حينما تصبح الديوانة التونسية ممرًا آمنًا للتهريب!

حينما تصبح الديوانة التونسية ممرًا آمنًا للتهريب!

شبهات فساد عديدة في تقرير الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (فتحي الناصري/أ.ف.ب)

قطاع الديوانة (الجمارك) هو من أكثر القطاعات أهمّية بداية بدوره الجبائي في استخلاص المعاليم الموظفة على التوريد والتصدير، مرورًا بالدور الاقتصادي فهو الحصن المنيع الذي يحمي الصناعة والفلاحة والمستهلك من الاقتصاد الموازي، وفق ما استهلت به الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، في تقريرها السنوي لسنة 2017، الجزء المخصص لشبهات الفساد المرصودة في سلك الديوانة.

ولكن يبقى هذا القطاع، للأسف، من أكثر القطاعات في تونس أيضًا تسجيلًا للتجاوزات وشبهات الفساد من قبل أعوانه. وتؤكد عديد الدراسات على تصدر الديوانة للمراتب الأولى في نسب الفساد، ومن ذلك ما بيّنته دراسة أنجزها البنك الدولي حول التجارة الموازية في ديسمبر/كانون الأول 2013 أنّ حجم التجارة الموازية مع ليبيا والجزائر يفوق نصف حجم التجارة المنظّمة مع هذين البلدين وهو ما يعود، حسب الدراسة، لتفشي الفساد في صفوف أعوان الديوانة.

قطاع الديوانة هو من أكثر القطاعات في تونس تسجيلًا للتجاوزات وشبهات الفساد من قبل أعوانه

كما كشفت دراسة أعدّها المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية التابع لوزارة التنمية والتعاون الدولي، أنّ أغلب رجال الأعمال في تونس يرون أن الديوانة التونسية من أكثر الإدارات فسادًا في تونس. وبيّن المعهد أنّ 33 في المائة من المؤسسات التي قامت بنشاط تجاري مع الخارج خلال السنتين الأخيرتين، صرحت بأنّ أعوان إدارة الديوانة طلبوا منهم رشوة لتسهيل معاملاتهم الديوانية.

على صعيد آخر، دائما ما تتواتر أنباء عن إيقافات في صفوف أعوان ديوانة وإحالتهم على القضاء بسبب تورطهم في قضايا فساد أو رشوة أو تواطؤ مع مهربين وتسهيل عبورهم.

وقد تطرّق التقرير السنوي للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد للتجاوزات المرصودة في سلك الديوانة. إذ توصلت الهيئة بشكاية تعلّقت بشبهة رشوة تلقاها مقدّم بالمكتب الجهوي للديوانة ببن عروس من قبل رئيس مدير عام بشركة خاصة من أجل تقييم بضاعة مورّدة بأقل من قيمتها الحقيقية. كما ورد بالشكاية أنّ المورّد سبق له أن أعلم مصالح الديوانة ببن عروس بالموضوع، إلا أنّها لم تتفاعل مع إعلامه. وجاءت الشكاية مرفقة بقرص مضغوط يحتوي على تسجيل مصوّر لواقعة تسلّم الرشوة تأكدت من خلاله الشبهة وتمت بناء على ذلك إحالة الموضوع للقضاء.

اقرأ/ي أيضًا: 10 حقائق وتجاوزات في التصرف في أسطول "الخطوط التونسية"

كما تعهدّت الهيئة بالتقصي في عريضتين تتعلّقان بوجود شبهات فساد منسوبة لآمر فصيل المستودعات بالمكتب الجهوي للديوانة ببن عروس والممثّل القانوني لشركة تحت القيد الديواني المختصة في استغلال الزيوت النباتية المستعملة وتحويلها إلى مادة "بيو ديازل" والموضوعة تحت القيد الديواني.

وتتمثل شبهة الفساد في تصدير الشركة المعنية لزيوت مدعمة دون حصولها على التراخيص الإدارية اللازمة، بتواطئ من آمر الفصيل المذكور مقابل الحصول على منافع شخصية. وبمراسلة الإدارة العامّة للديوانة قصد إجراء الأبحاث اللازمة، تبّين كذلك أنّ الشركة المعنية تقوم بالتصدير دون الحصول على التراخيص الإدارية، كما ثبت أنّها تقوم بتصدير كميات من الزيوت تفوق الكميات المورّدة تحت نظام القبول المؤقت وذلك دون إثبات مصدر هذه الزيادة.

كما تعهدت الهيئة بمجموعة من العرائض وملفات التبليغ المباشر في جلسات سماع لديها مفادها شبهات فساد حول إطارات سامية بسلك الديوانة في علاقة بتجار وموردين وبرجال أعمال.

وباشرت الهيئة أعمال البحث والتقصي بجمع المعلومات لدى جميع الجهات منها بالخصوص الإدارة العامة للديوانة ووزارة الداخلية ومشغلي الهاتف الجوال "إتصالات تونس" و"أوريدو" مع سماع إطارات سامية بسلك الديوانة من بينهم أحد المظنون فيهم البارزين برتبة عميد بالديوانة.

