جزيرتا قورية.. نحو محمية طبيعية لحماية السلاحف البحرية

جزيرتا قورية.. نحو محمية طبيعية لحماية السلاحف البحرية

1562 مشاهدة
تعتبر جزيرتا قورية أحد الأماكن الحاضنة للسلحفاة البحرية (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

بحلول فصل الصيف تنتعش السياحة في تونس ويكون البحر ملجأ لأغلب العائلات التونسية هروبًا من الحر وتمتعًا بعناصر الطبيعة المتوسطية من شمس وبحر وهواء نقي ويستهوي عاشقو الاصطياف الولوج إلى أماكن قد يرونها مناطق فريدة من نوعها وذات خصوصية ومتعة كمثل زيارة جزيرتي قوريا الكبرى والصغرى قبالة سواحل المنستير، على بعد 16 كلم من الشاطئ، وهما جزيرتان ضاربتان في القدم كان يطلق عليهما سابقًا جزيرتا الأرانب لتكاثر الأرانب البرية فيهما.

تعتبر جزيرتا قورية الكبرى والصغرى إحدى أكبر المناطق الحاضنة للسلحفاة البحرية الضخمة الرأس التي يطلق عليها "كاريتا كاريتا" 

اقرأ/ي أيضًا: تونس تخسر 5 مراتب في تصنيف مؤشر الأداء البيئي لسنة 2018

وتتميز هاتان الجزيرتان بشاطئ رملي أصفر اللون ذهبي الإشراق وحافظتا على خصوصيتهما البيئية إلى اليوم رغم بعض العبث الذي نالها على مر العقود. وتؤكد الدلائل التاريخية أن هذه الجزر ضمت حضورًا إنسانيًا في الفترتين القرطاجنية والإسلامية رغم عدم القيام بأية حفريات بها.

وتعتبر جزيرتا قورية الكبرى والصغرى إحدى أكبر المناطق الحاضنة للسلحفاة البحرية الضخمة الرأس التي يطلق عليها "كاريتا كاريتا" (caretta caretta)، وهي سلحفاة بحرية قد يصل طولها 270 صم ويكون وزنها حوالي 135 كغ عند البلوغ ويميل لون جلدها إلى الاصفرار والبني بينما لون صدفتها هو البني المائل إلى الحمرة.

تقضي السلحفاة البحرية ضخمة الرأس حياتها في المياه المالحة وهي من الصنف المهاجر وتتواجد بعدة مناطق في المحيطات والبحار ومن بينها البحر الأبيض المتوسط. وتعتبر جزيرتا قورية إحدى المناطق المميزة لتعشيش هاته السلاحف، فيها تتعايش وتتكاثر بأعداد كبيرة سنويًا وذلك ما دفع بباحثي البيولوجيا إلى وضع برنامج متابعة عملية التبييض والتفقيس على شواطئ الجزيرتين. وتتواصل إلى اليوم على مدى أكثر من ثلاثة سنوات وذلك في إطار اتفاقية بين المعهد الوطني للتكنولوجيا وعلوم البحار والمركز الإقليمي للمناطق المتمتعة بحماية خاصة ووكالة حماية الشريط الساحلي وجمعية "أزرقنا الكبير" بالمنستير.

تتناقص السلاحف البحرية شيئًا فشيئًا جراء التلوث (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

ومتابعة من "الترا تونس" لهذه المنطقة الطبيعية ذات الخصوصية البيئية، رصدنا هذه الجزر في هذا الصيف لنقف على تحديات أنصار البيئة في الحفاظ على أيقونة طبيعية تضم السلحفاة الضخمة المهددة بالانقراض.

حدث عماد الجربي باحث في البيولوجيا البحرية "الترا تونس" قائلًا "في إطار هذا البرنامج نتقبل مجموعة من الطلبة سنويًا من خلال تربصات يقومون بها لإعداد الماجستير ونهتم من البداية بعملية وضع البيض على طول الشاطئ وصولًا إلى عملية التفقيس وخروج صغار السلاحف وعودتها إلى مياه البحر ونقوم بمتابعات بيولوجية حماية لهذه الكائنات".

من جهته، أوضح حامد ملاط، أحد الناشطين والباحثين في المجال البيئي، لـ"الترا تونس"، أنه "خلال عملية المتابعة نقتفي آثار إناث السلاحف عند عملية التبييض ونحدد أماكن وضع البيض بوضع علامات دالة وعلى مدى 50 يومًا نراقب الساحل ونقوم بإحصاء كمية البيض بعد كل عملية تفقيس ونحدد أصناف البيض الذي أتلف أو نجح".

يقول المختصون إن السلاحف البحرية تتناقص شيئًا فشيئًا جراء التلوث والصيد العشوائي واكتساح الإنسان لهذه الجزر التي تمثل الملاذ الوحيد لهذه السلاحف

و يذكر أن "المعدل الإنجابي منخفض للسلحفاة البحرية ضخمة الرأس، حيث تضع الإناث ما متوسطه أربع حضنات بيض، ثم تدخل في فترة سكون، حيث لا تضع أي بيض آخر لمدة عامين إلى ثلاثة أعوام. وتصل السلحفاة ضخمة الرأس إلى مرحلة النضج الجنسي خلال 17 إلى 33 عامًا، ويتراوح عمرها بين 47 إلى 67 عامًا". ويقول المختصون إن السلاحف البحرية تتناقص شيئًا فشيئًا جراء التلوث والصيد العشوائي واكتساح الإنسان لهذه الجزر التي تمثل الملاذ الوحيد لهذه السلاحف.

