لماذا لا نفكّر في الصحافة؟

لماذا لا نفكّر في الصحافة؟

يكاد يكون النقاش العام حول الصحافة منعدمًا في المجال العمومي(صورة توضيحية/فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

مقال رأي

 

تلقيت دعوة منذ أسبوعين من جمعية "بوصلة" للقاء جمع صحفيين تونسيين مع فريق من الباحثين والصحفيين النرويجيين يشتغلون على الصحافة والميديا في تونس في إطار مشروع بحثي يدعمه المعهد النرويجي للدراسات الدولية. وكان قد نشر هذا الفريق دراسة علمية حول معالجة الميديا التونسية والإرهاب تناولت أدوار الصحفيين في إدارة النقاش العام ومكانة الصحافة في الانتقال الديمقراطي.

أعد الفريق النرويجي دراسة تناولت أدوار الصحفيين في إدارة النقاش العام 

 

وما يثير الانتباه في هذه الدراسة أن الباحثين خلصوا إلى أن الصحافة التونسية لم تقطع بعد مع النماذج الذهنية السابقة على الثورة ولم تحدث في هذا المجال بالذات قطيعة ما أو تحولّ جوهري مما يعزّز الطابع المركّب والمعقد للانتقال الديمقراطي، بمعنى أن هذا الانتقال لا يسير وفق مخطط معلوم مسبقًا من النظام السلطوي إلى الديمقراطية.

وهذه النتيجة التي توصّل إليها الفريق البحثي النرويجي تمثّل صدى لأهم خلاصات البحوث في هذا المجال والتي تؤكّد على أن تحوّلات الصحافة والميديا في السياق الانتقال الديمقراطي بطيئة ومركّبة لأن الصحافة الجديدة بطريقة سحرية وتلقائية لا تظهر بمجرد انهيار النظام السابق ومؤسساته.

ما يثير الانتباه في هذه الدراسة أن الباحثين خلصوا إلى أن الصحافة التونسية لم تقطع بعد مع النماذج الذهنية السابقة على الثورة ولم تحدث في هذا المجال بالذات قطيعة ما أو تحولّ جوهري

اقرأ/ي أيضًا: هل تونس هي مخبر الصحافة في العالم العربي؟

عند بداية اللّقاء، طرحتُ بكل صراحة السؤال التالي على أعضاء الفريق: ما الذي يدفع باحثين من بلد مثل النرويج يبعد آلاف الكيلومترات عن تونس ولا تجمعنا به علاقات تاريخية إلى العمل على هذه المسألة؟ فأجابني رئيس الفريق مبتسمًا بأن الأمر يتعلّق بمشروع بحثي حول الانتقال الديمقراطي ويشمل أيضًا التجربة اللبنانية، وأضاف أن اهتمامهم بهذا الموضوع يمكن أن يكون مدعاة للشك (قد يتّهمه البعض بجمع معلومات لصالح جهة ما).

ويثير اهتمام الفريق النرويجي بقضايا الميديا والصحافة والانتقال الديمقراطي سؤالًا أساسيًا: هل نولي في تونس اهتمامًا بهذه المسائل الأساسيّة؟ وما هي البرامج البحثية التي وضعت في هذا المجال؟ وهل تمثّل قضية الميديا والصحافة بشكل عام مشغلًا معرفًيا وفكريًا في سياق يقرّ فيه الجميع بأهمية أدور الصحافة والميديا في إنجاح الانتقال الديمقراطي؟ 

نقاش مهني محدود

نحن هنا إزاء بعض المفارقات، تتمثل المفارقة الأولى في أن الصحافة والميديا تقدّم من الفاعلين السياسيين والمهنيين أنفسهم على أنها مؤسّسة من مؤسّسات الديمقراطية وأنّها قطاع أساسي واستراتيجي بالنسبة إلى المجتمع بل إن الكثيرين يتحدثون عن تأثيراتها على السياسة والمجتمع.

في المقابل، يكاد يكون النقاش العام حول الصحافة منعدمًا في المجال العمومي، فالندوات حول مسائل الصحافة والميديا فإمّا هي نادرة أو مناسباتية وهي في كثير من الأحيان ليست بالتنوّع الذي يسمح بالتفكير في هذه المسائل من آفاق مختلفة بأصوات متعدّدة ومتنوّعة. فليست بعض الندوات سوى مناسبات اتصالية تصمّم خصيصًا لتحسين صورة هذه المنظمة أو تلك المؤسسة أو هي لقاء يجمع أصدقاء يتبادلون المجاملات ويكرّرون الأفكار ذاتها دون المخاطرة في طرح القضايا المزعجة والاستماع إلى أصوات مختلفة. أمّا في الوسط الصحفي، يظل النقاش في قضايا المهنة محدودًا لأن التدوينات والتعليقات في فيسبوك لا يمكن أن ترقي بأي حال من الأحوال إلى نقاش مهني في المهنة وإشكالاتها وقضاياها.

