07-يونيو-2023
احتجاجات

في بعض الصمت مشاركة وتواطؤًا (صورة توضيحية/أ.ف.ب)

مقال رأي 

 

تقول القاعدة الفقهية إنه لا يُنسب لساكت قول ولكن السكوت في معرض الحاجة بيان. وتتجسّد هذه القاعدة في المنظومة القانونية المعاصرة، ومن ذلك أن الكتمان عن العيب عاكس لسوء نية، بل يمتد مجال القاعدة إلى المادة الجزائية باعتبار أن السكوت عند ارتكاب فعل مجرّم ما أو عدم الإعلام به يكون أحيانًا بمرتبة الجريمة من بوابة المسؤولية السلبية. وإن لزوم عدم السكوت عند لزوم الموقف يتجلى في الحديث النبوي الصحيح أن "أعظم جهاد هو كلمة حق عند سلطان جائر".

في سياق الردّة عن المكتسبات الحقوقية في تونس منذ 25 جويلية/يوليو 2021 وتصاعد النزوع السلطوي لرئيس الدولة عبر استهداف الحريات العامة والمحاكمات السياسية باستعمال أدواته الأمنية والقضائية، يُطرح السؤال عن صمت "أبناء الديمقراطية" أي أولئك الذين عرفهم التونسيون وتولوا مسؤوليات في الدولة وتسابقوا لنيل المناصب بفضل النظام الديمقراطي طيلة السنوات الماضية.

في سياق الردّة عن المكتسبات الحقوقية في تونس منذ 25 جويلية 2021 وتصاعد النزوع السلطوي لرئيس الدولة عبر استهداف الحريات العامة والمحاكمات السياسية، يُطرح السؤال عن صمت "أبناء الديمقراطية"

السؤال: أين هؤلاء خاصة أولئك الذين كانوا ينشطون في الأحزاب الناشئة زمن الانتقال الديمقراطي ويتنافسون لتصدر المشهد السياسي؟ أين بالخصوص أصوات من كانوا يقدمون أنفسهم كديمقراطيين وابتدأت حياتهم السياسية في ريعان النظام الديمقراطي بل وكانوا يزعمون تصديهم لأي مساس بالحقوق والحريات؟

إذ يظهر أن لفيفًا هامًا ممن كانت تعلو أصواتهم قبل 25 جويلية قد اختار الصمت المطبق أمام النكوص عن المسار الديمقراطي والانهيار الحقوقي الذي تشهده البلاد. نواب ووزراء سابقون، وفاعلون سياسيون ومدنيون، عادوا إلى مواقعهم ومراكزهم المهنية وأدبروا عن الخوض في الشأن العام علنًا بعد أن كانوا يتسابقون على عرض خدماتهم ويتنافسون على المناصب.

يظهر أن لفيفًا هامًا ممن كانت تعلو أصواتهم قبل 25 جويلية قد اختار الصمت المطبق أمام النكوص عن المسار الديمقراطي والانهيار الحقوقي، نواب ووزراء سابقون، وفاعلون سياسيون ومدنيون، عادوا إلى مواقعهم وأدبروا عن الخوض في الشأن العام علنًا

هؤلاء هم مقاولو سياسة ينعمون من رخاء الديمقراطية ولكن غير معنيين في المقابل بالدفاع عن الديمقراطية. كانوا يقدّمون أنفسهم كديمقراطيين ولكنهم غير مستعدين للتصدّي لاغتيال الديمقراطية في تونس.

هم الصامتون اللذين لا يظهرون دائمًا إلا ساعة قطف الثمار، ولكنهم لا يجاهدون من أجل نمو الشجرة وحمايتها من الحشرات والرياح التي قد تقتلعها. هم يخشون اليوم الظهور في ثوب المعارض للرئيس، الذي لا يتوانى على تصفية خصومه الواحد تلو الآخر عبر الاعتقالات التعسفية والمحاكمات السياسية التي شملت قيادات حزبية وقضاة ومحامين وحقوقيين وصحفيين. بل أن العديد من هؤلاء الذين لولا الانتقال الديمقراطي لما عرفهم التونسيون، يعوّلون على أداء دور تنفيذي ما لو يناديهم الرئيس، باعتبار أنهم مستعدّون دائمًا للعب دور الوكيل.

