"رحلات الموت" في تونس.. التونسيون يبحثون عن سكة النجاة

تصميم على مواقع التواصل الاجتماعي يُجسد صور بعض ضحايا حوادث عرفتها تونس خلال هذا العام

 

"تمشي تتفرج في ماتش تموت.. تمشي تسهر تموت.. تمشي تقرأ تموت.. تمشي تحوّس تموت.." إحدى الجمل التي يتداولها التونسيون بكثافة منذ يوم أمس الأحد 1 ديسمبر/ كانون الأول، بعد إعلان انقلاب حافلة صباحًا على مستوى منطقة "عين السنوسي" من معتمدية عمدون كانت تقل مواطنين معظمهم من الشباب تتراوح أعمارهم بين الـ20 و30 سنة وقد كانوا في رحلة سياحية ترفيهية. 

الجملة لا تخلو من مبالغة لا ريب لكنها تعكس انطباعًا حاصلًا لدى جزء واسع من التونسيين هو أن بلدهم يتلقى الفاجعة تلو الأخرى وأن صبرهم بدأ ينفذ. الحادثة الأليمة أدت في حصيلة أولية إلى تسجيل 26  حالة وفاة وإصابات، وقد تم نقل الجرحى إلى مستشفيات باجة أو العاصمة تونس لتلقي الإسعافات وذلك حسب خطورة الإصابات. 

هناك انطباع حاصل لدى جزء واسع من التونسيين هو أن بلدهم يتلقى الفاجعة تلو الأخرى وأن صبرهم بدأ ينفذ

ما الذي حصل في فاجعة "عين السنوسي"؟

ذكرت وزارة الداخلية في بلاغ لها سويعات قليلة بعد الحادثة أن صورة الحادث تتمثل في سقوط حافلة، تابعة لإحدى وكالات الأسفار الخاصة، كانت تقل 43 شخصًا في إطار رحلة سياحية ترفيهية من تونس العاصمة في اتجاه عين دراهم، في مجرى واد بعد تجاوزها لحاجز حديدي.

وقالت الوزارة إنه تمت مباشرة عمليات الإنقاذ من طرف وحدات الحماية المدنية وهياكل الصحة العمومية مع تكوين خلية أزمة لمتابعة الموضوع على مستوى مصالح وزارة الداخلية.

لم تشر الداخلية التونسية أو أي مصادر رسمية إلى أسباب الحادثة بشكل واضح ونهائي إلى حد تاريخ كتابة هذه الأسطر، لكن المدير الجهوي للحماية المدنية بجندوبة منير الريابي كان قد رجح مساء الأحد، في تصريح لإذاعة موزاييك الخاصة، "فرضية فقدان سائق الحافلة السيطرة عليها أثناء اقترابه من المنعرج الخطير"، وقد أشار الريابي إلى أن "الحافلة انقلبت أربع مرات على الأقل قبل أن تصل إلى الوادي".

لم تشر الداخلية التونسية أو أي مصادر رسمية إلى أسباب الحادثة بشكل واضح ونهائي إلى حد الآن لكن يروج أن الحافلة متقادمة وأن السائق قد يكون فقد السيطرة عليها خلال المنعرج الخطير

في ذات السياق، قال وزير التجهيز في حكومة تصريف الأعمال نور الدين السالمي، الاثنين 2 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، بعد معاينته لموقع الحادثة إن "حالة الطريق ليست كارثية وبها كلّ الإشارات التي تدلّ على وجود منحدر خطير إلى جانب وجود حائط واق وقد تمّ مؤخرًا إضافة زلاقات"، مبينًا أن آثار المكابح بالطريق هي لعجلة واحدة وهو ما يكشف عن وجود إشكاليات في الحافلة المتقادمة، وفقه.

طريق "عمدون ـ عين دراهم" مرة أخرى..

