24-نوفمبر-2023
قصف إسرائيلي على غزة

المقاومة في غزة بعيدة جدًا عن ذكرى السكان العزّل في الطنطورة (Christopher Furlong/Getty)

مقال رأي 

 

ابتدع أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان والباحث في "مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية"، إيتان شامير (Eitan Shamir) سنة 2013، مصطلحًا مروّعًا لوصف الجرائم الإسرائيلية المتكررة في غزة، إذ اعتبر أنه مثلما تنمو الأعشاب أكثر من اللازم في حديقة المنزل، وتجنبًا لتسرب الثعابين إليها، يحتاج الأمر "جزّ العشب" (mowing the grass)، فإن هناك حاجة دورية -لنقل كل بضعة سنوات- ليعود جيش الاحتلال ويمارس تطهيرًا عرقيًا جزئيًا لسكان غزة. نعم، قارن السيد إيتان القتل الدوري للمئات والآلاف من سكان غزة بما فيهم أطفالها بعملية جزّ العشب!

بعد مرور عشر سنوات، وبعد عملية 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كتب إيتان شامير مجددًا مقالًا طويلًا أعلن فيه هذه المرة الحاجة لإنهاء تقليد "جزّ العشب" واستهداف حماس واستئصالها بشكل كامل. لكننا هنا لسنا فقط إزاء ذهن مريض فحسب، بل أيضًا حالة غرور قصووية. وهي في الحقيقة جوهر المأزق الصهيوني في غزة، حيث إن هؤلاء يرون غزة حديقة خلفية بلا قيمة، تعيش فيها الحشرات والزواحف، ويستوجب التعامل معها بالفأس والمجرفة.

شاهدت منذ أيام الشريط الوثائقي "طنطورة". تجسيم مركز لمدرسة المراجعات التاريخية الإسرائيلية التي مثلها المؤرخ إيلان بابي من بين آخرين. عندما نتتبع القصة المؤلمة لسكان القرية الصغيرة العرب الذين تم قتلهم بدم بارد، نسجّل أنّ النقطة المركزية لسردية تأسيس دولة الاحتلال الراسخة في ذهن من قاموا بالمجزرة من المسنين المقبلين على الموت، أن حياة هؤلاء بلا قيمة، وأن إعدامهم كان ضروريًا، والحاجة لإخفاء ذلك هو فقط لحراسة "الصورة الأخلاقية المتفوقة" الوهمية التي تحتاجها سردية التأسيس الصهيونية. ما نحن إزاءه في الأصل هو شعور التفوق العنصري المرضي لا غير، الممعن في الإنكار وإعدام الذاكرة.

الواقع هو عجز الاحتلال عن تحقيق أي من الأهداف العسكرية الأساسية، "تحرير الرهائن" بالقوة أو الإجهاز على أي من قادة الصف الأول أو السيطرة المطلقة على مجالات حضرية في قلب غزة أو ضرب شبكة الأنفاق الاستراتيجية

عنصرية الاحتلال الاستيطاني ليست خاصية صهيونية. لكن مع الصهيونية تمثل الامتداد التاريخي الأكثر راهنية مقابل تلاشي كل الأمثلة المقارنة الأخرى. لكن ّآخر عناقيد تاريخ الاحتلال الاستيطاني العنصري لا يعني تعلمًا لدرس عدم فاعلية إرهاب الشعوب، بل يعني بالتحديد العناد والإمعان في ممارسة أقصى وسائل الهيمنة والاستئصال بأحدث الوسائل التكنولوجية جدة وعصرية.

بعد أكثر من شهر ونصف على عملية "جزّ عشب" غزة، بهدف استئصال الحديقة بأكملها، كان الهدف السياسي المعلن هو "القضاء على حماس" وخاصة عبر وسيلته القصوى أي محاولة التهجير القسرية من شمال القطاع إلى جنوبها على أمل طرد السكان، أو من تبقى منهم، إلى سيناء. ما نحن إزاءه ليس تغيرًا نوعيًا عن الإجرام المعتاد، والعجز عن استهداف القدرة العسكرية الأساسية للمقاومة.

لن ينتهي العدوان بعد الهدنة المؤقتة، بل سيتواصل، إذ الجموح الصهيوني المغرور سيحتاج لأن يمتص مزيدًا من الدماء حتى يرتوي ولو قليلًا

بمرور السنوات، كان العشب بصدد التحول إلى نباتات شديدة التمترس، هي في الأساس صخور عميقة يستحيل جزّها. الواقع هو عجز الاحتلال عن تحقيق أي من الأهداف العسكرية الأساسية، "تحرير الرهائن" بالقوة أو الإجهاز على أي من قادة الصف الأول أو السيطرة المطلقة على مجالات حضرية في قلب غزة أو ضرب شبكة الأنفاق الاستراتيجية. 

الواقع القائم أن المقاومة في غزة بعيدة جدًا عن ذكرى السكان العزّل في الطنطورة المسلحين ببضع بنادق بدائية بلا حول أو قوة. جرّت المقاومة الاحتلال إلى أجندتها السياسية جرًا، التفاوض معها وبوسائط إقليمية ودولية من أجل تحقيق الهدف السياسي من عملية 7 أكتوبر/ تشرين الأول في الأساس أي الانطلاق في مسار تبادل الأسرى.

طبعًا بعد الهدنة المؤقتة لن ينتهي العدوان، بل سيتواصل، إذ الجموح الصهيوني المغرور لم يتشف بعد وسيحتاج لأن يمتص مزيدًا من الدماء حتى يرتوي ولو قليلًا. لكن في النهاية سيرتطم بالحائط، وسيأخذ بعض الوقت حتى يتمكن من أن ينزل من شجرة الغرور المرضي. الحقيقة أنه سيسقط من على الشجرة ليرتطم على أعشاب وصخور غزة.

غزة لن تكون الطنطورة. انتقلنا إلى زمن جديد.

 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"