وثائقي

وثائقي "عطاشى تونس".. عن المواطن والدولة وكذبة العدالة

فيلم يرفع الغطاء عن معاناة تونسيين لنيل نصيبهم من الماء

 

هل جرّبت يومًا أن تشرب ماء جنبًا إلى جنب مع الأبقار والحمير؟ هل جرّبت أن تحمل وعاء الماء على ظهرك وأنت تسير أمتاراً في طريق وعرة؟ هل جرّبت أن تشرب ماء ممزوجًا بالتراب وأشلاء الزواحف؟ هل جرّبت أن تعوّد نفسك على العطش؟ هل جرّبت الهروب من التفكير في أجوبة على أسئلة قد يطرحها أطفالك في المستقبل، أسئلة عن العدالة وتكافؤ الفرص، الشخصيات التي مرّت في فيلم "عطاشى تونس" خبروا هذه الأشياء حتّى تعايشوا معها وصارت جزءًا من اليومي.

يطرح الفيلم الوثائقي "عطاشى تونس" ملف معاناة التونسيين من الشمال إلى الجنوب للوصول إلى حقهم في الماء 

اقرأ/ي أيضًا: أزمة المياه.. هل باتت تونس مهددة بالعطش؟

"عطاشى تونس" وثائقي طويل غير مدعّم للمخرج رضا التليلي بالتعاون مع جمعية "نوماد 08" والمرصد التونسي للمياه، يصوّر معاناة التونسيين من الشمال إلى الجنوب للوصول إلى حقهم في الماء وبالتالي حقّهم في الحياة، أوليس الماء ما جعلنا منه كل شيء حيًا؟

أين الوتد الثالث لشعار الجمهورية؟

"حرّية كرامة عدالة نظام" هو شعار الجمهورية التونسية، شعار يقوم على أربعة أوتاد أخذتنا كاميرا رضا التليلي في رحلة للبحث عن الوتد الثالث أي العدالة، فلم نر له أثرًا في حياة أولئك الذين لا يطلبون من الدولة سوى حقّهم في الماء.

من شمال البلاد إلى جنوبها مرورًا بالوسط يتكرّر صراع التونسيين من أجل الحصول على نصيبهم من الماء في صور مختلفة، تتغير الأزمنة والأمكنة ولا يتغيّر وضع أولئك الذين يؤرقهم غياب الماء عن منازلهم.

تونسيون لا يطلبون من الدولة سوى حقّهم في الماء (جمعية نوماد08)

وأي عدالة تلك التي تجعل الإنسان يقاسم الحيوان منبع الماء الذي يتزوّد منه فقط لأنه لا يملك حلًا آخر، أي عدالة تلك التي تجعل ظهر امرأة ينحني تحت عبء وعاء الماء الذي تحمله لمسافات بعيدة، أي عدالة تلك التي تدرّ هواء من الحنفيات؟

وأنت تشاهد فيلم "عطاشى تونس" لا شيء يوحي لك بأننا في القرن الواحد والعشرين وفي السنة التاسعة عشر بعد الألفين، أوعية محمّلة على البغال والحمير، ورجال ونساء ينتظرون دورهم لملئها، رجل منحن يلقي في الماجل بقارورة قطع رأسها تمامًا كانقطاع الماء المستمر في بعض الجهات من الجمهورية، حفرة لتجميع المياه ركد فيها التراب، وغيرها من المشاهد الأخرى التي نقلتها لنا عين المخرج في محاولة لنفض الغبار عن صراع يومي متجدّد من أجل الحق في الحياة.

فيلم عاطفي 

"سجّل أنا تونسي أنا مواطن بلا ماء "، يقول لسان حال عطاشى تونس من الشمال إلى الجنوب، يتحدّثون عن معاناتهم، عن بقائهم لأسابيع دون استحمام، وعذاب تحصيل بعض المياه وتقسيمها بين أفراد العائلة والماشية بالمنزل، يتذمرون من حلاقيم المياه العاقر والسلطات التي لا تنجب حلولاً.

والفيلم الذي يطرح مشكل المياه في تونس من زاوية غياب العدالة الاجتماعية وعدم تكافؤ الفرص، يتسم بالعاطفية إذ بدا ذلك جليًا في التمشي الذي انتهجه المخرج، تمشّ أطلق العنان لقريحة المتدخلين لتجود بما يخالج صدورهم من حنق وغضب وشعور بالظلم والغبن ارتسم في أعينهم التي تراكم الدمع ولا تفلت منها عبرة واحدة تمامًا كالحنفيات التي لا تدرّ ماء.

