لماذا لا تمتلك القصرين خالًا مثل حسيب بن عمار؟

لماذا لا تمتلك القصرين خالًا مثل حسيب بن عمار؟

القصرين وقصة تهميش ممنهج عبر التاريخ (لورنزو تونيولي/Getty)

 

مقال رأي

 

كانت الإيالة التونسية، سنة 1860، تعاني فسادًا كبيرًا بين ديون متراكمة وغياب للحوكمة ورئيس للوزراء فاسد، وهو مصطفى خزندار، يلتف من حوله رجال أعمال فاسدين بدورهم على رأسهم محمود بن عياد.

قرر محمد الصادق باي، للخروج من هذه الورطة، الهروب إلى الأمام بمزيد الاقتراض مع إثقال كاهل المواطنين التونسيين، على الجانب الآخر بالجباية. ليخلف هذا الوضع تراجعًا للإنتاج الفلاحي وانتشارًا للبؤس والشقاء بين التونسيين ما أدى لانفجار ثورة علي بن غذاهم في منطقة تالة بولاية القصرين سنة 1864 لتشمل جميع الولايات التونسية.

شهدت هذه الانتفاضة حملة قمع غير مسبوقة، وألقي القبض على قائد الثورة علي بن غذاهم، وقد أمعن المؤرخ أحمد بن أبي الضياف في كتابه "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان" في وصف لحظة وصول بن غذاهم إلى ساحة القصبة مقيدًا وتكالب خدام الباي عليه.

أذكر أن أحد شباب القصرين من المعطلين عن العمل قال حينها: "نحن ليس لدينا مشكلة مع السيستام ولكن السيستام هو من لديه مشكلة معنا"

انفجرت لاحقًا ثورة اجتماعية في تالة أيضًا سنة 1906، وقد سُميت في ذلك الوقت بثورة الفراشيش، وقد اندلعت في ظرف اتسم بالهيمنة الاستعمارية الاقتصادية. وأصبحت القصرين، من هذه الخلفية، مهدًا للثورات التي تقض مضاجع الأنظمة الاستعمارية وأنظمة القهر في الداخل على حد السواء.

يقول المؤرخ التونسي الكبير الهادي التيمومي في كتابه "تونس 1956 – 1987"، مفسرًا ظاهرة التهميش، أن التفاوت بين الجهات قد ولّده الاستعمار الفرنسي عندما اتخذ من المناطق الساحلية منطلقًا لاستثماراته، وقد حاول تركيز أغلبها في الأماكن التي يقطنها مستوطنوه مثل تونس وبنزرت وسوسة وصفاقس، فسعى إلى تعبيد شبكة كبيرة من الطرقات بالإضافة إلى تطوير قطاعات اقتصادية أخرى في هذه المناطق مثل الصناعة، إضافة للاستثمار في الثقافة والمسرح والفنّ والسينما والمكتبات.

في المقابل، ترك المستعمر الفرنسي المناطق الداخلية على ما هي عليه بسبب بعدها وصعوبة مناخها حتى تكون بمثابة خزّان للعمال والخدام والجنود. وكان ذلك بمثابة عقاب غير معلن بسبب بعض جيوب المقاومة التي كانت تنشط في تلك الفترة في الجبال.

اقرأ/ي أيضًا: يوم الأحد.. يوم المعطّلين عن العمل!

هكذا الصورة في فترة ما قبل بناء ما يسمونه بـ"الدولة الوطنية الحديثة" التي قامت، ادعاءً، على مفهوم المؤسسات والمواطنة، وهو مفهوم ينعدم بشكل جلّي حينما تكون القصرين محور القضية. أذكر أحد شباب القصرين من المعطلين عن العمل قال حينها: "نحن ليس لدينا مشكلة مع السيستام ولكن السيستام هو من لديه مشكلة معنا"، و"السيستام" كلمة يستعملهما الشباب التونسي للتعبير عن الدولة أساسًا.

زار الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي مدينة القصرين عام 1994، وجوبه موكبه باحتجاجات كبيرة وهو ما مثل صدمة كبيرة في عيون بن علي والمسؤولين ما اضطر المرافقة الأمنية إلى التعجيل بإخراجه من المدينة. كانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي يزور فيها بن علي القصرين قبل أن يهرب إلى السعودية إبان الثورة سنة 2011. ويفسر مواطنون في المنطقة استمرار الوضع المتردي، في العقود الأخيرة، بعقاب جديد أنزله بن علي على القصرين بسبب عدم استقباله بطريقة جيدة وقتها.

يفسر مواطنون في القصرين استمرار الوضع المتردي طيلة العقود الأخيرة بعقاب أنزله بن علي على المنطقة بسبب عدم استقباله بطريقة جيدة سنة 1994

 لكن اليوم وبعد 8 سنوات على الثورة التي كان فيها للقصرين النصيب الأكبر من عدد الشهداء، لا تزال الأمور على حالها، أكبر نسبة للبطالة، والمرتبة الأولى في الأمية، ونسبة مرتفعة للفقر إضافة إلى بنية تحتية متهالكة مع تراجع كبير للخدمات الصحية. بل تعقدت الحال مع دخول عامل أخر على الخط وهو الإرهاب الذي ساهم في نسف أحلام شباب المنطقة في التنمية والتشغيل.

