31-أغسطس-2023
الانتخابات الرئاسية في تونس

الانتخابات الرئاسية في تونس.. هل تكون فرصة لتغيير في السلطة وتحقيق التداول أو خلق تنافسية جدية؟ (صورة أرشيفية/Getty)

مقال رأي 

 

بحلول شهر سبتمبر/ أيلول، سيفصلنا عام عن الموعد المفترض للانتخابات الرئاسية في تونس، باحتساب أن سبتمبر/أيلول 2019 هو التاريخ الذي انطلقت منه العهدة الرئاسية للرئيس قيس سعيّد.

في هذا المقال، ننطلق من مسلمة أساسية وهي أن الانتخابات القادمة لن تكون بنفس درجة معايير الحرية والنزاهة التي كانت عليها انتخابات 2019 باعتبار النظام "نصف التسلطي" (semi-authoritarian) او "النظام الهجين" (hybrid regime) القائم الآن في تونس (1)، والذي من الطبيعي أن لا يوفر ذات المعايير الفارطة، دون أن يعني ذلك أن انتخابات 2019 والمرحلة الانتقالية كانت نموذجية لا في الحرية وخاصة ليست كذلك في النزاهة.

هل يمكن للانتخابات الرئاسية القادمة أن تكون فرصة لتغيير في السلطة وتحقيق التداول أو خلق تنافسية جدية يمكن أن توفر فرصة تشكل معارضة متجددة ووازنة تغير موازين القوى في أفق مرحلة ما بعد الانتخابات؟

السؤال الذي سنطرحه هو بالتحديد التالي: هل يمكن لمحطة الانتخابات الرئاسية القادمة أن تكون فرصة لتغيير في السلطة وتحقيق التداول في الحد الأقصى وفي الحد الأدنى خلق تنافسية جدية يمكن أن توفر فرصة تشكل معارضة متجددة ووازنة تغير موازين القوى في أفق مرحلة ما بعد الانتخابات؟ أو ستكون مجرد لا حدث سياسي (anticlimax/non-événement) لن يكون له أي أثر سياسي لتحسين شروط الخروج من المسار التسلطي الحالي؟ سنحاول أن نجيب على هذه الأسئلة من خلال التجارب المقارنة لأن تونس لا تشهد تاريخًا استثنائيًا. 

دراسات الانتقال من وضع تسلطي أو مسار تسلطي إلى وضع ديمقراطي تشير إلى حالات مختلفة، لكنها تؤكد أن الانتقال إلى الديمقراطية يكون الأكثر احتمالًا عندما يكون الوضع أقل تسلطية من الآخر.

في دراسة مرجعية صدرت سنة 2006 عن "معهد كيلوغ للعلاقات الدولية" (Kellogg Institute) عن جامعة نوتردام الأمريكية، غطت الفترة الممتدة من 1972 إلى 2003 وشملت عشرات الأنظمة التسلطية، كانت الخلاصة الأساسية أن التغيير عندما يحصل في الأنظمة الأكثر تسلطية (العسكرية أو التي يُسمح فيها لحزب واحد فقط بالوجود مثلًا) فهو يؤدي إلى نظام تسلطي آخر. في حين كلما كانت هذه الأنظمة تتميز بنظام متعدد الأحزاب محدود (limited multiparty regime) حتى لو كان شكليًا أو ضعيفًا فإن فرضية أن يؤدي التغيير السياسي إلى تأسيس ديمقراطي هي أكبر بكثير. 

من بين أهم الدراسات الجديدة التي طرحت بوضوح موضوع جدوى المقاطعة في الأنظمة الهجينة أو التي تتميز بـ"تسلطية تنافسية" (competitive authoritarianism) بمعنى التي تعتمد الانتخابات كأحد مقومات وجودها هي بعنوان "Election boycotts and hybrid regime survival" للباحث Ian Smith سنة 2014.

بعض الدراسات انتهت إلى أن المقاطعة لا تحقق انتقالاً سلميًا للسلطة ولا تضرب شرعية الانتخابات وتؤكد ما نظر له باحثون آخرون من إمكانية استغلال الانتخابات التي تقيمها أنظمة تسلطية

دراسة إمبريقية غطت عشرات الانتخابات وحملات المقاطعة للمعارضة، وانتهت إلى أن المقاطعة لا تحقق انتقالاً سلميًا للسلطة ولا تضرب شرعية الانتخابات. وتؤكد ما قاله باحثون آخرون مثل Staffan Lindberg في كتابه حول "Democracy and elections in Africa" سنة 2006، والتي نظرت إلى الانتقال الديمقراطي باستغلال الانتخابات التي تقيمها أنظمة تسلطية.

دراسة أكثر جدة (سنة 2020) في ذات الموضوع نشرها مجموعة من الباحثين في (Annual Review of Political Science) عنوانها (ِAuthoritarian-led democratization) وتركز على تجربتي تايوان وغاناوكيف أن التحوّل الديمقراطي حصل من خلال الذهاب في مسار انتخابي تنافسي حتى عندما أدى لانتصار الطرف الحاكم المستبد سابقًا. التجربتان مثلتا صدى لحالات انتقال شهيرة في "الموجة الثالثة" سواء في أوروبا أو أمريكا اللاتينية مثل إسبانيا أو الشيلي. 

