص له من أجل إخراج مسرحية "يارما".

لكن أكثر مسرحيات بن عياد شعبية بين عامة التونسيين هي بتأكيد الجميع مسرحية "الماريشال". وهي مسرحية كوميدية تونسية، اقتبسها الفنان نور الدين القصباوي عن مسرحية "البرجوازي النبيل" لموليير، وأخرجها علي بن عياد.

هكذا جمع علي بن عياد بين مسرح الأعمال الجادة ـ الفلسفية ـ المعتمدة للعربية الفصحى والقائمة على نصوص شهيرة عالميًا وعربيًا وبين مسرح شعبي نقدي للمجتمع التونسي ومعتمد لهجته العامية على غرار مسرحية "الماريشال".

علي بن عياد في أحد أعماله

علي بن عياد في أحد أعماله  

اقرأ/ي أيضًا: مدرسة تونس للفنون التشكيلية.. علامة فارقة وتاريخ خالد

إيمان بالقضايا العادلة وانخراط فيها

في نهاية الأربعينيات ومع تطور الأحداث في فلسطين، افتقدته عائلته، وعُثرَ عليه بعد فترة في الجنوب التونسي وكان ينوي الانضمام إلى أفواج المتطوعين التونسيين إلى فلسطين. ويذكر لبن عياد وفاءه لموقفه من القضية الفلسطينية حتى أن آخر أعماله كانت القضية موضوعها الرئيسي.

ويُذكر المتابعون لتاريخ المسرح التونسي تجند علي بن عياد خلال معركة الجلاء في بنزرت بالدفاع عن القضية الوطنية، إذ شارك في لوحات بعنوان "من وحي معركة الجلاء" وأعد عديد البرامج الإذاعية عنها، وكان يعمل حينها في الإذاعة الوطنية.

 

المصادر:

Chrif Labiba, Evolution de l’expérience théâtrale de Aly Ben Ayed à partir de l’étude d’ EL Bekhil, Certificat d’aptitude à la recherche scientifique ,Université de Tunis, Faculté des lettres et des sciences humaines,Tunis,1983

مراد الثالث، الكاتب الحبيب بولعراس، ميديا كوم، 2007.

المسرح التونسي مسارات حداثة، عبد الحليم المسعودي، تونس 2018.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رحيل رجاء بن عمار.. المسرح التونسي في حداد

الدورة 22 من مهرجان قفصة الدولي للمسرح.. عرس المسرح