الطريق الرابطة بين عمدون من ولاية باجة وعين دراهم من ولاية جندوبة، مكان فاجعة هذا الأحد، ليس غريبًا على التونسيين في حقيقة الأمر. عرفت هذه الطريق حوادث مميتة مشابهة من أحدثها حوادث انقلاب حافلات سياحية بعد انزلاقها في ديسمبر/ كانون الأول سنة 2017. الذكرى محزنة، وهي أشد حزنًا الآن بعد أن اختطف ذات الطريق أرواحًا أخرى بطريقة مشابهة تقريبًا. هكذا صارت عديد الطرقات في تونس تُعرف بـ"طرقات الموت" أو "طرقات الرعب" وبعض رحلاتها بـ"رحلات الموت"، كأن يُعرف الطريق بعدد ضحاياه وبالدمع المنسكب وبما أصاب عائلات من حزن وتشتت.

صارت عديد الطرقات في تونس تُعرف بـ"طرقات الموت" أو "طرقات الرعب" وبعض رحلاتها بـ"رحلات الموت"، كأن يُعرف الطريق بعدد ضحاياه

حاولنا البحث عن "أشهر" حوادث الطرقات في تونس لكن تعددها وارتفاع أعداد ضحاياها في مناسبات عدة حالا دون تقسيم أمين، لكن يذكر التاريخ التونسي حادثة أثارت جدلًا واسعًا لشبهات فساد مالي تضمنتها. يتعلق الأمر بحادثة انقلاب حافلة بمدينة قربص سنة 2005 كانت أدت إلى وفاة 21 شخصًا وإصابة 42 آخرين بإصابات متفاوتة الخطورة.

وكانت بينت الأبحاث، حسب تقرير لجنة تقصي الحقائق، أن وزير العدل السابق البشير التكاري تدخل في سير القضاء وآلت القضية إلى أن السائق كان تحت تأثير المشروبات الكحولية وأن إدارة وكالة الفحص الفني قصرت لعدم تثبتها من صلاحية فرامل الحافلة. وهكذا تم إعفاء شركة التأمين من تحمل مسؤولية التعويض المالي وتحملت شركة النقل بالساحل وإدارة الفحص الفني كل التعويضات. يُذكر أنه في سنة 2017، كانت قررت دائرة الاتهام لدى محكمة الاستئناف بتونس حفظ التهم في حق كل من الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ووزير العدل الأسبق بشير التكاري ورئيس ديوان سابق لوزير العدل ووزيرين مستشارين سابقًا برئاسة الجمهورية لـ"عدم توفر أركان الجريمة".

كيف واجه المسؤولون "فاجعة عين السنوسي"؟

مساء الأحد، زار كل من رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد ورئيس الجمهورية قيس سعيّد مكان الحادث، وطالب سعيّد بـ"ضرورة تحميل المتسببين في هذه الحوادث المسؤولية بقطع النظر عن أنّ الموت مسألة قضاء وقدر"، وفق ما نُقل عنه في تصريحات للإعلام المحلي، كما طالب بتغيير مسار الطريق الذي عرف الحادث.

وكانت قد تحولت "11 سيارة إسعاف وشاحنات نجدة تابعة لإدارة الحماية المدنية، على عين المكان لإسعاف الجرحى، كما وفّرت وزارة الصحة سيارة إسعاف أيضًا"، وفق تصريحات الناطق الرسمي باسم إدارة الحماية المدنية معز تريعة لوكالة تونس إفريقيا للأنباء (وكالة الأنباء الرسمية).

وجاء في بلاغ لوزارة الصحة، أن مركز العمليات الصحية الاستراتيجية بالوزارة قام بتفعيل مخطط إدارة الأزمة بالتنسيق مع مصالح الحماية المدنية وذلك بإشعار كل الهياكل الصحية العمومية بباجة والجهات المجاورة للتدخل السريع وتسخير سيارات إسعاف إلى موقع الحادث لتقديم الإسعافات الأولية وإجلاء الجرحى إلى الهياكل الصحيّة العمومية وقد تمّ توجيه 19 سيارة إسعاف ووضع المستشفيات في حالة تأهب لاستقبال الجرحى وتفعيل خلية الإحاطة النفسية للجرحى وعائلات الضحايا".

أما بلاغات الأحزاب السياسية التي تلت الحادثة فقد أجمعت على الدعوة لـ"فتح بحث تحقيقي جدّي في الحادثة، كشف الأسباب وتحميل المسؤوليات لكل من قد يثبت ارتكابه لإهمال تسبب في هذا الحادث". وطالب بعضهم وزارة التجهيز بالقيام برصد لحالة الطرقات خاصة في المناطق الجبلية تمهيدًا لفصل الشتاء، وصيانتها وتعزيز شروط السلامة فيها.

