تونسيون دون ماء والجمعيات المائية في قفص الاتهام

تونسيون دون ماء والجمعيات المائية في قفص الاتهام

نص الفصل 44 من الدستور على الحق في الماء (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

منذ أكثر من سنة، لم تفقد "نعيمة" حالها حال الكثيرين من سكان الأرياف، في جهة سليانة، الأمل بعد في أن تسيل عبر الأنبوب قطرات ماء لا تقدّرها بثمن غير أنها تعود بخيبتها كالعادة بأوعية فارغة.

أسرة "نعيمة" هي واحدة من الأسر التي تتزود بالماء الصالح للشراب عبر المجامع المائية التي تبلغ 1443 جمعية مائية في تونس تتصرف في 80 في المائة من الموارد المائية بالبلاد التي لا يغطيها الربط بقنوات الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد).

منذ ظهورها في السبعينيات، يتمثل دور هذه الجمعيات غير الحكومية في تزويد التجمعات السكانية بالمناطق الريفية بالماء الصالح للشرب عبر فريق يضم من خمسة إلى سبعة من المتطوعين من سكان المنطقة يتم تعيينهم بالتوافق.

تعاني الجمعيات المائية مشاكل عديدة أثرت على ديمومتها واستمرارية تزويدها بالماء وجعلت الحق في الماء الذي نص عليه الفصل 44 من الدستور التونسي رهين حل إشكاليات عالقة ومسائل إدارية شائكة

لكن تعاني هذه المجامع، التي رأت فيها السلطة الحل لمعضلة نقص المياه، مشاكل عديدة أثرت على ديمومتها واستمرارية تزويدها بالماء، وصارت تؤرق المواطن والمسؤولين على حدّ السواء. وجعلت الحق في الماء الذي نص عليه الفصل 44 من الدستور التونسي رهين حل إشكاليات عالقة ومسائل إدارية شائكة.

إذ تفاقمت الديون لدى الشركة التونسية للكهرباء والغاز لتبلغ 18 مليون دينار سنة 2015، كما تعددت المشاكل التسييرية إضافة لغياب الخبرة في القائمين على هذه الجمعيات ومسيريها عدا عن شبهات فساد تحوم حول عدد منهم.

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. هل تتحقق انتفاضة العطشى؟

على مستوى وزارة الفلاحة مرجع النظر، كانت "دراسة الجمعيات المائية حالة بحالة لفضّ الإشكاليات المعترضة في ظلّ ارتفاع المديونية لضمان انطلاق كل المنظومات قبل الصائفة"، محور جلسة عمل حول متابعة مخططات التأمين للتزود بالماء الصالح للشرب لصائفة 2019. وعلى مستوى الجهات، يتابع المسؤولون الإشكاليات العالقة مع القائمين على هذه الجمعيات غير أن النتائج ظلّت على حالها، انقطاع متكرر ولمدد طويلة دون سابق إنذار.

وقد دفعت مشاكل الجمعيات المائية، التي حالت دون قيامها بدورها وهو توفير الماء للمواطنين، بمواطني الأرياف الى تدبّر أمرهم في مواجهة العطش.

الجمعيات المائية.. ديون وأعطاب وشبهات فساد

في "صدقة"، إحدى القرى في ولاية سليانة، يُرجع "محمد" في حديثه لـ"ألترا تونس" مشكلة انقطاع ماء الجمعية إلى سوء التصرف والمحسوبية في توزيع الماء على مستوى القائمين عليها، وتمكين البعض من استعمال الماء الصالح للشراب للريّ وهو ما يؤثر على تدفق الماء المخصص للشراب الذي تنخرط فيه حوالي 500 أسرة.

ويوضح أنه حُدّد سعر المتر المكعب من الماء الصالح للشراب بـ 600 مليمًا في حين حدّد السعر المخصص للري بـ 250 مليمًا، في حين أن الخزان واحد.

وأمام الانقطاع المتكرر للماء، يلجأ محدثنا إلى استجلاب الماء عبر صهريج بـ30 دينارًا، مضيفًا أن عددًا كبيرًا من المواطنين يلجؤون إلى الأبار المهجورة لجلب حاجاتهم من الماء. وقال إنه من غير المعقول أن تضع الدول روح المواطن بيد أشخاص غير جديرين بهذه المهمة، وفق تعبيره.

يلجأ تونسيون في الأرياف لاستجلاب الماء من الآبار المهجورة بسبب عدم قيام الجمعيات المائية بدورها (ألترا تونس)

 

كان هذا أيضًا رأي ربيع زروق، ناشط مدني ونائب رئيس جمعية "شباب المستقبل" في برقو، الذي صرّح لـ"ألترا تونس" بأن القائمين على هذه الجمعيات تعوزهم الخبرة والكفاءة في التسيير وهو ما يؤدي إلى خلل في الحسابات وعجز عن استخلاص الديون لدى المواطنين ولدى الشركة، ومما يؤدي أيضًا إلى قطع إمدادات الكهرباء وانقطاع التزود بالماء.

ودعا زروق إلى ضرورة إخضاع مسيري الجمعيات إلى دورات تدريبية في مجال العمل الجمعياتي. وتحدث عن إشكالية عدم صيانة الخزانات التي تؤثر على جودة الماء داخلها وتأثير ذلك على صحة الإنسان زيادة على تعطل إصلاح الأعطاب التي تطرأ على مستوى المضخات أو الأنابيب وذلك إلى غاية جمع تكلفة الإصلاح من المواطنين.