"عطاشى تونس" يطرح مشكل المياه في تونس من زاوية غياب العدالة الاجتماعية (جمعية نوماد08)

ولا أحد يمكن أن يضع نفسه مكان أب لا ينفكّ يهرب من التفكير في أجوبة مقنعة لأسئلة أطفاله عن غياب الماء في قريتهم مقابل وجوده في أماكن أخرى، لينتهي في الأخير إلى اللاإجابة.

مناطق في الجنوب التونسي لم تبلغها المياه إلى حد اليوم، يرفع متساكنوها شعارًا بسيطًا لكنّه مزلزل "أعطونا الماء"، عطاشى يريدون أن يصبحوا برتبة "مواطنين عاديين"، حي في نفطة أنهكه سوء التصرف في المياه ومنازل متصدّعة، وواحات لم تعد صالحة للزراعة بسبب "المياه الميتة" التي يمكن أن تعيد الدولة استغلالها ودورات مياه المدارس بلا مياه.

مناطق توجان وسجنان الحاجب ومنزل المهيري وطبربة والوسلاتية وعين الدشرة هي مناطق يشكو أهلها العطش رغم أن بعضها قريب من السدود، مشاهد تثير عاطفتك وتدفعك إلى التساؤل "أين الدولة؟".

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. هل تتحقق انتفاضة العطشى؟

ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

والفيلم، وفق مخرجه رضا التليلي، تشخيص لمشكل المياه في تونس ومتنفس لأولئك الذين يعانون منذ سنوات ويلات الحصول على الماء لكنّ صدى تنهيداتهم لم يبلغ الدولة، هو فيلم منحاز لـ"عطاشى تونس"، والعطش في الفيلم يحتمل أكثر من تأويل، قد يكون عطش الإنسان إلى الماء، أو عطش الفرد إلى لفتة من المجتمع أو عطش المواطن إلى نظرة ودّ من دولة تناسته.

الفيلم عمل على إيصال صوت العطاشى في تونس (جمعية نوماد08)

وفي "عطاشى تونس"، كثيرة هي المشاهد التي ظهر فيها أطفال من أعمار مختلفة، أطفال يبتسمون رغم كم اليأس في مداخلات الكبار، ووجود الأطفال في الفيلم في لقطات الانتقال من جهة إلى أخرى ليس اعتباطيا فقد أراد المخرج من خلاله أن يلفت النظر إلى أنّ مشكل المياه ليس رهين الساعة بل هو متواصل بل وقد يحتدّ في المستقبل ويهدد حياة أجيال أخرى.

وابتسامات الأطفال فيها بعض من الأمل ودعوة للبحث عن حلول لمشكلة المياه خاصة وأن الأمر يتعلّق بسوء تصرف في الثورة المائية وغياب إرادة سياسية لتوزيعها العادل، وفق ما لفت إليه المخرج رضا التليلي.

حقوق الإنسان بوصلة

"عطاشى تونس" هو أول الغيث في مشروع يعنى بحقوق الإنسان ويسعى إلى تبليغ صوت التونسي الذي حرم من حقه في النفاذ إلى ثروات بلاده، وهو ما أكّده المنسّق بالمرصد التونسي للمياه علاء المرزوقي خلال العرض الأول للفيلم بقاعة سينما الريو إذ يقول إن المرصد حاول من خلال السينما إيصال صوت العطاشى في ظل غياب العدالة.

وفي حديثه عن الفيلم، أشار إلى أنّ المرصد التونسي للمياه غاص في عمق تونس بسدودها ووديانها ورصد مشكلة المياه ومن هناك انبثقت فكرة النضال من أجل الحق في الماء.

فيما قال رئيس جمعية نوماد 08 أحمد الطبابي، من جهته، إن الفيلم يوثّق مشاكل الإنسان في الجهات اللي تعاني من انقطاع في الماء، بهدف معالجة هذه المشكلة والوصول إلى مرحلة تكون فيها تونس بلا عطاشى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل سقط هواة الصّيد في تونس ضحيّة التهور والإرهاب؟

أحياء الآجر على ضفاف المدينة.. بوصلة الفقر في سوسة