مدارس سوسة تحت وطأة كورونا

مدارس سوسة تحت وطأة كورونا

تعبث الكورونا بالموسم الدراسي في ولاية سوسة (صورة تقريبية/ياسين القايدي/ الأناضول)

 

لم يمض شهر منذ انطلاق الموسم الدراسي 2020-2021 حتى تعثرت الدراسة في المؤسسات التربوية بولاية سوسة وغيرها من الولايات. كورونا العدوّ الخفيّ داهم في موجته الثانية ولاية سوسة بالكامل وتسبب في رفع درجة الخطر في ست معتمديات منها وكان له نصيب في انطلاقة موسم دراسيّ مأزوم.

وتعمقت الأزمة بقرارات إدارية تقضي بتعليق الدراسة لمدة أسبوعين تلتها قرارات أخرى بعد 24 ساعة تقريباً باستئناف الدروس خلال أربعة أيّام وسط جدل نقابي وسياسي وصحي.

الأحد 4 أكتوبر /تشرين الأول 2020، اجتمعت لجنة مجابهة الكوارث بمقر ولاية سوسة التي ترأستها والي سوسة رجاء الطرابلسي وقد حضر كلّ من ممثلي منظمات الاتحاد العام التونسي للشغل والأعراف والهياكل الصحية ومكونات المجتمع المدني والمسؤولين عن القطاع التربوي بالجهة. أفضى اللقاء إلى رفع توصيات إلى السلط المركزية تدفع نحو تعليق الدروس بالمؤسسات التربوية في ولاية سوسة.

والية سوسة لـ"الترا تونس": تضاعف الإصابات دفعنا إلى اتخاذ تدابير وإجراءات من بينها إحداث قاعة عمليات للإحاطة والإشراف على تطبيق حظر التجول

مساء الأحد، أصدرت والي سوسة رجاء الطرابلسي قرارا بتعليق الدروس في كافة المؤسسات العمومية والخاصة في الجهة بداية من يوم الاثنين 5 أكتوبر/ تشرين الأول وإلى غاية يوم الأحد 18 من ذات الشهر وذلك في إطار التوقي من انتشار فيروس كورونا. كما قررت بالتنسيق مع اللجنة الجهوية لتفادي الكوارث ومجابهتها وتنظيم النجدة تعليق الدروس بكافة مؤسسات التكوين المهني العمومي لمدة 15 يومًا، وتقرر في السياق ذاته غلق كافة رياض الأطفال والكتاتيب بالجوامع والمساجد والمحاضن المدرسية في الفترة ذاتها إضافة إلى تعليق الدروس بكافة مراكز تعليم الكبار لنفس الفترة المذكورة آنفًا.

هذه القرارات جاءت لتدعم الخطوات السابقة المتخذة في الجهة وهي إعلان حظر التجول ليلاً من الساعة الثامنة ليلاً إلى الساعة الخامسة صباحًا منذ غرة أكتوبر/ تشرين الأول والذي دعّمته والية سوسة بتصريح لـ"الترا تونس" تقول فيه "إن السلط راعت التدرج في القرارات وإن تضاعف الإصابات دفعنا إلى اتخاذ تدابير وإجراءات بالتعاون مع جميع الأطراف من بينها إحداث قاعة عمليات للإحاطة داخل مقر الولاية والإشراف على تطبيق حظر التجول".

اقرأ/ي أيضًا: التعليم زمن الكورونا.. سيناريوهات رهينة الحجر وجدل حول التعليم عن بعد

غير أن قرار تعليق الدروس لم يمرّ دون إحداث رجّة داخل السلطة الجهوية بعد تسريبات تحدّثت عن "استياء رئاسة الحكومة من هذا القرار واعتباره متسرّعًا" كما رافقته في اليوم الموالي احتجاجات من أصحاب المدارس والمعاهد ومؤسسات التكوين والروضات والمحاضن الخاصة المنتسبين للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية بسوسة والذين تجمعوا، صباح الاثنين 5 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري أمام مقر المنظمة، رافعين شعارات تندد بقرارات تعليق الدروس.

