الأحياء الشعبية التونسية: على هامش الدولة (2/2)

الأحياء الشعبية التونسية: على هامش الدولة (2/2)

1293 مشاهدة
انتشر الفكر السلفي الجهادي في أحياء شعبية كحي التضامن (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

الجمعيّات المدنيّة والأحزاب السياسيّة: البحث عن الدور المفقود

رغم اعتقاد نصف المستجوبين تقريبًا في جدوى الانتخابات كأداة لتحسين وضع الشباب في المستقبل، تغيب ثقة الجزء الأعظم منهم (98.8%) في السياسيّين الذين يخدمون، حسب رأيهم، مصالحهم الشخصيّة فقط. وتعتبر فئة صغيرة من الشباب (5.9%) أنّ استعمال العنف يمثّل حلًا. كما لا ينخرط في أحزاب سياسيّة إلاّ فئة محدودة من الشباب (4.5%) وينسحب الأمر كذلك على الجمعيات (8.2%).

انتشرت السلفية الجهادية في عدد من الأحياء الشعبية التونسية إبان الثورة ومنها حيي التضامن وجوار هيشر

وتستخلص ألفة لملوم أنّه رغم انفتاح المجال أمام العمل السياسيّ والجمعياتيّ، والنزعة الواضحة لدى الشباب في الدفاع عن حقوقهم ورغبتهم في تحسين ظروفهم الشخصيّة والعامة (حيّهم) بعد الثورة، لم تنجح مختلف الهياكل في استقطابهم أو إحراز ثقة واسعة في صفوفهم. حيث عبّر عدد من الشباب عن عدم اهتمامهم بالمجريات السياسيّة وتجنّبهم التحدث في محيطهم عن النقاشات الحاصلة صلب المجلس التأسيسيّ على سبيل المثال.

أما في ما يخص الميول الانتخابيّة لشباب دوار هيشر والتضامن، فهي تتشابه مع ميول باقي الشرائح العمرّية في الحيّين، وفي البلاد عمومًا، من ناحية ضعف الاهتمام لكن كذلك من ناحية الاختيارات. حيث يأتي حزب حركة النهضة وحركة نداء تونس على رأس قائمة الأحزاب التي يثق بها الشباب، فيما تأتي الجبهة الشعبيّة ثالثًا يليها حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة فحزب التحرير وحزب التكتّل من أجل العمل والحريات (يجب هنا التأكيد أن هذه النتائج تعود إلى عام 2014).

وترى لملوم أنّ كسر هيمنة حركة النهضة على الميول السياسيّة في الحيّين يعود إلى أنّ الشباب، على عكس الأجيال الأكبر سنًا، لم يعش فترة الثمانينيات والتسعينيات حين كان الحيّان يعتبران مركز ثقل للحركة، بل زامن فترة حكمها، التي عرفت أوضاعًا اقتصاديّة واجتماعيّة صعبة.

اقرأ/ي أيضًا:"دوّار السلاطنيّة".. حياة في قفص الموت

أنصار الشريعة: السلفيّة في سياق محليّ

تنوّه ألفة لملوم إلى أنّ الدراسة انطلقت في بداية العام 2014، أي بعد مدّة قصيرة من تصنيف أنصار الشريعة كجماعة إرهابيّة. وقد عرفت المنطقتان في السنوات الموالية للثورة نشاطًا ملحوظًا للجماعة ولأفراد سلفيّين من خارجها. وقد وقع القبض على عدد من المشتبه بهم خلال فترة الدراسة. لذلك يجب وضع هذه المعطيات في الاعتبار في مسار تأويل النتائج.

يرسم عدد من المستجوبين خطًا فاصلًا بين ما يطلقون عليهم سلفيّين "جيّدين" وسلفيّين "سيئين" يصنفونهم في خانة المتشددين أو الإرهابيّين. وتختلف نسبة هامة منهم (46.3% في التضامن، و32.5% في دوار هيشر) مع تعريف السلفيّة كـ"مجموعة متشدّدة تسعى إلى فرض وجهات نظرها باستعمال القوّة". وفيما يتعلّق بتصنيف أنصار الشريعة كجماعة إرهابيّة، يعارض القرار ما يقارب ثلثي العيّنة في التضامن وحوالي نصفها في دوار هيشر. لكن يوجد داخل هذه الأرقام فرق في الآراء أساسه التعليم. حيث تنخفض النسبة العامّة لمعارضة قرار التصنيف من 77.8% إلى 50% فقط في صفوف المستجوبين الذين تلقوا تعليمًا جامعيًّا.

ولفهم ذلك، تقول الباحثة، يجب النظر إلى عاملين هما: المجال والسنّ. حيث يشير عدد مهم من الشباب إلى أنّ السلفيّين "أولاد حومة" أي أنّهم أبناء نفس الحيّ. ويحيل المصطلح على رابط مجاليّ مهمّ بين المستجوبين والسلفيّين. إذ يتشارك جميعهم العيش في مجال اجتماعيّ واقتصاديّ واحد، ويتعرضون لنفس المشاكل اليوميّة تقريبّا. ويمكن لمن يرغب في التوسّع أكثر في هذا الموضوع مراجعة البحوث الواردة في كتاب "السلفيّة الجهاديّة في تونس: الواقع والمآلات".

