تربية الأسماك في تونس: قطاع واعد ومخاوف صحية وبيئية

تربية الأسماك في تونس: قطاع واعد ومخاوف صحية وبيئية

قطاع تربية الأسماك يشهد تطورًا سنويًا مستمرًا (ماهر جعيدان/الترا تونس)

لم يكن جدل الثروات الطبيعية في تونس مقتصرًا في السنوات الأخيرة على النفط والفسفاط والملح بل شمل أيضًا استغلال الثروات المائية البحرية. إذ تساهم الثروة السمكية في تونس في الدورة الإنتاجية ونمو الاقتصاد وتشغيل اليد العاملة، كما تزود السوق المحلية والعالمية بالمنتجات السمكية بمختلف أنواعها.

وقد أثار انتشار مصائد المياه الداخلية وتربية الأحياء المائية، في السنوات الأخيرة، جدلًا لدى الرأي العام والمختصين في الشأن الاقتصادي حول مسألة ضمان الأمن الغذائي، ومدى مساهمة تربية الأسماك بالأقفاص العائمة في تأمين جزء من الاكتفاء الذاتي من المنتوج البحري. ويثير، إجمالًا، ملف استغلال الموارد المائية مسألة الاستغلال الفاحش للموارد الأولية من طرف المستثمرين الخواص باعتبار أن المياه هي ثروة وطنية مشتركة.

 تثير تربية الأسماك مسألة استراتيجية الدولة في الحفاظ على التوازن البيئي خاصة مع ما تخلفه تربية الأسماك من تأثيرات بيئية جانبية

كما تثير تربية الأسماك مسألة استراتيجية الدولة في الحفاظ على التوازن البيئي، خاصة مع ما تخلفه تربية الأسماك من تأثيرات بيئية جانبية نتيجة الاستغلال المفرط للمياه وتغيير البيئة الطبيعية مما يؤدي إلى تأثيرات خطيرة على التنوع البيئي المحلي. كما يطرح هذا الملف العديد من التساؤلات من طرف المستهلك حول المنتوج الغذائي المستزرع وخاصة مكونات الأعلاف التي تتغذى منها الأسماك سواء الموردة منها أو المنتجة محليا.

إجابة على هذه التساؤلات، زار "الترا تونس" إحدى مواقع تربية الأسماك عرض البحر بولاية المنستير، واتصل بمسؤولين في وزارة الفلاحة والصيد البحري ومستثمرين خواص لاستجلاء ما خفي في مجال الأسماك المستزرعة.

قطاع في نمو مستمر

شهد الإنتاج السنوي لتربية الاحياء المائية، حسب آخر إحصائيات وزارة الفلاحة والصيد البحري، تطورًا من نسبة 3 في المائة سنة 2007 إلى 16 في المائة سنة 2017 من الإنتاج الجملي للصيد البحري وذلك بمعدل نمو سنوي يقدر بنسبة 18 في المائة، فيما بلغت كمية الإنتاج 22 ألف طن خلال سنة 2017.

اقرأ/ي أيضًا: أطنان من النفايات الخطرة في مياه تونس.. ما قبل الكارثة!

كما ارتفع نسق الاستثمار في مجال تربية الأسماك في الأقفاص العائمة باستقطاب 23 مشروعًا في الإنتاج إلى جانب مشروعين بالأحواض على اليابسة لإنتاج الأسماك البحرية خاصة من صنفي "الوراطة" و"القاروص". وبلغ الإنتاج حوالي 20.3 ألف طن سنة 2017 وساهم بنسبة 93 في المائة من الإنتاج الجملي لتربية الأحياء المائية مسجلًا معدل نمو سنوي يقدر بـ26 في المائة بين سنتي 2007 و2017 حسب نفس المؤشرات الصادرة عن وزارة الفلاحة والصيد البحري.

وبخصوص الأعلاف السمكية، يقع توريدها أساسًا وذلك على النحو الذي سجلته أرقام سنة 2017 بتسجيل توريد بقيمة 142 مليون دينار من العملة الصعبة مقابل كميات مسوقة محليًا في حدود 16 ألف طن في نفس السنة.

رقابة صحية لضمان الجودة

خلال زيارتنا لضيعات تربية الأسماك في عرض البحر بولاية المنستير، لاحظنا انتشار الأقفاص العائمة على مساحات محددة وذلك في أكثر من نقطة خاصة قبالة سواحل مدينة المنستير، وطبلبة، ومشارف المهدية، وهي أقفاص دائرية الشكل يضم كل منها كميات من الأسماك تنشأ في دورة تربوية على مدار السنة.