قرار تعليق الدروس بسوسة لم يمرّ دون إحداث رجّة داخل السلطة الجهوية بعد تسريبات تحدّثت عن "استياء رئاسة الحكومة من هذا القرار واعتباره متسرّعًا"

وفي تصريح لمراسل "الترا تونس"، قال علي بن يحي، رئيس الاتحاد الجهوي للصناعة والتجارة بسوسة "كنا قد سجلنا لدى حضورنا مداولات لجنة مجابهة الكوارث بمقر الولاية رفضنا لتعطيل الدروس ودفعنا نحو المزيد من أخذ الاحتياطات الوقائية من تعقيم وتوفير المواد اللازمة للمؤسسات التربوية من أجل الحفاظ على صحة الطاقم التربوي والتلاميذ على حد سواء، كما نرى في تعطيل السير الطبيعي للمؤسسات مزيدًا من تأزيم الوضع الاقتصادي والاجتماعي للعملة وسيكون لذلك عواقب وخيمة خاصة بعد التداعيات السلبية للإغلاق خلال الموجة الأولى".

وأضاف بن يحي "لا بد من مراعاة الوضعية الهشة للمؤسسات التربوية الخاصة التي تعاني من أزمة مالية خانقة، ولذلك كانت هذه الوقفات الاحتجاجية الرافضة لقرار تعليق الدروس ونتجه بالدعوة لإلغائه فورًا".

في المقابل، بارك الاتحاد الجهوي للشغل بسوسة قرار تعليق الدروس واعتبره "مكسبًا نضاليًا ينضاف إلى رصيد المنظمة متماهياً مع قرارات الهيئة الإدارية المجتمعة بمقر الاتحاد والتي دعت إلى الحجر الصحي الشامل في كامل الولاية"، حسب تصريح قاسم الزمني، الكاتب العام الجهوي لاتحاد الشغل بسوسة لمراسل "الترا تونس".

بينما يشتد الصراع بين المنظمتين الشغيلة والأعراف على مشروعية تعليق الدروس بالمؤسسات التربوية العمومية والخاصة بسوسة، ظلت السلطة الجهوية تتخبط مع سلطة الإشراف المركزية حول مدى نجاعة هذا القرار وتماشيه مع القرارات الوطنية في ذات الشأن خاصة وأن قرار تعليق الدروس لا يتماشى مع توصية رئيس الحكومة الذي أمر الولاة بالحرص على استمرارية الموسم الدراسي.

قاسم الزمني اتحاد الشغل بسوسة لـ"الترا تونس": تعليق الدروس مكسب نضالي متماه مع قرارات الهيئة الإدارية للاتحاد

اقرأ/ي أيضًا:  حينما يكون الكتاب ملاذًا زمن الكورونا..عن مبادرة لإيصال الكتب إلى بيتك!

الاثنين 6 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، تعهّدت المندوبية الجهوية للتربية بسوسة  بالتنسيق مع المندوبية الجهوية للفلاحة وبعض المؤسسات الخاصة بالانطلاق في حملة تعقيم واسعة للمؤسسات التربوية من مدارس ومعاهد، غير أن هذه الحملة كانت متسرّعة وأثارت جدلاً حول مدى نجاعتها في الحد من انتشار الفيروس مع خلوّها من التلاميذ والإطار التربوي والإداري ومع استمرارية إغلاق المؤسسات التعليمية. كما أبدى الأولياء استياء من عدم التقيد بالإجراءات الصحية الوقائية منذ بداية الموسم الدراسي وهو ما لاحظناه بدورنا في عدة مؤسسات نتيجة التخاذل وعدم توفر الإمكانيات.

من جهته، امتنع المندوب الجهوي للتربية بسوسة نجيب الزبيدي عن التصريح لوسائل الإعلام محتجًا بضرورة الترخيص له مركزيًا من وزارة التربية لتبقى عدة أسئلة عالقة ودون أجوبة في خصوص الإحصاءات الجهوية لعدد المصابين أو المشتبه في إصابتهم من التلاميذ والإطار التربوي في ولاية سوسة والمؤسسات التي شملتها رفع العينات وخاصة في مناطق مساكن وأكودة وكندار وسوسة جوهرة، التي شهدت حالات إصابة مؤكدة في صفوف الإطار التربوي والتلاميذ بفيروس كورونا.

واصطدم المسؤولون بالمندوبية الجهوية للتربية بسوسة كذلك بمنظوريهم في الوزارة الذين نفوا علمهم بالقرار المتخذ في شأن تعليق الدروس والذي أيده ممثلو المنظمة النقابية الشغيلة، وقد أكد فتحي السلاوتي وزير التربية في أكثر من مناسبة أن "فرضية تعليق الدروس بكافة المؤسسات التربوية غير مطروحة بالمرّة".

