26-مارس-2020

تبدو فكرة العمل من المنزل مغرية للكثيرين (صورة تقريبية/ getty)

 

أسابيع قليلة قلبت كلّ الأمور رأسًا على عقب، بعد اجتياح فيروس كورونا العالم، وتفشي الوباء في تونس أيضًا، وذلك إثر تسجيل عشرات الحالات في جهات عدّة، مما دفع الحكومة إلى تعطيل الكثير من الوظائف في العديد من المؤسسات العمومية وحتى الخاصة، وتفعيل الحجر الذاتي في المنازل لوقف ذروة انتشار حالات الإصابة بالفيروس. فوجد الكثير من الموظفين أنفسهم في تجربة جديدة، ربّما كانوا يتمنونها أو ربما كانت فكرة مغرية للبعض منهم، وهي أداء العمل من البيت.

العمل من المنزل هي طبيعة الحياة المهنية للعديد من المستقلين الذين اعتادوا على العمل بشكل جزئي أو كليّ خارج المكاتب، مع التواصل بصفة يومية مع فرقهم عن بعد عبر الوسائل التكنولوجية. فالعمل من الأريكة المريحة في البيت، أو في حديقة البيت بعيدًا عن ضجيج الحياة اليومية وضغط المكتب، فكرة مغرية للكثيرين ممن اعتادوا على الذهاب يوميًا إلى مكاتب العمل.

فيروس كورونا حتّم على العديد من الموظفين البقاء في البيت مع تعطّل مهامهم فيما حتّم على آخرين العمل من البيت

اقرأ/ي أيضًا: في زمن الحرب الصامتة.. "الجيش الأبيض" يتحدّى كورونا

فيروس كورونا حقق لهم ذلك اليوم، وجنّبهم مشقة الاستيقاظ الباكر للحاق بالعمل، والاختناق في زحام الحافلات أو عربات المترو، وأراحهم من ضغط المكتب وتكدس الملفات، بعد أن أعلنت وزارة الدولة لدى رئيس الحكومة المكلف بالوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد تعليق العمل الحضوري منذ يوم الاثنين 23 مارس/ آذار الجاري وإلى غاية 4 أفريل/ نيسان 2020، بجميع مصالح الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية والمؤسسات والمنشآت العمومية، على أنّ تتم مواصلة العمل بالنسبة إلى الأعمال التي يمكن إنجازها عن بعد، ويتم الحرص على تأمين الخدمات الأساسية الدنيا حضوريًا بمقرّات العمل، وذلك عملًا بمبدأ استمرارية المرافق العمومية.

كما يقع تبليغ الإطارات والأعوان المدعوين للحضور بمقرّات العمل عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني وكلّ وسائل الاتصال المتاحة، وفي صورة الرفض يمكن الالتجاء لتسخيرهم للحضور لمقرات العمل طبقًا للإجراءات والتراتيب الجاري بها العمل.

خروج مجرى الحياة عن مسارها العادي نتيجة انتشار وباء مازال لا يُعرف متى ستقع السيطرة عليه، أغلقت بسببه حدود الدول عن بعضها البعض وعزلت الولايات الداخلية عن بعضها البعض أيضًا، والمدن والأحياء وحتى المساكن، وجعل من كلّ بيت ذلك المكان الأول الذي نخرج منه إلى الدنيا، كوكبًا مصغرًا وعالمًا قد يجمع أيضًا جملة من المتناقضات التي يجب أن تتعايش مع بعضها البعض لفترة غير معلومة. وحتّم على العديد من الموظفين البقاء في البيت مع تعطّل مهامهم، فيما حتّم على آخرين العمل من البيت وتغيير أسلوب ونهج عملهم العادي.

يقول عبد الرحمان، وهو موظف، لـ"ألترا تونس" إنّ الأمر بدا مغريًا في البداية، ولكن بعد مرور أيّام من البقاء في البيت فإنّ الوضع مملّ طبعًا والجميع يشعر بذلك وإنه ليس الاستثناء، مبينًا أنه قد بشغل نفسه ببعض المطالعة ومتابعة الأخبار أغلب الوقت، لأنّ عمله متوقف تمامًا.