يعتبر عمر الصامت، الكاتب العام للجامعة الوطنية لتربية الأحياء المائية، في حديثه لـ"الترا تونس" أن مشروع تربية الأسماك يدخل ضمن مشروع دعم الأمن الغذائي الوطني في ظل تراجع انتاج الصيد البحري في السنوات الأخيرة، وهو ما استدعى ضرورة سد فجوة التوريد وفق قوله.

عمر الصامت (الجامعة الوطنية لتربية الأحياء المائية): قطاع تربية الأسماك يتعرض لحملات مغرضة وتشويه سمعة حول مكونات الأعلاف السمكية 

لكنه تحدث عن وجود صعوبات متعددة في قطاع تربية الأسماك منها صعوبات إدارية وقانونية وأخرى اجتماعية متعلقة بتوفير اليد العاملة. ويقدّر الصامت أن قطاع تربية الأسماك يتعرض لـ"حملات مغرضة" متحدثًا عن تشويه لسمعة القطاع بخصوص مكونات الأعلاف السمكية وهو ما سبب ضررًا مباشرًا في التسويق وفق تأكيده، وأشار لإطلاق صفارة الإنذار لدى المصالح المعنية في وزارة الفلاحة والصيد البحري.

يذكر أن عديد الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تساءلت مؤخرًا حول مدى استجابة الأعلاف السمكية للشروط الصحية من حيث المكونات وهو ما سبب عزوفًا على اقتناء الأسماك المستزرعة في السوق التونسية.

من ناحيته، يخبرنا سهيل بن محمد، وهو متفقد بيطري مركزي بالإدارة العامة للمصالح البيطرية بوزارة الفلاحة، أن الأسماك المستزرعة تتغذى من أعلاف إما تكون موردة أو مصنعة محليًا، وتوجد في كلتا الحالتين رقابة لتأمين السلامة الصحية للأغذية.

وبين محدثنا أن المراقبة تنصب على الوثائق المرفقة للأعلاف، وهي أيضًا مراقبة مادية بأخذ عينات للتحاليل اللازمة لضمان السلامة الصحية للأعلاف. أما بخصوص الأعلاف السمكية المصنعة محليًا، قال المتفقد البيطري إنها تخضع للرقابة البيطرية الرسمية على المستوى المركزي وكذلك على المستوى الجهوي، وهي مراقبة دورية تشمل فحص طريقة الإنتاج والمواد الأولية المستعملة والمنتج.

مزارع تربية الأسماك قبالة سواحل المنستير (ماهر جعيدان/الترا تونس)

كما صرح مهدي شاكر، رئيس مصلحة بدائرة الإنتاج الحيواني بالمندوبية الجهوية الفلاحية بالمنستير، خلال لقاء بإعلاميين، أن مصالح الإنتاج الحيواني دائمًا ما تلفت النظر من الملوثات في مياه البحر، مشيرًا بأنه لا توضع الأقفاص العائمة بصفة اعتباطية بل تكلف بذلك لجنة فنية مختصة تدرس الموقع وتأخذ بعين الاعتبار الضوابط الفنية.

وأشار للزوم توفير المستثمر لضمانات عند تسليم الرخصة، مؤكدًا على خضوع السمك للمراقبة الصحية عبر التنقل الميداني بصفة دورية لمراقبة الاصبعيات والأعلاف، وأضاف أن المصانع تخضع أيضًا للمراقبة البيطرية عبر منظومة الاسترسال للمصنع.

وشدّد المسؤول في وزارة الفلاحة أن تحديد الجودة هي المحدد الأساسي لمدى صلوحية الأسماك مبينًا أنه عند استخراج الأسماك مباشرة من الأقفاص يقع حملها في حاويات تضم ماء بقدر الربع ومثله ثلجًا فيما يقع ملء النصف الآخر بالمنتوج السمكي. كما أشار إلى أن 60 في المائة من منتوج الأسماك المستزرعة في تونس موجود في ولاية المنستير، مؤكدًا أن عملية المراقبة الصحية البيطرية تشمل كذلك مرحلة التعليب والفرز.

مهدي شاكر (وزارة الفلاحة): لا توضع الأقفاص العائمة لتربية الأسماك بصفة اعتباطية بل تقوم بذلك لجنة فنية مختصة

وكانت قد أثارت الملوثات البحرية قبالة سواحل المنستير جدلًا في أكثر من مناسبة خاصة فيما يتعلق بتأثيراتها على تربية الأسماك في الأقفاص العائمة أمام ضعف التيارات المائية في عدة مناطق بحرية. وتتوجه، في هذا الجانب، أصابع الاتهام للمستثمرين في قطاع تربية الأسماك المستزرعة بإضرارهم بالمجال البيئي نتيجة الاستغلال الفاحش للمواقع أمام الرغبة في الربح ورفع القدرة الإنتاجية بأي ثمن.