أما عمليّة التعقيم الواسعة في المؤسسات التربويّة المشار إليها بعد إعلان تعليق الدروس فقد أعقبها قرار مفاجئ وغير منتظر أصدرته والي سوسة مجددًا يقضي "باستئناف الدروس بالمؤسسات التربوية يوم الجمعة 9 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري"، وهو قرار فاجأ الجميع ويؤكد خلافات كبيرة بين عدّة أطراف مشاركة ومتداخلة في القرار، خلاف في إصدار القرارات بين السلطة الجهوية والسلطة المركزية من جهة وخلاف في المصالح والسياسات بين المنظمة الشغيلة ومنظمة الأعراف من جهة أخرى.

قرار استئناف الدروس أيامًا قليلة بعد تعليقها يدل على حجم الخلافات بين السلط في سوسة والسلط المركزية وأيضًا على الخلاف في المصالح والسياسات بين المنظمة الشغيلة ومنظمة الأعراف 

وقد أثار قرار العدول عن تعليق الدروس واستئناف العمل في مدة لا تتجاوز أربعة أيام ردود فعل متشنجة من الاتحاد الجهوي للشغل بسوسة والجامعة العامة للتعليم وكذلك العديد من الأولياء واعتبروه تخبطاً في إصدار القرارات وعدم التزام بتقارير الجهات الصحية التي أقرّت بتأزم الوضع الصحي بولاية سوسة واستفحال الوباء في عدة مناطق منها وتصنيفها موبوءة.

في  هذا السياق، شدد قاسم الزمني، الكاتب العام الجهوي لاتحاد الشغل بسوسة لـ"الترا تونس" على رفض قرار السلطة الجهوية باستئناف الدروس، معتبرًا أن "تدخل رأس المال قد ساهم في إبطال قرارات لجنة مجابهة الكوارث". وتمسك الزمني خلال اجتماع المكتب التنفيذي الجهوي بالاستمرار في تعليق الدروس وتوجّه إلى منظوريه بعدم مزاولة التدريس يوم الجمعة 9 أكتوبر".

وأصدر الاتحاد الجهوي للشغل بيانًا أعلن فيه "التزامه بمقررات الهيئة الإدارية الجهوية التي انعقدت استثنائيًا يوم السبت 3 أكتوبر/ تشرين الأول وأبدى استعداده لتعويض كل ما فات من دروس حال توفر الحد الأدنى من السلامة الصحية".

وعلّق كاتب عام الجامعة العامة للتعليم الثانوي الأسعد اليعقوبي على قرار التراجع في تعليق الدروس بكافة المؤسسات التربوية بولاية سوسة المعلن في تصريح صحفي "إن قرار التراجع هو دليل واضح على تخبط الحكومة واللجان الجهوية بولاية سوسة"، معتبرًا أن هذا التخبط سيزيد من تدهور الوضع، وفق قوله، و دعا إلى "الانسحاب ساعتين صباح الجمعة 9 أكتوبر/تشرين الأول احتجاجًا على ذلك".

قاسم الزمني، اتحاد الشغل بسوسة لـ"الترا تونس": "تدخل رأس المال قد ساهم في إبطال قرارات لجنة مجابهة الكوارث"

من جهته، أبدى شوقي الوصيّف، المنسق العام لمراكز الحجر الصحي في تصريح إعلامي رأيه قائلاً: "من الضروري أن يتم تأجيل النظر في إيقاف الدروس وإقرار الحجر الصحي الجهوي إلى فترة لاحقة باعتبار أننا قادمون على فترة الشتاء وانخفاض في درجات الحرارة وظهور فيروسات نزلات البرد والانفلونزا الموسمية والأنفلونزا الوافدة".

وشدّد الدكتور لوصيف على "أهمية المضي قدمًا في تغيير سلوك المواطن باعتبار نجاعة هذا التمشي على المستوى البعيد في حين أن الغلق الشامل ستكون نتائجه محددة في الزمن و قد لا تتجاوز الشهر".

هكذا إذًا تعبث الكورونا بالموسم الدراسي في ولاية سوسة، وحتى في ولايات تونسية أخرى، وسط فوضى القرارات التي اعتبرها المتابعون ارتجالية وغير مدروسة وتخضع للابتزاز وتندرج ضمن غياب استراتيجيات واضحة نابعة عن رؤية علمية دقيقة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

باكالوريا زمن الكورونا.. هواجس عام استثنائي

حينما يكشف فيروس "كورونا" هنات المنظومة التربوية في تونس