في علاقة الشيخين بالشاهد.. توافقات هشة في كل الاتجاهات

في علاقة الشيخين بالشاهد.. توافقات هشة في كل الاتجاهات

توقيت اتخاذ أي قرار قد يكون أهم من القرار في حد ذاته ويعود لذلك صمت رئيس الحكومة إلى حد الآن (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

يبدو أن العلاقة بين الشاهد والشيخين ليست على ما يرام. وإن كان توتر علاقته مع قائد السبسي أمرًا معلومًا بين التونسيين منذ فترة، فإن علاقة رئيس الحكومة في تونس كانت إلى زمن قريب في أحسن حالاتها، ظاهريًا على الأقل، مع رئيس حزب حركة النهضة راشد الغنوشي. هذا الأخير، كان قد حوّل التوافق الذي ميّز سياسة حزبه منذ انتخابات 2014، نحو يوسف الشاهد ودعمه على رأس الحكومة رغم المعارضة الشديدة التي وجدها ابن النداء السابق من حزبه الأم ومكونات حزبية أخرى في المشهد السياسي التونسي إضافة إلى معارضة كبرى النقابات العمالية في البلاد.

راهن الغنوشي ومن معه على يوسف الشاهد، عندما استحال أن يجمع "التوافق" الجميع وعندما اضطر للاختيار بينه وبين قائد السبسي، رغم معارضة جزء نافذ من قيادات وأبناء حركته. راهن عليه رغم تحذيرات وجهت له في رسالة سُربت لوسائل إعلام محلية، وإن لا يمكن إنكار أنها مراهنة حذرة. لكن ما الذي استجد في علاقة الشاهد برئيس النهضة؟

لقاء الشيخين الأخير، غير المعلن إعلاميًا، هو محاولة لإعادة التوافق والتنسيق بين الشيخين، تحضيرًا للانتخابات القادمة

تناقلت وسائل إعلام محلية حديثًا لافتًا للغنوشي على هامش ندوة فكرية يوم السبت 12 جانفي/ يناير الجاري قال فيه إن "من حق يوسف الشاهد والمحيطين به تكوين حزب أو ممارسة نشاط سياسي أو غيره ولكن الوضع الحالي في تونس يتطلب تفرغ الحكومة لمهامها فقط''، مذكّرًا في ذات السياق لـ"التصدي لرغبة مهدي جمعة، رئيس الحكومة الأسبق، في الترشح لانتخابات سنة 2014 من قبل اتحاد الشغل والفاعلين السياسيين حينها".

تحدث الغنوشي إذًا عن "ضرورة تفرغ رئيس الحكومة لمهامه الحكومية وعدم توظيف أجهزة الدولة في الحملات الانتخابية" وإن لم يكن تصريحه هذا كفكرة جديدًا فإن ذكره في السياق الحالي قد يثير الريبة حول علاقة الطرفين. خاصة مع مسارعة "رجال الشاهد" من كتلة الائتلاف الوطني الداعمة له في البرلمان وركيزة حزبه المنتظر نهاية هذا الشهر، إلى الرد عبر الإعلام أيضًا.

يقول النائب وليد جلاد (كتلة الائتلاف الوطني) "لا للغنوشي ولا لغيره الحق في التدخل في قرار يوسف الشاهد الترشح للاستحقاقات الانتخابية القادمة إن أراد هو ذلك"، وأضاف "الوضعية تختلف بين الشاهد وجمعة.. بين سياسي اختاره رئيس الجمهورية من بين قيادات نداء تونس وكان له نشاط حزبي معروف من قبل وبين تكنوقراط اشترط المشاركون في الحوار الوطني حينها أن يكون غير معني بالاستحقاق الانتخابي ووافق على ذلك".

هل يعكس تصريح الغنوشي ما جاء في لقاء الشيخين الأخير يوم الثلاثاء الماضي في قصر الرئاسة والذي قيل إنه بطلب من الغنوشي؟ هذا اللقاء غير المعلن إعلاميًا قيل أيضًا إنه محاولة لإعادة التوافق والتنسيق بين الشيخين، بعد فترة برود تخللتها تصريحات مستفزة من رئيس الجمهورية تجاه النهضة ورئيسها وحاولت خلالها النهضة ترويج رواية "الحفاظ على علاقات إيجابية مع الجميع".