يفصل سكان حيّي التضامن ودوار هيشر، الشعبيين بتونس، بين من يصنفونهم بالسلفيين الجيدين في مقابل السيئين أو الإرهابيين

ويرى 89.2% من الشباب أن أحداث جامع النور، التي تصادمت خلالها القوات الأمنيّة مع مجموعة سلفيّة متحصّنة بمسجد النور والطرقات المتاخمة له، شوّهت صورة الحيّ. كما يعتبر 67.5% منهم أن الشباب السلفيّين ضحايا ظلم وقع عليهم، وترى نفس النسبة تقريبًا أن الإعلام ضخّم من حجم الحادثة.

وللسنّ هنا دور مهمّ كما تصرّح الدراسة، حيث تنخفض نسب تأييد السلفيّة مع ارتفاع عمر المستجوبين. ما يعني أنّ السلفيّة ظاهرة جيليّة تؤسس لارتباط مرن ومتغيّر مع الوقت. حيث يتحدث بعض الشباب من الجنسين عن "تجربتهم" السلفيّة كمجرّد "تجريب" لأنماط من السلوك، كالصلاة جماعة في المسجد أو حضور دروس دينيّة، واللباس، كارتداء الحجاب أو الجلباب.

اقرأ/ي أيضًا: الدولة لم تسمع بعشوائيات نواكشوط بعد!

وتشير لملوم إلى أنّ تجاربهم تلك جزء من بحثهم عن ذواتهم. فأغلبهم في عمر يمثّل فيه تكوين الهويّة مسألة على غاية من الأهميّة، حيث يبحث فيه المرء على تأكيد شخصيّته وفهم العالم من حوله. ورغم وجود عدّة أطر للنشاط يختار الشباب السلفيّة لعاملين. يتمثّل العامل الأوّل في أنّها توفّرت لهم وقاية، حيث يعيش السلفيون داخل جماعة تحمي أفرادها على أصعدة مختلفة. ويتمثّل العامل الثاني في أنّها توفّر لهم مجموعة من اليقينيات وعقيدة تدّعي أنّ لها إجابة لكلّ سؤال.

وعند سؤالهم عما إن كانوا يعرفون شخصًا توجه إلى "الجهاد في سوريا"، أجاب 80.5% منهم بنعم. لكن أغلبيّة الشباب المستجوبين يعترضون على فكرة الجهاد. ففي حين اعتبر جزء منهم أنّ الجهاد ليس فريضة شدّد جزء آخر على تفضيلهم "جهاد النّفس". وأدان شباب يصفون أنفسهم بأنهم سلفيون مستقلون "الفتنة" التي سببها الجهاد في أرض الإسلام. وحول تفسير دوافع الجهاد، تحدث أغلب الشباب عن الجانب الاقتصاديّ، حيث اعتبروا "اليأس" الدافع الرئيسيّ لمن ذهبوا. وتقيم الدراسة ربطًا بين دافع الشباب الذين توجهوا إلى سوريا والشباب الذين هاجروا جماعيًّا إلى أوروبا في الأسابيع الموالية لفرار بن علي، فالوجهات مختلفة لكن الدافع واحد.

وفي نفس السياق، ذكر شباب آخرون غنائم الحرب والمكافأة السماويّة عند الحديث عن دوافع الجهاد. كما تحدث شباب سلفيون عن أن الجهاد ضد "دكتاتور يذبح المسلمين" واجب دينيّ، خاصّة مع وجود عدّة أحاديث تصرّح بأن سوريا هي "أرض المعركة الأخيرة" ضد "جيوش المسيح الدجال". وبعيدًا عن الدوافع، يتراوح معدل أعمار الملتحقين بالجهاد بين 18 و24 عامًا. ومن المؤكد أنّ تحوّلهم لتبني الفكر السلفيّ الجهاديّ كان سريعًا، إضافة إلى محدوديّة تكوينهم الدينيّ.

في النهاية، تستنتج ألفة لملوم أنّ علاقة الشباب في دوار هيشر والتضامن تتميّز بما يمكن تسميته بالتجاذب الوجدانيّ، حيث يعتبر ما يقرب 60% أنّ السلفيّة "مجموعة متشدّدة"، لكن يعارض من ناحية ثانية 57.3% تصنيف أنصار الشريعة كجماعة إرهابيّة. كما تستنتج أنّ حديث شباب الحيّين العماليّين عن أوضاعهم وبناء هوياتهم يتمّ في علاقة بمحيطهم. كما يرتكزون في حديثهم على بلاغة سلفيّة، وأخرى ترتبط بمطالب العدالة الاجتماعيّة، ولغة تروجها وسائل الإعلام، والثقافة الحضريّة وأطر مرجعيّة أخرى.

اقرأ/ي أيضًا:

مدن الحدود الجنوبيّة لتونس: الإقصاء والعقاب (1/2)

مدن الحدود الجنوبيّة لتونس: الإقصاء والعقاب (2/2)