يكاد يكون النقاش العام حول الصحافة منعدمًا في المجال العمومي، فالندوات حول مسائل الصحافة والميديا فإمّا هي نادرة أو مناسباتية وهي في كثير من الأحيان ليست بالتنوّع الذي يسمح بالتفكير في هذه المسائل 

ولمحدودية النقاش العام في الصحافة والميديا نتائج وخيمة عليها لأن النقاش حول الصحافة يسمح للمجتمع في التفكير في الصحافة باعتبارها المنظومة التي يمكن أن يرى نفسه من خلالها. كما أن هذا النقاش يسمح للمهنة بالتفكير في نفسها وطرح مشاكلها في إطار تفاعل رصين وعقلاني بعيدًا عن الخطابات المنفعلة والمتشنجة والاتهامات المتبادلة والشتائم.  

وعملية التفكّر الذاتي هذه عملية أساسية لتطوير المهنة لذاتها، وهي علامة من علامات نضجها وبلوغها مرتبة متقدمة في تنظيم ذاتها بنفسها عبر إقرار مبدأ الحوار داخلها. وفي غياب هذا الحوار الداخلي أو ضموره، يحق لنا أن نتساءل كيف لمهنة تطمح إلى إدارة النقاش العام في المجال العمومي وهي عاجزة عن إرساء نقاش داخلي؟ 

والحقيقة أن هذا النقاش ليس دائمًا غائبًا تمامًا، فهو يظهر أحيانًا عندما تواجه مهنة الصحافة إشكالات جديدة على غرار معالجة الإرهاب والأحداث الإرهابية. فعندما واجهت مهنة الصحافة رهان تغطية الإرهاب، ظهر نقاش داخل الأوساط الصحفية حول معايير الأخلاقية والمبادئ المهنية التي يجب أن يلتزم بها الصحفيون في معالجة الأحداث الإرهابية.

لم تضع مهنة الصحافة في تونس بعد، بشكل عام منذ 2011، آليات أو أدوات لمعرفة نفسها وتشخيص حالتها، فالدراسات التي أنجزت لمعرفة مكانة الصحافة والميديا لدى التونسيين نادرة يمكن أن نذكر منها دراسة أنجزتها مؤسسة "بي بي سي" (BBC Media Action) واستطلاع رأي آخر أنجزته جمعية "بر الأمان" حول ثقة التونسيين في الصحافة ونظرتهم إلى أدوارها.

لم تضع مهنة الصحافة في تونس بعد، بشكل عام منذ 2011، آليات أو أدوات لمعرفة نفسها وتشخيص حالتها

 في المقابل، يمكن أن نذكر بعض التجارب العالمية في هذا الإطار للتعرّف على أهمية الآليات التي تسمح باستكشاف علاقة المجتمع بالصحافة. ففي فرنسا، أطلقت مجموعة من مؤسّسات الميديا بالتعاون مع مؤسسة تعنى بتطوير الصحافة مبادرة ذات أهمية بالغة تتمثل في استشارة واسعة شارك فيها أكثر من 100 ألف فرنسي ساهموا بـ 270 ألف تصويت وقدموا 1600 مقترحًا. وتنشر جريدة "لاكروا" الفرنسية سنويًا استطلاع رأي حول مستوى ثقة الفرنسيين في صحافتهم والذي أظهر هذه السنة عدة نتائج هامة منها أن تراجع اهتمام الفرنسيين بالأخبار بشكل عام مقابل ارتفاع طفيف لثقة الفرنسيين بالصحافة والميديا.

استشارة واسعة للفرنسيين حول الإعلام الوطني

 

اقرأ/ي أيضًا: في التلفزيون.. التونسيون شعب بلا تاريخ!