ودائمًا ما يتم التشديد على ضرورة حماية قاع البحر من التصحر في مواقع التربية، والتنبيه إلى ضرورة المحافظة على النظام البيئي البحري. وتنبه تقارير إدارة مصائد الأسماك وتربية الأحياء المائية، في منظمة الأغذية والزراعة العالمية، من مساوئ تربية الأحياء المائية وتحديدًا من إمكانية انتقال الأمراض من الأسماك المستزرعة إلى الأسماك الطبيعية، إضافة لما يسببه تراكم الطعام المفقود تحت الأقفاص من تأثيرات سلبية على التنوع البيئي المحلي.

اقرأ/ي أيضًا: جزيرتا قورية.. نحو محمية طبيعية لحماية السلاحف البحرية

قطاع واعد رغم التحديات

يخبرنا فريد نويرة، وهو مدير وحدة إنتاجية في أعلاف الأسماك بالمنستير، أن تصنيع الأعلاف السمكية في تونس يوفر العملة الصعبة ويشغل اليد العاملة التونسية، مؤكدًا أن تصنيعها محليًا يوسع القدرة الإنتاجية للأسماك المستزرعة خاصة مع التوجه للسوق الخارجية في التصدير إضافة لتعديل السوق المحلية من حيث الأسعار.

وأضاف أن مسحوق السمك هو المادة الأولية للأعلاف السمكية، مشيرًا أن القانون التونسي لا يسمح الا بمسحوق السمك كمادة أولية للأعلاف، وبيّن أنه يتم خلط هذا المسحوق مع السوجا والقمح والذرة وهي مكونات تضمن النوعية الجيدة للسمك وفق تأكيده.

تربية الأسماك تشمل بالخصوص "الوراطة" و"القاروص" (ماهر جعيدان/الترا تونس)

ويعتبر نويرة في حديثه لـ"الترا تونس" أن المواطن التونسي سرعان ما يتأثر بالإشاعة، وذلك في إشارة للإشاعات حول المواد الأولية المكونة للأعلاف السمكية على مواقع التواصل الاجتماعي. وأضاف أن تربية الأسماك ليست بدعة تونسية بل منتشرة في أنحاء العالم قائلًا إنها بلغت أشواطًا كبيرة.

وحول مسألة تصحر قاع البحر بسبب الأقفاص العائمة، يتحدث محاورنا عن نقص خبرة بعض المستزرعين ما يجعلهم، وفق تأكيده، يستعملون كميات أكبر من الأعلاف وهو ما يتسبب في تراكمها وبالتالي تضرر الموقع، داعيًا إلى ضرورة إعطاء راحة بيولوجية للأقفاص.

فريد نويرة (مستثمر): تصنيع الأعلاف السمكية في تونس يوفر العملة الصعبة ويشغل اليد العاملة التونسية

يُعتبر قطاع الأسماك المستزرعة، بالنهاية، قطاعًا مستجدا في تونس وهو يواجه تحديات مجال مراقبة الجودة رغم أن المركز الفني لتربية الأحياء المائية (حكومي) يقوم بالمتابعة الصحية، ويعمل على تأطير الشركات وإعداد البرامج الوقائية لتفادي انتشار الأمراض، وأيضًا حسن استغلال الأعلاف عبر التصرف المحكم في المخزون.

وتوصي، في الأثناء، الوثيقة التوجيهية لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بضمان اقتسام المنافع والتكاليف بصورة عادلة ومنصفة، وتشجيع حيازة الثروة، وخلق فرص العمل، وضمان وصول الجميع إلى الغذاء الكافي، وإدارة البيئة على نحو يفيد أجيال المستقبل وبالتالي تنفيذ مدونة السلوك بشأن الصيد الرشيد.

مراسل "الترا تونس" خلال زيارة موقع لتربية الأسماك قبالة سواحل المنستير (ماهر جعيدان/الترا تونس)

اقرأ/ي أيضًا:

مياه صرف صحي وملوثات مصانع وتسربات نفطية.. كارثة تلوث شواطئ تونس

فيروس يتلف محاصيل الطماطم والفلفل في سيدي بوزيد.. ما القصة؟ ومن المسؤول؟