وزير التجهيز والإسكان: إعداد دراسة لإنجاز جسر بمنطقة الفاجعة بتكلفة 200 مليون دينار مع ضرورة الترفيع في ميزانية الوزارة

أما وزير التجهيز والإسكان في حكومة تصريف الأعمال نور الدين السالمي فقد أعلن، الاثنين 2 ديسمبر/ كانون الأول 2019، عن الانطلاق "حالًا" في إعداد دراسة لإنجاز جسر بمنطقة الفاجعة بتكلفة 200 مليون دينار. ودعا السالمي، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء (الوكالة الرسمية)، إلى "ضرورة الترفيع في ميزانية وزارة التجهيز لإنجاز المشاريع في المناطق المحرومة وتكريس مبدإ التمييز الإيجابي لهذه المناطق التي بها تضاريس وعرة فعليًا"، وفق تعبيره.

تدريجيًا، وخلال الساعات التي تلت الفاجعة، ارتفع عدد الضحايا وتم نقل عدد من المصابين إلى مستشفيات العاصمة الرابطة القصاب شارل نيكول مركز الإصابات والحروق البليغة ببن عروس لافتقار مستشفيات المنطقة للتجهيزات الضرورية لمتابعة حالاتهم. وارتفعت أصوات مألوفة تستنكر تركز المستشفيات الجامعية حول الشريط الساحلي والعاصمة وحالة التهميش التي تعرفها عديد المناطق في دواخل تونس ورداءة ما توفر على قلته من بنية تحتية. وتتالت الاستفسارات عن التجهيزات الموجودة للتعاطي مع هذه الحوادث وعن غياب طائرات عمودية قد تفيد في عمليات الإنقاذ وتُعجل بها.

حوادث الطرقات في تونس.. أرقام مرعبة 

تكشف أرقام المرصد الوطني لسلامة المرور، وهو مرصد حكومي، تسجيل 5043 حادث مرور عام 2019 منذ بداية العام إلى تاريخ 28 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أدت إلى وفاة 999 شخصًا وجرح 7326 شخصًا.

  • أسباب حوادث المرور

أما عن أسباب هذه الحوادث، يتصدر "شق الطريق" أسباب حوادث المرور بنسبة 23.5 في المائة (1183 حادث)، يليه "السهو وعدم الانتباه" بنسبة 18,1 في المائة (912 حادثًا) ثم "السرعة" بنسبة 14.9 في المائة (749 حادثًا). ويحل عدم احترام الأولوية في المرتبة الرابعة لأسباب حوادث المرور عام 2019 بنسبة 8.9 في المائة (447 حادثًا) والمداهمة بنسبة 6.9 في المائة (346 حادثًا).

  • الولايات الأكثر تسجيلًا لحوادث مرور

أما عن الولايات الأكثر تسجيلًا لحوادث مرور، تتصدر ولاية تونس عدد حوادث المرور المسجلة عام 2019 بـ1057 حادث (20.9 في المائة) ثم ولاية بن عروس بـ507 حادث (10 في المائة) وخلفها ولايتي نابل والقصرين بـ333 و332 حادث على التوالي. في المقابل، تعدّ ولاية زغوان أقل ولايات تونس تسجيلًا لحوادث المرور بـ41 حادث عام 2019 مع تسجيل ولايتي توزر وقبلي عدد 48 و49 حادث على التوالي.

أما عن توزيع عدد قتلى حوادث المرور حسب الولايات، فتتصدر ولاية تونس بدورها بـ108 قتيل (10.8 في المائة) أمام ولايتي صفاقس ونابل بـ93 و92 قتيل على التوالي (9.3 و9.2 في المائة على التوالي)، وفق إحصاءات المرصد الوطني لسلامة المرور.