لقاء الثلاثاء قيل أيضًا إنه لـ"عزل الشاهد" ومحاولة لإعادة سكة التوافق بين الشيخين تحضيرًا للانتخابات القادمة وهو الذي قد تليه لقاءات أخرى بينهما، فيما لم تتضح المخرجات بشكل واضح رغم ترويج البعض لفشل اللقاء في تحقيق أهدافه. في جميع الحالات لا يمكن نفي سعي النهضة للحفاظ على حد أدنى من التنسيق والتوافق مع قائد السبسي ولعل تعاملها مؤخرًا مع ملف العدالة الانتقالية أكبر دليل، نظرًا لمحاولاتها تطويق الملف "المزعج" لقائد السبسي ومعظم منظومة حكم زمني بورقيبة وبن علي.

لا يمكن نفي سعي النهضة للحفاظ على حد أدنى من التنسيق والتوافق مع قائد السبسي ولعل تعاملها مؤخرًا مع ملف العدالة الانتقالية أكبر دليل

أما عن الباجي قائد السبسي فلا اختلاف أن علاقته برئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد في أسوأ فتراتها وفي تدهور واضح. آخر صور جمعت بينهما تعود إلى تاريخ 28 ديسمبر/ كانون الأول 2018، في قصر قرطاج، بمناسبة اجتماع دعا له قائد السبسي لتباحث الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وبحضور المنظمات الوطنية. كشفت الصور حجم الجليد المخيّم على العلاقة بين طرفي السلطة التنفيذية، كما غابت لقاءات التشاور الدورية التي ميزت أول  فترة ترؤس الشاهد للحكومة.

بعيدًا عن الشيخين، يبدو أن المشروع السياسي للشاهد يتشكل تدريجيًا ولو ببطء، هذا الأخير لم يفوّت سوء الأوضاع المناخية وقسوتها في بعض مناطق الشمال الغربي التونسي مؤخرًا ليتنقل في زيارة للجهة، في مشهد بدا أقرب للاستثمار في مصائب فقراء المنطقة وخصاصتهم ونحن على أعتاب استحقاقات انتخابية، سيكون الشاهد بشكل مباشر أو غير مباشر طرفًا فاعلًا فيها.

تأخر الإعلان رسميًا عن مشروع الشاهد السياسي قد يكون مؤثرًا في خياراته القادمة

لم يكشف الشاهد بشكل واضح إلى اليوم شكل انخراطه في الانتخابات القادمة كما لم يصرح برغبة في مغادرة كرسي رئاسة الحكومة. قد يكون توقيت اتخاذ أي قرار أهم من القرار في  حد ذاته، ويعود لذلك صمت رئيس الحكومة في هذا الملف إلى حد الآن. تأخر الإعلان رسميًا عن مشروعه السياسي قد يكون مؤثرًا في خياراته أيضًا. ثم أي انتخابات تهم الشاهد؟ لا يبدو أنها الرئاسة، التي أعلن الغنوشي أيضًا أنها ليست هدفه، خلال تصريح يوم السبت  12 جانفي/ يناير الجاري، حين صرح أن "لا طموحات شخصية له في الانتخابات الرئاسية"، مضيفًا أن النهضة ستدعم غالبًا مرشحًا من خارجها. لكن فرضية توجه الشاهد نحو الانتخابات الرئاسية تبقى قائمة إذا تواصل تأخر "مشروعه السياسي".

بقي الشاهد في منصب رئاسة الحكومة لفترة ناهزت الآن العامين والنصف وهي أطول فترة حكم لرئيس حكومة إبان الثورة، وهو عليم بامتيازات وصلاحيات منصب رئاسة الحكومة التي لا تقارن بصلاحيات رئاسة الجمهورية، كما نص على ذلك دستور 27 جانفي/ يناير 2014. الغنوشي أيضًا يترك معظم الاحتمالات على الطاولة، فإن لم يكن مهتمًا بالرئاسيات فقد يكون الهدف منصبًا آخر في الدولة إبان انتخابات 2019. لا يزال "اللعب" ممكنًا من الجميع في جميع الاتجاهات كما تتضافر عوامل عديدة داخلية وخارجية تزيد من تعقيد الوضع لكن قرب الاستحقاق الانتخابي يفرض المسارعة بـ"لعب آخر الأوراق" من قبل الجميع.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سنة 2019.. ماذا تخبئ لتونس؟

تونس.. الأزمة أعمق من مجرد تحوير وزاري

قراءة في بيان مجلسها الأخير: النهضة "تنقل التوافق" نحو القصبة.. بحذر وشروط!