07-ديسمبر-2019

(م. غ) شاب ذو ثلاث وثلاثين ربيعًا أمضى جزءًا كبيرًا من حياته في تدخين "الحشيش" (صورة تقريبية/ getty)

 

نوبات غضب لا حدود لها، حالة أرق متواصلة، شجار وأجواء مشحونة.. هكذا وصفت هالة (اسم مستعار) حالة زوجها الذي يعاني مخلفات التخلّص من إدمانه مادة "الزطلة". قد تبدو المسألة بسيطة في الحديث عنها لكنه كابوس تعيشه هذه العائلة ذات الثلاثة أفراد. زوج وزوجة وابنة ذات ستة أشهر كان السبب الأساسي في هذا القرار الذي اتخذه أبوه.

(م. غ) شاب ذو ثلاث وثلاثين ربيعًا أمضى جزءًا كبيرًا من حياته في تدخين "الحشيش"، فمنذ بلغ السادسة عشرة من عمره اكتشف هذه المادّة فكانت بدايته مع رحلة "النشوة". ترعرع (م. غ) في حي شعبي حيث كانت كل السموم متاحة أمامه كما ترعرع في بيت غاب فيه الأب ولم يكن حضور الأم وحدها كفيلًا لإنقاذه من براثن الإدمان. لم يكن التواصل معه سهلًا ولم تكن الكتابة عن هذه التجربة مجرد قصة تروى إنّما هي إرادة حياة.

"الخربة" هو ذاك المكان الذي تجده تقريبًا في أغلب الأحياء الشعبيّة ويجتمع فيه الجميع على "الشيخة"

"الخربة" ذاك المكان الذي تجده تقريبًا في أغلب الأحياء الشعبيّة ويجتمع فيه الجميع على "الشيخة". هو ملجأ أغلب الشباب وحتى الكهول للهروب من واقعهم الأليم، تقع فيه "التجربة الأولى" وتخطى فيه أولى خطوات الانحراف. ولا يكون الذهاب إليها إلا تحت دعوة أحد الأصدقاء. وهو ما حصل مع (ع.ص) الذي دعاه صديقه لاكتشاف المكان وكانت أوّل مرّة يدخن فيها مادّة الزطلة التي وجد معها متعة الحياة وفي الواقع كانت سببًا في هلاك هذا الشاب. سبعة عشرة عامًا أمضاها هذا الشاب بين متاهات الحياة، لا يمضي فيها يومًا دون أن يدخّن.

في المدّة الأولى كان غالبًا ما يدخّن مع الأصدقاء لأنه لا يملك المال الكافي لشرائها ومازال لم يكتشف بعد أساليب الحصول عليها. وسخاء أصدقاء السوء غالبًا ما يكون متعلقًا بهذه السموم فتجد حالة تضامن وتآزر بين أفراد الشلّة للاستمتاع فمن لا يملك المال يستطيع المشاركة ولا يحرم من المتعة. ومع انتهاء مدّة "الفرحة الأولى" باستقباله داخل المجموعة، كان على (م.غ) أن يجد أساليبًا أخرى للحصول على مبتغاه.

"عندما كنت أدرس غالبًا ما كنت أتعلل بمصاريف الدراسة أو الدروس الخصوصية للحصول على المال وكنت أضطر أحيانًا للتداين وسرقة أهلي. من ثم انقطعت عن الدراسة وبدأت في العمل الحر فكنت تقريبًا أنفق مدخولي كاملًا على "الشيخة". فكنت أنتظر لحظات المساء الأخيرة لأختلي بسيجارتي وأمضي لعالم آخر ينسيني ما أحمل من هموم"، هكذا تحدّث (م.غ) لـ"ألترا تونس" عن تجربته.

وأضاف أنّ قطار الحياة مرّ سريعًا وأنّه كلّما حاول الابتعاد عن هذه "المحنة" ازداد بها التصاقًا وقد خسر الكثير بسببها منها أهله وعمله وأمضى بسببها سنة في السجن لم تزده سوى تعلّقًا بها، على حدّ تعبيره.

سخاء أصدقاء السوء غالبًا ما يكون متعلقًا بهذه السموم فتجد حالة تضامن وتآزر بين أفراد الشلّة للاستمتاع فمن لا يملك المال يستطيع المشاركة ولا يحرم من المتعة

اقرأ/ي أيضًا: منعرجات الموت.. عن أكثر الطرقات صيدًا للأرواح البشرية في تونس

"عرفته صدفة وكنت على علم بمسألة إدمانه لكني وافقت على الارتباط به بشرط أن يتغيّر ويغيّر من نفسه واتفقنا بأن أساعده ليجد حلًا لهذه المسألة. مضت الأيام لكنه لم يستطع التخلص من إدمانه وكنت أعتقد ان المسألة سهلة. كبر الحب بيننا وقررنا الزواج لكنّ هاجس إدمانه يلاحقني ومع ذلك كنت دائمًا أقتنع بتطميناته"، تقول هالة لـ"ألترا تونس" وهي تتحدث عن بداية علاقتها بـ(م.غ).

وتؤكد محدثتنا أنّ السنة الأولى من زواجهما كانت صعبة جدًّا فكل مشاكلهما كانت حول "الزطلة" وعن كذبه الدائم في محاولة منه لإخفاء الأمر عنها، لكنها كانت تكشفه إما عن طريق بقايا تجدها في البيت أو تصرفاته التي تتغير بمجرد تدخينه. وتضيف أنها قرّرت الانفصال عنه عديد المرات لكنّ رابط الحبّ كان أقوى من كل شيء.