هم يخشون اليوم الظهور في ثوب المعارض للرئيس، الذي لا يتوانى عن تصفية خصومه الواحد تلو الآخر والعديد منهم يعوّلون على أداء دور تنفيذي في حال ناداهم الرئيس، باعتبار أنهم مستعدّون دائمًا للعب دور الوكيل

اللافت أن تيار الصمت عن إيقاف سعيّد لقطار الديمقراطية في تونس لا يقف عند هؤلاء الطارئين على السياسة، وممّن كانوا مستقيلين عن الشأن العام قبل الثورة، بل يشمل سياسيين محترفين طالما قدّموا أنفسهم كديمقراطيين.

يُستذكر، في هذا الموضع بالخصوص، رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر، الذي يعدّ الأب الروحي لدستور 2014، وأحد "الرؤساء الثلاثة" زمن "الترويكا" الحاكمة التي تشكلت بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي عام 2011.

فبينما يقبع راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة في السجن، ويتواجد المنصف المرزوقي الرئيس السابق في المنفى الإجباري بسبب حكم غيابي إثر محاكمة سياسية، فإن الضلع الثالث للترويكا وهو بن جعفر، اختار الصمت المطبق، فلم يندّد بشكل حاسم وصارم بالتوجه السلطوي لرئيس الدولة ولم يُسند علنًا من شاركوه انتقالاً ديمقراطيًا ملهمًا في المجال العربي.

اللافت أن تيار الصمت عن إيقاف سعيّد لقطار الديمقراطية في تونس لا يقف عند الطارئين على السياسة، بل يشمل سياسيين محترفين طالما قدّموا أنفسهم كديمقراطيين كرئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر

بل أن بن جعفر كان من الداعين للمشاركة في الاستفتاء على دستور الرئيس صيف 2022، رغم أن هذا الاستفتاء لم يكن إلا محاولة تجميلية لإضفاء الشرعية على دستور كتبه سعيّد لنفسه بنفسه يؤسس لنظام رئاسوي ويحجب مقوّمات استقلالية القضاء.

حينما نعاين اليوم مشهد الشخصيات الفاعلة التي تواجه سلطة قيس سعيّد، فإننا نستعيد ذات الشخصيات المناضلة ضد الاستبداد زمن بن علي، بغض النظر على اختلاف انتماءاتها داخل الطيف السياسي من اليمين إلى اليسار.

في المقابل، انكفأ من وفّرت لهم الديمقراطية فرصة للتصدّي للشأن العام وتقلّد مسؤوليات سواء في البرلمان أو الحكومة طيلة السنوات الماضية، وهم الذين يعدّون "أبناء الديمقراطية" بهذا المعنى.

في بعض الصمت مشاركة وتواطؤًا، باعتبار أن سعيّد يستفيد من هذا الصمت ليمدّد تغوّله وحلقة استهدافه. فالسلطوي دائمًا ما يستفيد من صمت المتخاذلين والخائفين

بيد أنهم في المقابل أداروا ظهرهم للديمقراطية وللدفاع عن الحقوق والحريات، فهم غير مستعدّين لإبداء موقف مبدئي وعلني من الردّة التي تشهدها البلاد بقيادة رئيس سلطوي وغير ديمقراطي. يخشون دفع ضريبة الموقف. يريدون الاستفادة من الديمقراطية ولكنهم لا يريدون النضال من أجلها.

بل أن في بعض الصمت مشاركة وتواطؤًا، باعتبار أن سعيّد يستفيد من هذا الصمت ليمدّد تغوّله وحلقة استهدافه. فالسلطوي دائمًا ما يستفيد من صمت المتخاذلين والخائفين. هذا درس آخر للنخبة الديمقراطية "الحقيقية" في البلاد التي تواجه اليوم بوجه مكشوف وكلمة حرّة سلطة سعيّد. هو درس أن الديمقراطي ليس كلّ من ينسب لنفسه هذه الصفة زمن الرخاء، بل هو كل من هو مستعدّ للدفاع عن الديمقراطية زمن الشدّة.

 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"