كشفت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تقريرها السنوي عديد الملفات المتعلقة بشبهات فساد في قطاع الديوانة

وتتمثل الشبهات في وجود علاقة تربط بين هذا العميد مع مجموعة من كبار التجار ورجال الأعمال وبأباطرة التهريب مكنته من تكوين ثروة كبيرة. وتضمّنت العرائض الواردة على الهيئة وجود إجماع داخل الأوساط الديوانية على ارتباط المشتبه به المذكور بالمهربين.

كما توفرت لدى الهيئة من خلال هذه العرائض معطيات مفادها تواطؤ مدير الأبحاث الديوانية في تجاوزات تجاه مورد لم يرضخ في سوق قطع الغيار المستعملة لمطالب أحد كبار الموردين وصاحب جريدة "الثورة نيوز" الذي تربطه به علاقة مشبوهة فضلًا عن وجود تجاوزات خطيرة تتمثل في إسداء تعليمات إلى أبناء الحرس الديواني الميدانيين بتغيير أماكن تمركز مختلف الدوريات مما يساعد على فسح المجال أمام المهربين للمرور دون قيد ورقابة.

اقرأ/ي أيضًا: من بينها دعم عمل دائرة المحاسبات: هيئة مكافحة الفساد تقدم جملة من التوصيات

ونفى العميد أثناء سماعه أمام الهيئة الشبهات المنسوبة إليه في علاقته بصاحب جريدة "الثورة نيوز" في خصوص تقديم تسهيلات له في مجال توريد قطع الغيار ومحرّكات السيارات المستعملة وتزويده بالمعلومات المتصلة بالعمل الديواني كان يستعملها لابتزاز أعوان الديوانة والتجار الموردين خشية التشهير بهم بجريدته. كما نفى أن تكون له معاملات وعلاقة مشبوهة مع التاجر المورد.

وأكدت التحريات والأبحاث والسماعات في أوساط إطارات سامية بالديوانة جدّية الشبهات المنسوبة إلى العميد من حيث استغلاله لموقعه بإدارات حساسة عمل بها كإدارة الاستعلامات لربط علاقات مشبوهة مع تجار وموردين ورجال أعمال وصاحب جريدة الثورة نيوز.

وحضر لدى الهيئة أحد كبار التجار والموردين وصرّح بتورط العميد مع في عمليات توريد مشبوهة بتوفير الحماية له وتسهيل أعماله من حيث الإجراءات الديوانية مقابل عمولة يدفعها له شهريًا بمبلغ قدره 3 آلاف دينار.

وثبت لدى الهيئة من كشوفات المكالمات الهاتفية وعدد هام من الإرساليات بين العميد والتاجر مما يستنتج معه قيام علاقة وطيدة بينهما. وفي باب التحريات التي قامت بها الهيئة حوله لدى الإدارة العامة للديوانة، جاء بالمراسلة الواردة على الهيئة بتاريخ 8 فيفري/فبراير 2017 والوثائق المصاحبة له مفاده قيام علاقة مشبوهة بينه وبين العديد من الإطارات بسلك الديوانة.

إسداء التعليمات لأعوان الحرس الديواني لتغيير أماكن تمركز دورياتهم هي نقطة متكررة في أكثر من ملف فساد في الديوانة

وورد على الهيئة ملف آخر تعلّق بوجود تجاوزات خطيرة وتواطؤ كبير من طرف بعض المديرين بالإدارة العامة للديوانة وذلك لإسداء التعليمات إلى منظوريهم من أبناء الحرس الديواني الميدانيين قصد تغيير أماكن تمركز مختلف الدوريات العاملة من أجل مقاومة آفة التهريب، مما يساعد على فسح المجال أمام المهربين للمرور دون قيد أو رقابة.

كما أشارت الهيئة في ذات التقرير أنّها كشفت عن وجود مجموعة من أشخاص يشتبه في تعاطيهم لتجارة الذهب دون رخصة والتزود بالمصوغ المدلس من تجار حرفيين وبتغطية من أعوان ديوانة.

يذكر أنّ الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد كانت قد نظمت حملة توعويّة موجّهة للجالية التونسيّة من 19 إلى 21 سبتمبر/أيلول 2018، تحت شعار "ديوانة البلاد تتصدى للفساد". وهي الحملة السادسة ضمن سلسلة الحملات التي دأبت على تنظيمها الهيئة بالشراكة مع الإدارة العامة للديوانة وديوان التونسيين بالخارج وبدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وتهدف هذه الحملات إلى التعريف بالهيئة وإجراءات التبليغ عن شبهات الفساد وحماية المبلغين وللتعريف بالإجراءات الديوانيّة الجديدة المحدثة في إطار الشراكة القائمة بين الهيئة والديوانة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الإرهاب.. احتطاب من البنوك وسط ارتخاء أمني

تقرير دائرة المحاسبات: 10 خروقات خطيرة في مستشفى عزيزة عثمانة