"يا أنا يا هي"، كانت هذه الكلمة التي تجعل من (م.غ) يتألم كثيرًا، "هي لم تفهمن ولم تفهم معاناتي. فأنا أكره نفسي عندما أدخّن لكن الأمر استحال عليّ. فعندما لا تدخل هذه المادة جسدي أصبح عنيفًا وعدوانيًا وأقطع تواصلي مع الجميع ولا يستطيع أحد مهما كان قريبًا مني تحمّلي وأنا في تلك الحالة. وفي لحظة تدخيني أكون إنسانًا عاديًا".

م.غ لـ"ألترا تونس": أنا أكره نفسي عندما أدخّن لكن الأمر استحال عليّ فعندما لا تدخل هذه المادة جسدي أصبح عنيفًا وعدوانيًا

أن لا تستطيع أن تكون إنسانًا طبيعيًا إلا تحت تأثير مادّة مخدّرة فهذا من أقسى ما يمكن أن يعيشه أي شخص، وهذا ما يعذّب محدثنا يوميًا ومع كل نفس يسحبه من سيجارته يكتوي بألم الاحساس بالذنب تجاه نفسه وتجاه عائلته.

رزق (م.غ) وهالة بابنة كانت السبب الرئيسي للتغيير الذي حصل صلب هذه العائلة. تتحدّث هالة عن الأمر قائلة "بعد إنجابي لابنتي قرّرت أن أغيّر أسلوبي معه وأن أغيّر ردّة فعلي عندما أكتشف أمره. وهذا ما حصل في آخر مرّة حيث لم أتشاجر معه وحدثته بهدوء لم يعهده منّي "إلى أين ستأخذنا هذه المسألة؟ إلى متى سنبقى هكذا؟ أنا أحبّك كما أنت فقط كن صادقًا معي وسنجد حلًا معًا من أجلك ومن أجل ابننا. فأخبرني أنني لن أفهمه ولن أستطيع استيعاب ما يحصل له وأحسست بخوفه ووعدته أن أكون دائمًا إلى جانبه مهما حصل".

ومن هنا بدأت رحلة المصارحة بين هذين الزوجين، وطرحت هالة على زوجها الاستعانة بطبيب مختص إلاّ أنّه رفض الأمر بتعلّة أنّه لن يفيده وأنّه لا يريد تعاطي أدوية فد تضرّه. فقرّرت هذه الزوجة الذهاب بمفردها لمختصّ في الإدمان ليساعدها ولتعرف كيفيّة التواصل مع زوجها ومساعدته للتخلّص من إدمانه.

أخبرها الطبيب أنّ المسألة صعبة جدًا وأنّه سيتعذّب كثيرًا خاصة وأن فترة إدمانه قد طالت لذا عليها أن تصبر وتتحمّل ردود أفعاله العنيفة لأنّ نقص المادة المخدّرة في الجسد يولّد حالات عصبيّة وهستيريّة ونصحها أن تمنحه إحساسًا بالثقة وبيئة مبنية على الصدق والأمان.

لا تزال هالة تقاوم إلى اليوم مخلّفات إدمان زوجها لكنّها سعيدة وفخورة بالإنجاز الذي قام به ومصمّمة على أن لا تستسلم إلّا عندما يختفي هذا الكابوس من حياتهما

وتتحدّث هالة عن هذه المرحلة قائلة "من هنا بدأنا رحلة العلاج. أمضى زوجي الأيام الثلاث الأولى في عذاب. كنت ألاحظ ألمه وكان لا يستطيع النوم. يتعرّق كثيرًا وحرارة جسمه مرتفعة على امتداد اليوم. دائم الغضب إلى درجة أني استنزفت كل طاقتي من أجل تمرّ هذه الفترة بسلام". وتكمل هالة حديثها أنّه ومع اكتمال اليوم الثالث أخبرها أنّه لا يستطيع المواصلة ويحتاج لسيجارة لأنّه يتعذّب وبالفعل دخّن في تلك الليلة سيجارة واستطاع أن ينام.

استمرّ (م.غ) على هذه الحال لمدّة أربعة أشهر ما بين مقاومة واستسلام لكنّه أكّد أنه تخطى المرحلة الصعبة وحتى عندما يضعف فإنّه يدخّن كميّة ضئيلة فقط ليستطيع النوم على حدّ قوله. أمّا هالة فمازلت تقاوم إلى اليوم مخلّفات إدمان زوجها لكنّها سعيدة وفخورة بالإنجاز الذي قام به ومصمّمة على أن لا تستسلم إلّا عندما يختفي هذا الكابوس من حياتهما.

معاناة هذه الأسرة لا تختلف عن غيرها من قصص آلاف العائلات الأخرى التي تعاني ألم إدمان ابن أو زوج أو زوجة.. منها من اختار التحمّل والكتمان ومنها من التجأ للعلاج للتخلّص من هذه الآفة ومنها من يعاني الموت البطيء. وتبقى الإرادة والعزيمة هي السلاح الأوّل لمقاومة هوى النفس وتعديل بوصلة الحياة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

شباب يهوى المناطق الجبلية.. ضحية "إرهاب الطريق"

"رحلات الموت" في تونس.. التونسيون يبحثون عن سكة النجاة