بعرضنا لهذه التجارب لا نعني ضرورة أن الانتخابات الرئاسية القادمة فرصة لتغيير في السلطة وهزيمة الرئيس الحالي وانتصار مرشح معارض، لكن في اتجاه التأكيد أن قرار المشاركة أو المقاطعة لا يجب أن يرتكز فقط على "ضمانات" انتخابية "حرة ونزيهة"، لأن ذلك لن يكون مضمونًا من نظام تسلطي هجين حتى.

قرار المشاركة أو المقاطعة يجب أن يرتكز على مدى أن تكون الانتخابات فرصة لحالة "تعبئة سياسية" حتى إذا انهزمت المعارضة، إذ يمكن أن تمثل لاحقًا فرصة لترسيخ قطب معارض جدي 

بل يجب أيضًا أن يرتكز على مدى أن تكون الانتخابات، ومثلما توضح الدراسات أعلاه، هي نفسها فرصة لحالة "تعبئة سياسية" حتى إذا انهزمت المعارضة، يمكن أن تمثل لاحقًا فرصة لترسيخ قطب معارض جدي خاصة عندما تفتقد البلاد إلى بديل معارض منافس جديًا للسلطة مثلما هو الحال في تونس الآن. 

الآن يوجد نقاش مماثل في مصر بما أنها ستشهد أيضًا انتخابات رئاسية سنة 2024، ومن بين المرشحين الأكثر جذبًا للاهتمام (حسب مؤشرات مواقع التواصل الاجتماعي نظرًا لغياب استطلاعات رأي جدية) هو النائب السابق الذي كان موجودًا في برلمان ما بعد قدوم السيسي إلى السلطة أحمد طنطاوي، والذي يطرح تحديًا مباشرًا للسلطة الحالية ويتهمها بوضوح بالاستبداد، ويعرض برنامجًا رئاسيًا يعلن صراحة إصلاح دور المؤسسة العسكرية وحصرها في الاختصاص العسكري.

طنطاوي يطرح أيضًا موضوع الضمانات لكن لا يعتبره شرطًا أساسيًا، ويقول الآن إنه رتب توكيلات لكي يفرض ترشحه حتى لو تم وضعه في السجن. طنطاوي يطرح صراحة أنه معني بتحدي التغيير من خلال الانتخابات وتحت سقف الدستور المصري الحالي رغم انتقاده للاستفتاء الذي أنتجه. 

أعلن سعيّد ما يمكن أن يضرب الثقة أساسًا في إمكانية انتقال سلمي للسلطة عندما قال إنه إن تمت انتخابات لن يسلم الدولة لمن هم غير وطنيين (دون أن يحدد معاييرًا موضوعية لذلك)

في الحالة التونسية، أعلن الرئيس قيس سعيّد ما يمكن أن يضرب الثقة أساسًا في إمكانية انتقال سلمي للسلطة عندما قال إنه إن تمت انتخابات لن يسلم الدولة لمن هم غير وطنيين (دون أن يحدد معاييرًا موضوعية لذلك).

في المقابل، شرعية الرئيس الحالية للمفارقة أتت من انتخابات الانتقال الديمقراطي الذي ينتقده باستمرار. للتذكير فإن مقولته السياسية المركزية أنه يعبر عن إرادة الشعب، وعن مشروع نظام قاعدي يستمد فلسفته من الانتخاب المباشر في المجالس المحلية. بهذا المعنى فإن أكبر تحد سياسي لمصداقيته، هو إمكانية التدخل في أساسيات إرادة الناخبين سواء بمنع ناخبي منافسيه من النفاذ للصناديق أو منع منافسين جديين من الترشح أو ضرب أي مراقبة شفافة للعملية الانتخابية بما يسمح بتزويرها بشكل واسع. هذه تبدو لي الشروط المعقولة للمشاركة.

من المفارقة أن يفكر من دافع عن المشاركة في سنة 2009 في انتخابات شروطها أقل من هذا بكثير، في المقاطعة الآن

ومن المفارقة أن يفكر من دافع عن المشاركة في سنة 2009 في انتخابات شروطها أقل من هذا بكثير، في المقاطعة الآن. بهذا المعنى، يمكن فهم خطاب جزء من المعارضة وطرحها فكرة المشاركة في الانتخابات رغم رفضها المبدئي للدستور القائم. موازين القوى هي لب السياسة الأمس واليوم وغدًا. وللحديث بقية فهذا المقال ليس إلا مفتحات لموضوع سيشغل البلد والناس بداية من انطلاق السنة السياسية. 

 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

 

(1):  في خصوص تعريف هذا النمط من الأنظمة وتنزيل ذلك على الحالة التونسية، أنظر خصوصًا مقالي: https://theconversation.com/quel-avenir-pour-le-populisme-semi-autoritaire-en-tunisie-apres-les-elections-legislatives-197039