وبشكل عام، يطرح موضوع ثقة الجمهور في الميديا والصحافة في تونس دائمًا بطرق غير حوارية وانفعالية، فإما أن يعبّر الناس عن تأييدهم لمن يعتبرونه أيقونة صحفية لا يجوز نقدها أو اتهامها بعدم احترام أخلاقيات المهنة وإمّا الانخراط في عمليات الشتم والتجريح لصحفيين يتهمون بـ"العمالة و"الفساد" و"الانخراط في أجندات". 

وإضافة إلى محدودة النقاش المهني، يمكن أن نشير أيضًا إلى ضمور النقاش داخل المؤسسات الصحفية نفسها لأن هذا النوع من النقاش الداخلي يمثل هو أيضًا آلية أساسية من آليات تطوير المعايير المهنية. وعدّة مؤسسات لا نرى فيها مثل هذا النقاش فيما يسمّى اجتماعات التحرير أو غرف الأخبار، فغرفة الأخبار ليست قاعة يشتغل فيها الصحفيون بشكل منعزل وفردي لأن الصحافة ليست عملًا فردًيا بل هي عمل جماعي.

يحتاج الصحفيون إلى قيم مشتركة ومبادئ مشتركة للعمل معًا تتشكّل بالنقاش والتفاعل لأن الصحافة الجيدة والمهنية لا تنزل من السماء مرة واحدة. وعندما يغيب النقاش الصريح والشفاف داخل غرفة الأخبار تتكاثر الصراعات الداخلية وتظهر بعضها بشكل فج خارجها في شكل تدوينات عدوانية أو انطباعية أو مجاملات لزملاء لا تساهم في إرساء آليات التفكير النقدي داخل غرفة الأخبار.

معارف محدودة عن قطاع أساسي في الحياة العامة

يعكس اهتمام الفريق البحثي النرويجي بتجربة مجال الميديا في تونس تنوّع اهتمامات الجامعات الأوروبية والأمريكية وانفتاحها على قضايا بحثية ومعرفية ووجود آليات داعمة لمثل هذه البحوث، خاصة وأنها يمكن أن تفضي إلى معارف يمكن أن تصبح ذات فائدة في مجال إدارة العلاقات الدولية.

كما إن المتمعن في أدبيات الانتقال الديمقراطي بشكل عام يدرك أن معظمها صادر عن باحثين أمريكيين بتمويلات من مراكز بحث أمريكية حتى أننا لا نكاد نعثر، باعتراف الفرنسيين أنفسهم، عن أدبيات بحثية فرنسية ذات علاقة بالميديا والانتقال الديمقراطي. وتحوّلت هذه المسألة إلى مشغل معرفي وبحثي في عديد الديمقراطيات تُوفر له الموارد المالية والبشرية لفهم عمليات التحول الديمقراطي في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية.

إن محدودية الإنتاج المعرفي حول الصحافة والميديا وضمور النقاش المهني والعام في قضاياها مؤشّر من بين مؤشرات عديدة أخرى عن الأزمة العميقة للقطاع

ومن هذا المنظور، علينا أن نتساءل عن المعارف التي أنتجتها الجامعة في مجال الانتقال الديمقراطي بشكل عام وفي مجال الميديا الصحافة بشكل خاص. فإذا كانت الميديا مؤسّسة من مؤسّسات الديمقراطية الأساسية وإذا كانت الصحافة تصنع الرأي العام وتوجّه آراء التونسيين، فمن الطبيعي أن تصبح موضوعًا أساسيًا من مواضيع البحث العلمي وتتعدد الدراسات حولها.

لكن المتمعن في الإنتاج البحثي في هذا المجال يلاحظ بكل وضوح أن المعارف في هذا المجال محدودة جدًا وهي في كثير من الأحيان نتاج لجهود فردية لباحثين ينشرون بحوث أو دراسات في مجلات أو بمناسبة ندوات علمية. وهكذا تغيب المجموعات والمخابر البحثية في حين نرى بين الفينة والأخرى باحثين أجانب يحظون بدعم مؤسساتهم يشتغلون على قضايا تونسية محضة.  

وخلاصة القول، إن محدودية الإنتاج المعرفي حول الصحافة والميديا وضمور النقاش المهني والعام في قضاياها مؤشّر من بين مؤشرات عديدة أخرى عن الأزمة العميقة للقطاع، وهي أزمة لا بدّ أن يتسلّح الجميع وخاصّة المهنيين بالشجاعة الكافية للنظر إليها وفهمها والسعي إلى تجاوزها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في أزمة الديمقراطية التونسية المزدوجة: السياسة والميديا

ما هي أخلاقيات الصحفيين التونسيين؟