تعاني المناطق الداخلية في تونس من صنفين من التهميش هما أولًا ما يمكن تسميته بالتهميش العادي أو اللامبالاة بحجة أن المحافظة لا تستحق قدرًا كبيرًا من الاعتمادات المالية، وثانيًا التهميش الممنهج وهو كسر أي طموح في تطوير البنية التحتية للمدينة أو الارتقاء بها ولو قليلًا وذلك من خلال التقليل من الاعتمادات وتحديد نسبة حركية إقتصادية ووضع مسؤوليين غير أكفاء.

اقرأ/ي أيضًا: بين نابلنا وقصرينكم.. أزمة هويّة

يكفي أن تعلم فقط أنه رغم احتواء ولاية القصرين على أكثر من ثلثي الآثار الموجودة في الجمهورية التونسية، إلا أنه لا يوجد بها أي مسلك سياحي، ويكفي أن تعلم أيضًا أن مدينة القصرين تحتوي على مدرج تاريخي بجانب الحمامات الرومانية شرق المدينة ظل مهملًا لعقود ومليئًا بالقمامة إلى أن ضغطت جمعيات على وزارة الثقافة من أجل إعادة ترميمه وصيانته.

ومظاهر عديدة أخرى يكفي أن تعلمها حتى تعرف أن ما تعانيه القصرين ماهو إلا بتهميش ممنهج وليس مجرد لامبالاة عادية. إذ توجد بولاية القصرين ثروات فلاحية كالتفاح والزيتون، ومساحات شاسعة من القمح والشعير إضافة لثروات باطنية مثل النفط ومادة الرخام بجودة عالية، وذلك إضافة لكميات ضخمة جدًا من المواد الأولية لصنع مواد البناء كالرمل والحجارة.

وقد سعت الدولة البوليسية لبن علي إلى محاولة ضبط الهدوء والأمن من خلال المخدرات، فمستهلك مادة القنب الهندي أو "الزطلة" في القصرين لا يعاقب بنفس الصرامة التي يعاقب بها شاب في العاصمة. ويفسر أحد شباب القصرين الأمر بأن الدولة تستعمل هذه الاستراتيجية للتنفيس عن الشباب باعتبار أن حجم الإحباط والبطالة المتفشية في العاصمة ليس بذات الحجم في القصرين.

كما سعت أنظمة ما بعد الاستقلال للمحافظة على التفاوت بين الجهات حتى ارتفعت وتيرة الهجرة الداخلية وانتشرت الأحياء الشعبية والبناء الفوضوي في العاصمة والمدن الكبرى. وإثباتًا لهذا التفاوت الجهوي، لا يوجد مستشفى جامعي واحد في كل من محافظات القصرين، وباجة، وجندوبة، والكاف، وزغوان، وسليانة، وسيدي بوزيد، وقفصة، وقبلي، وتوزر وتطاوين، فيما تحتوي ولاية سوسة على مستشفيين جامعيين وكلية طب، وتضم ولاية المنستير التي تبعدها بـ15 كلم فقط على مستشفى جامعي وكلية طب.

تعاني القصرين اليوم من مشاكل اقتصادية واجتماعية نتيجة تهميش ممنهج عبر التاريخ وهو عقاب توارثته أنظمة الحكم لتجرؤ هذه الولاية على الثورة في كل مرة

صدر بتاريخ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 تقرير لمنظمة الأزمات الدولية بعنوان "الحدود التونسية: التهريب والجهاد" أكدت فيه أن سكان الحدود في ولاية القصرين يعانون من الاغتراب ولا يشعرون بالانتماء للدولة وأن هذا الوضع لا يساعد على مقاومة الارهاب، كما أن بعض من سكان الحدود حاولوا في أكثر من مناسبة اللجوء إلى الجزائر كاحتجاج على الوضعية المزرية.

تعاني القصرين اليوم من مشاكل اقتصادية واجتماعية نتيجة تهميش ممنهج عبر التاريخ، وهو عقاب توارثته أنظمة الحكم على تجرؤ هذه الولاية على الثورة في كل مرة.

فلم تمتثل القصرين لاستراتيجية الاستقلال التي اعتمدها بورقيبة، ولا تمتلك خالًا مثل حسيب بن عمار، لكن القصرين أو "السليوم" كما سماها الرومان، كانت البوابة الشرقية لروما، حتى أن عرش "الفراشيش" الذي ينتمي إليه أغلب سكان الولاية يمتد إلى فترة ما قبل الرومان وكانوا يسمونه "الفراكسيس" ولطالما كان فيما مضى سدًا منيعًا ضد القوى الاستعمارية. لكن  كيف يمكن إقناع السلطة المركزية في تونس أن الشعور بعدم الانتماء لهذه "الدولة" ينتشر يومًا بعد يوم في القصرين بشكل مخيف؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

صفحة من تاريخ فساد تحالف السلطة والثروة في تونس..

صخب انتحار الأطفال في تونس..