محمد (مواطن في قرية صدقة في سليانة): مشكل انقطاع الماء يعود إلى سوء التصرف في الجمعية المائية والمحسوبية وتمكين البعض من استعمال الماء الصالح للشراب للريّ

ولم يخف محدثنا تسجيل حالات اختلاس أموال قدرت بـ10 آلاف دينار في إحدى جمعيات المنطقة وفساد في الهيئات السابقة، وفق تأكيده.

لكن السيد "مختار"، وهو عامل مضخة قار يعمل منذ 10 سنوات في إحدى مجامع التنمية المائية، لخّص المشكل في عدم القدرة على تطبيق القانون وضعف المخزون مقارنة بالطلب. وأشار محدثنا، في هذا السياق، إلى أن المجمع لا ينتفع بعداد استثنائي ملائم لطبيعته وإنما يعتمد على عداد عادي وهو ما يؤثر على سعر الكهرباء، على عكس ما هو معمول به في مجامع التنمية والآبار.

كما اشتكى من غياب التنسيق بين السلط المحلية والقائمين على الجمعية في إدارة الأزمات، وتغطي إمدادات هذه الجمعية 114 كم مربع ويستفيد منها حوالي 250 أسرة بالاعتمادة على خزان واحد بسعة 30 متر مكعب.

ربيع زروق (ناشط مدني): مسيرو الجمعيات المائية تعوزهم الخبرة والكفاءة في التسيير وهو ما يؤدي إلى خلل في الحسابات وعجز عن استخلاص الديون

اقرأ/ي أيضًا: وثائقي "عطاشى تونس".. عن المواطن والدولة وكذبة العدالة

وقال محدثنا إن واحدة من أبرز الإشكاليات هي تعمد المواطنين الربط العشوائي، مشيرًا إلى امتناع البعض عن سداد فواتير الاستهلاك، وهو ما أدى إلى تراكم ديون شركة الكهرباء، وفق تأكيده.

إلا أن وزارة الفلاحة أرجعت في بلاغ لها تفاقم المديونية في مستوى المجامع المائية لدى الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى عدم حرصها على استخلاص مستحقات الماء من منخرطيها. وفي هذا السياق، قال الرئيس السابق للجمعية المائية "مرجع عوام سجة" محمد المديون في تصريح لـ"ألترا تونس" إن الديون المتخلدة من الكهرباء بلغت 16 ألف دينار، مؤكدًا أن المواطنين امتنعوا عن تسديد ما تخلّد بذمتهم وهو ما أدى إلى قطع الماء منذ سنة تقريبًا.

وأضاف أن الاتفاقيات التي تم توقيعها مع كل من الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه والسلط الجهوية لتغذية مدينة برقو بالماء صائفة 2018 ظلّت حبرًا على ورق وهو ما أدى مزيد تعقيد وضع الجمعية، حسب رأيه.

تحقيق فائض مالي.. الإصلاح الممكن

أعلنت وزارة الفلاحة سنة 2018 دخول قرابة 400 جمعية مائية في قائمة المجامع المائية المتميزة، وأنها اعتمدت على الحوكمة الرشيدة والتصرف الدقيق وتحسين أدائها والقيام بالصيانة اللازمة. وقالت الوزارة إن العملية تمت بناءً على زيارات ميدانية وتقارير محاسبية، إلا أنها لم تشمل على ما يبدو كل الجمعيات الناشطة في هذا المجال.

أعلنت وزارة الفلاحة سنة 2018 دخول قرابة 400 جمعية مائية في قائمة المجامع المائية المتميزة (ألترا تونس)

 

مجمع التنمية الفلاحية بالقرية الشمالية بمعتمدية كسرى تنخرط فيه 250 أسرة بهيئة تسييرية مكونة من ستة شبان انطلقت في العمل منذ 2013 بدين قدّر بـ5.8 ألف دينار، إلا أنه تمكن بفضل إحكام التصرف تجاوز العجز وتحقيق فائض مالي.

واعتبر رئيس الجمعية رشيد العصادي في حديثه لـ"ألترا تونس" أن تسجيل عجز مالي هو في الحقيقة انعدام للقدرة على التسيير، موضحًا أن أبرز عوامل نجاح المجمع هو الانطلاق بالصيانة وتركيب عدادات لكل مجمع سكني لمراقبة الاستهلاك، وتحديد تسعيرة اعتمادًا على مصالح المندوبية الفلاحية. وأفاد، في هذا الجانب، أن التسعيرة تقدّر اليوم بدينار واحد لمياه الشراب، وهي تسعيرة مرتبطة بارتفاع تكلفة الضخّ، وفق تأكيده.

رشيد العصادي (رئيس جمعية مائية بكسرى): أبرز عوامل نجاح المجمع هو الانطلاق بالصيانة وتركيب عدادات لكل مجمع سكني لمراقبة الاستهلاك

وقال محدثنا إن الجمعية لا تواجه أية إشكاليات في الاستخلاص بسبب التزام المواطنين بخلاص ما عليهم في الآجال المحددة، ما عدا تعنت بعض المنخرطين المنتفعين بمياه الري من الفلاحين، حسب قوله.

بالنهاية وأمام تعطّل المصادقة على قانون جديد يضع بعين الاعتبار ما يعطّل عمل هذه المجامع المائية ويفعل دورها بما يحافظ على الثروة المائية، لا بد من وضع حد لتفاقم مديونية هذه المجامع ومعالجة السلط المحلية لهذه الإشكاليات العالقة بطرق عملية وفعالة أسوة بجمعيات نجحت في إحكام التصرف وضمنت استمرارية تزويد المواطنين بالماء، وأثبتت أن الإصلاح يظلّ ممكنًا في كل الأحوال.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"عطشتونا" .. هل تنطلق انتفاضة الماء من تطاوين؟

سكان "الهراهرة" في القصرين.. تونسيون مع وقف التنفيذ!