تكشف أرقام المرصد الوطني لسلامة المرور، وهو مرصد حكومي، تسجيل 5043 حادث مرور عام 2019 منذ بداية العام إلى تاريخ 28 نوفمبر الماضي أدت إلى وفاة 999 شخصًا وجرح 7326 شخصًا

  • في أي فترة زمنية تكثر حوادث المرور؟

وحسب ذات الإحصاءات لعام 2019 وحتى الآن، سُجل أعلى عدد من حوادث المرور في الفترة الصباحية الممتدة من الساعة العاشرة حتى منتصف النهار (650 حادث) بنسبة 12.8 في المائة، ثم من الرابعة بعد الزوال حتى السادسة مساء (622 حادث) بنسبة 12.3 في المائة، ثم من منتصف النهار حتى الثانية بعد الظهر (610 حادث) بنسبة 12.1 في المائة.

ولكن بحساب توزيع عدد القتلى، فإن أكثر حوادث المرور تسببًا في حالات وفاة هي الحوادث الحاصلة بين السادسة والثامنة مساء (136 حالة وفاة بنسبة 13.6 في المائة) وخلفها الحوادث الحاصلة بين منتصف النهار والثانية بعد الزوال (95 حالة وفاة بنسبة 9.5 في المائة)

  • الصيف.. "فصل الموت" بحوادث المرور

وفي توزيع عدد الحوادث طيلة عام 2019، يتصدر شهر جوان/يونيو بـ553 حادث (10.9 في المائة) وثم شهر جانفي/كانون الثاني بـ540 حادث (10.7 في المائة) وخلفه شهر جويلية/يوليو بـ509 حادث (10 في المائة).

وبالنسبة لتوزيع عدد القتلى، يعد موسم صيف 2019 هو موسم الموت في حوادث المرور بتسجيله أعلى عدد من القتلى عام 2019 بـ 118 و117 قتيل على التوالي في شهري أوت/أغسطس وجويلية/يوليو 2019 (11.8 و11.7 في المائة) ثم شهر أفريل/نيسان بتسجيل 101 قتيل (10.1 في المائة).

تهميش وفساد.. السلطة تعترف لكن الحلول غائبة

انتقد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في تصريح إعلامي خلال زيارة قام بها مع رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد ووزيرة الصحة سنية بالشيخ، إلى مستشفى الحروق البليغة ببن عروس ومستشفى شارل نيكول، في ساعة متأخرة من ليل الأحد 1 ديسمبر/ كانون الأول 2019، غياب التجهيزات عن عديد المستشفيات العمومية، قائلًا "من يجلب المخدرات يدخلها إلى تونس ومن يجلب سيارات إسعاف نعطّله في الديوانة".

كما استنكر سعيّد غياب أجهزة "سكانير" عن عدد مهم من المستشفيات العمومية، مبينًا أن "هناك قرارات يجب أن تتخذ بسرعة وأنه لا يمكن انتظار 7 أشهر لتوفير سكانير". وأضاف أنه إذا أصبحت التشريعات عقبة أمام صحة المواطن فما على المشرّع إلا أن يتحمل مسؤوليته في هذه المسألة. واعتبر أن "الحدّ الأدنى من حقوق الإنسان غير متوفر في المستشفيات العمومية حاليًا".

يقر سعيّد بتهميش مناطق معينة في الداخل التونسي وبوجود تشريعات بالية وبيروقراطية تُعطل الإصلاحات في قطاعات مهمة وباستشراء الفساد في الصفقات العمومية والديوانة وغيرها

هكذا انتقد سعيّد عدم تساوي حظوظ مختلف جهات الجمهورية في ما يتعلّق بمنظومة الصحة العمومية واعتبر أنّه من غير المقبول أن يتمّ نقل مصابين لمئات الكيلومترات لعلاجهم في مستشفيات العاصمة نتيجة غياب الآلات الضرورية لعلاجهم في المستشفيات الداخلية.

يقر قيس سعيّد بتهميش مناطق معينة في الداخل التونسي وبوجود تشريعات بالية وبيروقراطية تُعطل الإصلاحات في قطاعات مهمة وباستشراء الفساد في الصفقات العمومية والديوانة وغيرها. في المقابل، ينتظر التونسيون تغييرات وإنجازات ملموسة تُقلص من رائحة الموت على  طرقات البلاد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوادث المرور عام 2019: ماذا تعرف عن أرقام الرعب في تونس؟

الفساد في الصفقات العمومية.. سرطان ينخر الإدارة في انتظار استئصاله