قد تغيّرنا

قد تغيّرنا "كورونا" إلى الأبد..

لقد أعاد "زمن الكورونا" الإنسان عنوة ومن غير إرادته إلى حضيرة القيم الإنسانية الكونية (ياسين القايدي/ الأناضول)

 

مقال رأي

 

تصدير: "كلّما بذلت المزيد من الجهد زادت صعوبة الاستسلام" (فينس لوباردي)

 

إلى حدود شهر فيفري/ شباط من السنة الجارية، كان العالم يركب قارب الحياة ويفخر بكونه مشدودًا إلى سواري الحداثة ومتباهيًا ومتشدّقًا بالعولمة، كأبهى ما وصلت إليه الإنسانية من تصوّر لشكل الإقامة على الأرض. وكان بنو البشر ينعمون بضجيج الثورة الاتصالية وتحوّل الكوكب الأزرق بسكّانه اللذين يفوق عددهم 7 مليار نسمة إلى قرية صغيرة يسهل الطيران فوقه بسهولة وثبات.

ما عايشناه هذه الأيّام ونحن على وقع "الكورونا" جعلنا ندرك هشاشة الرّوابط الإنسانية الكونية

اقرأ/ي أيضًا: عراك السلطة في زمن الكورونا

لكن هذه الانتصارات التي حققتها البشرية سرعان ما عصفت بثباتها الدّاخلي أزمة تفشّي وباء كورونا، فزاغت الأعين وحارت وزعزعت تلك السكينة التي كان يحياها الإنسان إلى حدّ قريب. ففي لحظة وجيزة، تشبه رفّة العين أو خفقة جناح، تفشى الوباء في هواء الكوكب ليهدّد الحياة بأسرها وأربك العالم وعاد به إلى بدايات كان يعتقد أنه تجاوزها إلى مدارات الرقيّ والتقدّم التكنولوجي. فعادت المجتمعات إلى تشظيها وتباعدها وكأن ثورة التنّقل لم تكن يومًا، فغلّقت الحدود وتقطّعت سبل التواصل وعاد الإنسان مكرهًا إلى تشرنقه القديم.

فما عايشناه هذه الأيّام ونحن على وقع "الكورونا" جعلنا ندرك هشاشة الرّوابط الإنسانية الكونية، فدولة مثل إيطاليا، والتي تعدّ ثاني بؤرة لفيروس كورونا في العالم بعد يوهان الصينية، جابهت مصيرها مع الوباء منفردة ونزلت إلى مقلاة الكورونا عارية من المساعدات والتضامن الأوروبي والدولي، فشاهدنا انكسار الحياة في مجتمع يحبّ الحياة وكان يصدّر الجمال إلى كلّ العالم.

إن ما حدث للصين ولإيطاليا هو بصدد الحدوث في بلدان أخرى، وربّما سيطال بقية المجتمعات في كلّ العالم خاصّة مع تضارب الأخبار عن إمكانية تأخّر المخابر في الوصول إلى مصل مضادّ للكورونا في وقت وجيز جرّاء الصراع السياسي الذي اندلع هذه الأيّام بين قادة الدول الكبرى الذين باتوا في سباق محموم من أجل الفوز بسبق علمي قد ينقذ الإنسانية من مجهول الكورونا، حتى أن المتابعين لتصريحات زعماء الدول الكبرى أكّدوا أن السياسة اندسّت في هذا الموضوع وأن حملات انتخابية سابقة لأوانها قد انطلقت مباشرة مع اندلاع هذه الأزمة العالمية.

إذا ما نظرنا للمسألة من زاوية علم النفس وعلم النفس الاجتماعي، نجد أنّ أزمة الكورونا قد حفرت عميقًا في نفسية الفرد كما المجموعة، وسوف يكون لها التأثير الجليّ في مستوى تغيّر العادات

وفي انتظار ذلك، وإذا ما نظرنا للمسألة من زاوية علم النفس وعلم النفس الاجتماعي، نجد أنّ أزمة الكورونا قد حفرت عميقًا في نفسية الفرد كما المجموعة، وسوف يكون لها التأثير الجليّ في مستوى تغيّر العادات والاتجاهات القيميّة التي دأب عليها الإنسان لعقود طويلة، وأنّ الذكريات والأحداث اليومية التي عاشتها "مجتمعات الكورونا" والقصص التراجيدية التي حفّت بحدث تفشي هذا الوباء ستبقى عالقة كوشم بالضمير الجمعي، تمامًا كما حدث للبشريّة في أزمنة أخرى أنبأنا بها التاريخ مثل تفشّي الطاعون والمالاريا والجدري والأنفلونزا الإسبانية وأنفلونزا الخنازير والسارس.