خليل عطية، مدير المعهد الإقليمي للمناطق المتمتعة بحماية خاصة، قال لـ"الترا تونس"، إن "الهدف من هذا المشروع هو المساعدة على إيجاد التوازن الايكولوجي للسلحفاة البحرية في وسطها الطبيعي وهو الوسط البحري والساحلي. وتعتبر قورية من المناطق، في طور إعدادها كمحمية بحرية، التي تتكاثر فيها السلاحف البحرية التي تساهم بدورها في إيجاد التوازن البيئي".

تمثل آفة الفأر الأسود خطرًا على جزيرتي قورية لأنها تتغذى من بيض السلاحف البحرية (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

اقرأ/ي أيضًا: أطنان من النفايات الخطرة في مياه تونس.. ما قبل الكارثة!

"أزرقنا الكبير"، إحدى الجمعيات البيئية المنتصبة بمدينة المنستير، ويرتكز نشاطها أساسًا على سلامة البيئة البحرية وزاولت نشاطها منذ سنة 2012 في المجال البيئي وبعقدها شراكات مع مؤسسات حكومية ومنظمات بيئية عالمية، أبرزت جزيرتي قورية الكبرى والصغرى كمشروع محمية طبيعية خاصة بعد أن عبث بها التلوث في العقود الأخيرة خاصة والاستعمال المجحف لشواطئها من طرف المنصات السياحية العشوائية التي انتصبت بالجزيرة في فصل الصيف.

أحمد غديرة، رئيس جمعية أزرقنا الكبير، بيّن لـ"الترا تونس"، أن "من أهم ما سعت إليه الجمعية المساهمة في إنجاح الأبحاث العلمية من جهة والتواصل مع مؤسسات الدولة وسلطاتها المحلية والوطنية المتداخلة لتأمين البيئة السليمة والحد من التدخل العشوائي للبشر على طول شاطئ قورية والقيام بدور المراقبة للسلامة البيئية من جهة والوقوف على حملات تحسيسية تمس كافة المواطنين من تلاميذ وطلبة ومكونات المجتمع المدني".

وقد انطلقت منذ سنوات عملية مسح للجزيرة لتحديد خصوصيتها النباتية والحيوانية إذ قال الخبير البيئي رضا المكني لـ"الترا تونس"، "انطلقنا بالمسح النباتي لجزيرة قورية الصغرى حيث أحصينا أكثر من 80 نوعًا من النباتات المتوسطية منها نوعين غير معلومين لكنهما منتشران بمنطقة خنيس والمنستير. ويعتبر أرخبيل قوريا متنفسًا بحريًا فريدًا غير أن النفايات عبثت به ". كما تم القضاء على الفأر الأسود المنتشر في الجزيرة نتيجة توافده من باخرات النقل. وقد تسبب هذا النوع من الفئران في خلل بيئي خطير.

جمال جرجير (مختص) لـ"الترا تونس": الفأر الأسود يهدد التنوع البيولوجي ويأكل صغار الطيور والزواحف ويحتل الموقع الإيكولوجي ويقوم بأكل بيض السلاحف

وبخصوص هذه الآفة، يقول جمال جرجير الذي أشرف على مشروع استئصال هذا الوافد الخبيث لـ"الترا تونس"،  إن "الفأر الأسود يهدد التنوع البيولوجي ويأكل صغار الطيور والزواحف ويحتل الموقع الإيكولوجي. ويقوم بأكبر جريمة وهي أكل بيض السلاحف.  وقمنا بمشروع ضخم تمكنا من خلاله من استئصاله من الجزيرة بطرق علمية وأمنا بالتالي دورة طبيعية كما كانت عليه سابقا". ومن بين الأنشطة التي قامت بها الجمعية إزالة الشباك العالقة في الأعماق أو ما يعبر عنها "بالشباك الشبح" والتي تهدد حياة السلاحف.    

أيمن كيلاني، موظف بوكالة تهيئة الشريط الساحلي، صرح لـ"الترا تونس" قائلًا "إزالة الشباك لها تأثير كبير على السلحفاة البحرية لأنها تمنعها من موت محقق كما يمكن لهذه الشباك أن تكون سببًا في تغيير مكانها الطبيعي لعملية التبييض".

كما خصص بمدينة المنستير مركز لعلاج وبحوث السلاحف البحرية مما ساهم في ترشيد المواطنين والبحارة لعدم وأد السلحفاة و نقلها إلى هذه المراكز المتخصصة للعلاج وإعادة إدماجها في بيئتها الطبيعية كما يقوم المركز بعمليات التشريح لبيان أسباب نفوق السلحفاة وتحديد مؤشرات إنذار مبكر لاستشراف الخطر.

من جهته، دعا الناشط في المجتمع المدني محمود صالح إلى "ضرورة توفر الإرادة السياسية في حماية هذه الجزر ومنع كل ما من شأنه أن يخل بالتوازن البيئي بقوة القانون". ويقوم المجتمع المدني وأنصار البيئة على مدار السنة بعملية تحسيس بضرورة المحافظة على هذه الجزر. كما يتم ترشيد السياحة البديلة في هذه المنطقة خاصة في فصل الصيف ومنع التدخل البشري المضر بخصوصيتها وخاصة مساهمة البشر في ارتفاع مستويات التلوث الناتج عن السياحة غير الرشيدة و الصيد العشوائي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الـ"بلوغينغ".. صيحة رياضية جديدة في تونس

أوامر وقرارات من أجل حماية نوعية الهواء في تونس