محمد كريم (موظف) لـ"ألترا تونس": ربّما كان أمرًا مغريًا أن تعمل من المنزل ولكن حتى ذلك يتطلب ظروفًا معيّنة لتيسير العمل

اقرأ/ي أيضًا: أين ذوي الإعاقة من إجراءات مكافحة "كورونا"؟

وأوضح أنه يعمل في مجال المحاسبة واليوم كلّ شيء معطّل في إدارته، مشيرًا إلى أن التخلّص من روتين المكتب والالتزام بالحجر الصحي عوّضه روتين البيت وبعض المشاكل التي يمكن أن تواجهها في العائلة بسبب القلق والضغط النفسي.

ويقول محمد كريم (45 سنة)، وهو موظف في إدارة العقارات، لـ"ألترا تونس"، "فعلًا جنّبنا هذا الفيروس مشقة الاستيقاظ الباكر والركض وراء وسائل النقل العمومي، وضغط المكتب، وهو إجراء يحمي كلّ الموظفين من خطر الإصابة بهذا الداء. وبعض المؤسسات مطالبة بالحفاظ على نسق عمل معيّن عبر الحضور بصفة عادية في مقرات العمل، لكن يطالب من البعض الآخر متابعة بعض الأعمال والمهام عن بعد. تجربة جديدة يخوضها الآلاف. ربّما كان أمرًا مغريًا أن تعمل من المنزل، ولكن حتى ذلك يتطلب ظروفًا معيّنة للعمل".

ويضيف كريم "ربما يستدعي العمل في المنزل إخبار جميع المحيطين بك بما تنوي فعله ذلك اليوم، وتطلب هدوءًا حتى لا يقع تشتيت انتباهك خلال ساعات العمل، وهو أمر يصعب خاصة في ظلّ تواجد كلّ أبنائك في البيت وما يعانونه هم أيضًا من ضغط وتكبيل لحرّيتهم والعيش في ظروف لم يعتدوها. ولكن فعلًا العمل من البيت لم يعد مغريًا بالمرّة".

سنية (موظفة) لـ"ألترا تونس": يصعب العمل في البيت مع وجود أبنائي

من جهتها، تؤكد سنية، وهي موظفة أيضًا، أنها تعمل من المنزل وإنها تمنّت ذلك سابقًا معتقدة أنّ الأمر مريح، مستدركة بالقول "ربّما كان للأمر أن يكون مريحًا لو كان أبنائي في المدرسة أو في المعهد. لكن يصعب العمل في وجودهم مع ذلك الضغط الذي نعانيه بسبب التواجد في ذات المكان طيلة اليوم لأيام عدّة لا ندري متى تنتهي. ولكن قد تصبح ساعات الليل بعد نوم الجميع وقتًا مناسبًا لإنهاء بعض الأعمال بعيدًا عن الضجيج وطلبات كافة أفراد الأسرة وتدريس الأبناء وغيرها من المهام التي لن تساعد أي موظف على أداء بعض الأعمال".

عمل الموظفين في بيوتهم، مثلّ فرصة لمقدمي النصائح على الفضاء الافتراضي. ولم تعد تقدّم نصائح عن كيفية تخفيف ضغط العمل بالمكتب أو كيفية ضمان حسن التعامل بين الموظفين داخل مكتب واحد أو غيرها من النصائح اليومية، بل باتت آلاف المواقع الالكترونية اليوم ومواقع التواصل الاجتماعي تقدّم نصائح عن سبل نجاح العمل من البيت والعمل بفاعلية أكبر في الحجر الصحي كالاستحمام وتغيير ملابس النوم للتخلّص من الخمول، والعمل من غرفة المعيشة بدل غرفة النوم، أو ترتيب طاولة وكرسي حيث يمكنك الجلوس والعمل بسلام، وغيرها من النصائح التي على ما يبدو قد تتواصل لأجل غير معلوم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الحجر الصحي الإجباري للعائدين من بؤر "كورونا".. القصة الكاملة

يوميات التونسي في زمن الكورونا.. الدفء العائلي في مواجهة كآبة الحجر الصحي