لقد كانت لحظات عاتية وقاسية عاشها الإنسان فدمّرت استقراره النفسي والرّوحي، لقد أنبأنا التّاريخ أيضًا أن تلك الأحزان قد خلّفت في الجينات البشرية آلامًا ومخاوفًا تتجلّى أحيانًا في سلوك المجتمعات وردود أفعالهم، كما نجد لها الصدى الحزين في آدابهم وفنونهم. 

اقرأ/ي أيضًا: عن المستهترين بقواعد التوقي من "كورونا"

إنّ "زمن الكورونا" الذي نعيشه هذه الأيّام قد حطّم أسطورة الفردانية المتفشّية بين المجتمعات مع نهايات الحرب العالمية الأولى والتي مفادها أن الفرد هو محور الحياة الاجتماعية حتى أن الفلسفة الحديثة ولكي تضرب المؤسسة الدينية في مقتل خلال حربها الفكرية معها روّجت لمقولات مثل الفردانية والإنسان السوبر والإنسان القوي.

لكن هذه الفردانية وفي العقود الزمنية الأخيرة تحوّلت إلى مرض اجتماعي عزل الفرد وهو مع المجموعة بل داخل العائلة الواحدة، وشاهدنا تجلّياته في اللهفة على التبضّع وتخزين المواد الغذائية والأدوية. وبالرغم من التفسيرات التي تأتي من هنا وهناك معتبرة أن ما يحدث من تزاحم أمام مغازات التموين هو سلوك طبيعي جرّاء مشاعر الخوف وجرّاء التصريحات التي تؤكد في كل مرة أن الإنسان في حرب وبالتالي وجب النجاة.

لقد أعاد "زمن الكورونا" الإنسان عنوة ومن غير إرادته إلى حظيرة القيم الإنسانية الكونية التي تقوم أساسًا على فلسفة التضامن والتعاون والتحابب

لقد أعاد "زمن الكورونا" الإنسان عنوة ومن غير إرادته إلى حظيرة القيم الإنسانية الكونية التي تقوم أساسًا على فلسفة التضامن والتعاون والتحابب، وإلى ذاك الشعور النفسي الجمعي الذي شاهدناه مجسّدًا في التواصل بالغناء في الشرفات في إيطاليا وفي إسبانيا وتونس. ففي لحظة تقلّ الفجوات بين الأفراد والمجتمع، فيتخلّص الإنسان من فردانيته المرضية فتنادي روحه الكليلة إلى الأرواح الأخرى من أجل صناعة الحياة من جديد.    

في أوقات الأوبئة والجوائح، سرعان ما يعود الإنسان إلى جراب الأسئلة القديمة المتجدّدة، علّه يعثر على أجوبة تزيل خوفه وتبدد قلقه الداخلي، ففي مثل هذه الأزمات تثار الأسئلة الوجودية التي لطالما طرحها الإنسان منذ وجد على ظهر البسيطة وطرحتها الفلسفات القديمة والمتعلّقة بأسباب الوجود وخالق هذا الوجود والموت وما بعد الموت، وخاصة سؤال "لماذا يبعث لنا الله ما يؤلمنا ونحن نحبّه ونؤمن به؟".

الإنسان وبحثًا عن توازنه الداخلي الذي تحاول "أيّام الكورونا" الاستيلاء عليه يتشبّث ببيارق الأمل في الحياة، فتنمو لديه مشاعر المواجهة والثبات فيعود لذاكرته ولتراثه وتجارب القدامى والميتافيزيقا وتاريخ الأزمات والطرائف والحكم والفنون والأشعار. إنها وصفة الأمل في مواجهة العدوّ اللّامرئي.

قد تغيّرنا "أزمة الكورونا" إلى الأبد وتحطم قواربنا المتوجهة إلى ضياء السماء وتمعن في دكّ حصوننا لكنها في النهاية لن تبيد الحياة وتعطّل الشمس عن الطلوع ولن تقضي على إنسانية الإنسان. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

الوباء مناخ خصب للمؤامراتية الفجة والانقلاب النمطي

الكورونا تريد!